الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 237 من قانون الأحوال الشخصية

الرأي الفقهي
نص الفقهاء على أنه يشترط في الموصى له إذا كان شخصاً طبيعياً أن يكون
1 – موجوداً 2 – معلوماً 3 – غير وارث 4 – غير قاتل.
أولاً – أن يكون موجوداً أي في حين إنشاء الوصية وموجوداً حين موت الموصي حقيقة أو تقديراً كالحمل فالوصية للحمل جائزة إذا تحققت حياته حين الايصاء وعند موت الموصي ولما كان القانون سار على اعتبار أكثر مدة الحمل سنة شمسية. ووفق ما نصت عليه المادتان (236 و237) من هذا القانون. ومطابقاً لن المادتان 35 و36 من قانون الوصية المصرية المأخوذة عن مذهب مالك.
ومما ورد في نص المادتين المشار إليهما والفقرة الثالثة من المادة 237 فلا بد من الرجوع إلى المواد 213 وما يليها.
نقول إن ما جاء فيها عما يتفرع على اشتراط حياة الموصى له أنه لو أوصى لفلان من الناس وكان ميتاً حين الوصية فالوصية باطلة ولو أوصى لفلان وكان حياً ثم مات قبل موت الموصي بطلت الوصية لأن تملكه لا يتم إلا عند موت الموصي وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء ولو أوصى لزيد وخالد بثلث ماله وخالد ميت كانت كل الوصية لزيد سواء علم الموصي بموت خالف أم لا وقال أبو يوسف يعطي زيد نصف الثلث إذا لم يعلم الموصي بموت خالد.
ولو أوصى بثلث ماله بين زيد وخالد وكان خالد ميتاً فلزيد نصف الثلث قبل موت الموصي فللحي النصف ويبطل نصف الميت انظر المادة 299 وما يليها في هذا القانون كذلك المادة 540 قدري باشا.
ثانياً – أن يكون معلوماً أي أن لا يكون مجهولاً جهالة لا يمكن استدراكها وإزالتها لأن الجهالة التي لا يمكن استدراكها تمنع من تسليم الموصى به إلى الموصى له فلا تفيد الوصية.
فعن ما ذكرناه من اشتراط الحياة وعدم الجهالة في الموصى له إنما هو في الوصية إلى أشخاص طبيعيين معينين أما الوصية لله تعالى ولأعمال البر بدون تعيين جهة فهي صحيحة وتصرف في وجوه الخير (الفقرة 1 من المادة 213) والوصية لأماكن العبادة والمؤسسات الخيرية والعلمية وسائر المصالح العامة تصرف على عماراتها ومصالحها وفقرائها وغير ذلك من شؤونها ما لم يتعين المصرف بعرف أو قرينة (الفقرة الثانية ذات المادة) ويصح أن يوصى لجهة معينة من جهات البر ستوجد في المستقبل فإن تعذر وجودها صرفت الوصية إلى أقرب مجانس لتلك الجهة (المادة 214).
ثالثاً – أن لا يكون وارثاً ذهب جمهور الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة إلى أنه لا تجوز الوصية للوارث لقوله صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث وكذلك القانون.
انظر هامش المواد 216 – 219 و238 أحوال سوري كذلك المادة 536 قدري باشا.
رابعاً – أن لا يكون قائلاً لقد ذهب فقهاء الحنفية إلى أن قتل الموصى له للوصي يمنع من استحقاقه للوصية سواء قتله بعد الايصاء أو قبله بأن جرحه ثم أوصى له الجروح ومات بعد ذلك عملاً بالحديث لا وصية لقاتل – رواه الدارقطني والبيهقي ولأن الورثة يتأذون من استحقاق القاتل للوصية فيؤدي ذلك إلى العداوة والبغضاء وأيضاً فإن القتل يمنع من استحقاق الإرث بالإنفاق والوصية كالإرث وفي حرمان القاتل من استحقاق الوصية عقوبة له على جريمة اجتماعية كبرى كما في الإرث انظر القاعدة 1296 – 1297.
هذا ما اختاره القانون وهو مذهب الحنفية في منع القاتل في استحقاق الوصية انظر المادة 529 قدري باشا.
أما نوع القتل الذي يمنع استحقاق الوصية فقد أخذ القانون في ذلك بمذهب مالك في القتل الذي يمنع من الإرث وهو القتل قصداً سواء كان القاتل فاعلاً أصلياً أو شريكاً إذا كان القتل بلا حق ولا عذر وكان القاتل عاقلاً بالغاً من العمر خمس عشرة سنة. ومن التسبب في قتل الموصي قصداً بالشهادة عليه زوراً إذا أدت إلى الحكم عليه بالإعدام وتنفيذ ذلك وأن هذا النوع من القتل يمنع من استحقاق الوصية الاختيارية والواجبة.
وعلى هذا فالقاتلون الذين يستحقون الوصية هم
1 – المجنون والمعتوه ومن كان بمعناهما.
2 – الصبي إذا كان دون الخامسة عشرة.
3 – القاتل بحق أو بقدر كالجلاء الذي ينفذ حكم الإعدام والقاضي الذي حكم بالإعدام والقاتل دفاعاً عن النفس وعن الشرف. انظر المذكرة الإيضاحية في الملحق.
4 – القاتل خطأ.
وخلاصة ما سبق نرى أن القانون نص على الشرطين الأولين من شرائط الموصى له وهما أن يكون معلوماً وموجوداً عند الوصية وحين موت الموصي إن كان معيناً (المادة 212) أما إن كان غير معين كجهات البر فلا يشترط وجوده عند الايصاء أو موت الموصي (المادتان 213 / 214).
ولم يذكر الشرطين الثالث والرابع في شرائط الموصى له ولكنه ذكر في فصل بطلان الوصية أن القتل يمنع من استحقاق الوصية المادة 223 كذلك انظر المادة 302.
ثم ذكر في باب أحكام الوصية أن الوصية لا تنفذ للوارث إلا إذا أجازها الورثة (المادة 238) وهذا يفيد اشتراط أن لا يكون الموصى له وارثاً.
ويلاحظ بأن الشروط توزعت بين مواد متباعدة وكان الأولى أن تذكر في نسق واحد وفصل واحد.
إلا أنه مما لا شك فيه أن توسعة المالكية ف فتح باب الوصية هو الذي يتفق مع المصلحة والفقه لأن الوصية من عمل المعروف وعمل المعروف يتوسع به الإنسان الصالح بما لا يتوسع في غيره ولأن الوصية كالوقف وقد جاز الوقف على من سيوجد فتجوز الوصية أيضاً لأن الفقهاء جميعاً أجازوا فيها لم يجيزوا في غيرها فأجازوا الوصية بالمجهول والمعدوم الذي سيوجد عند الوفاة فتسامح الفقهاء جميعاً في القواعد بشأنها فكان من الواجب التوسعة أيضاً بإجازة الوصية للمعدوم الذي سيوجد انظر المادة 231.
وأمام بحثنا هذا بشأن المجهول والمعدوم نقول إن الحمل له شبه بالعدوم الذي سيوجد.
إذ ألمع الفقهاء على جواز الوصية للحمل المستكن وإن اختلفوا في الهبة له ووجهة الفرق بين الهبة والوصية في هذا أن الهبة تملك في الحال. فيقتضى وجود الملك في الحال على وجه اليقين والهبة عند أكثر الفقهاء لا تتم إلا بالقبض ولا يوجد من يقبض عن الجنين لعدم ثبوت الولاية عليه وهو جنين.
أما الوصية فهي تمليك مضاف إلى ما بعد الموت فتنفيذها لا يكون إلا بعده فلا ضرورة لوجوده بيقين وقت الوصية.. لأن الوصية كالميراث من حيث أن الملك فيها يثبت بالخلافة والحمل يرث… فصح أن يوصى له.
ولكن الوصية للحمل توجب أن يثبت وجوده في بطن أمه عند إنشاء الوصية إذا كان معيناً بالتعيين لأن الموصى له المعين يشترط وجوده وقت الوصية كما سبق وذكرنا… ويجب أن يكون موصوفاً بالأوصاف الذي ذكرها الموصي فإن ذكر أن الوصية لحمل فلانة من فلان… فلا بد لصحة الوصية من أن يثبت نسبه من فلان هذا.. لأنه عرفه بهذه النسبة.. فلا بد من ثبوت نسبه وللتأكد من وجوده طريقان التأكد الطبيعي.. والتأكد الحكمي
1 – التأكد الطبيعي عنته المادة 236 / أ والمادة 237 / 1 وذلك أن يولد حياً لسنة فأقل من ذلك وإذا جاءت الحامل في وقت واحد أو في وقتين بينهما أقل من ستة أشهر بولدين أو أكثر كانت الوصية بينهم بالتساوي إلا إذا نصت الوصية على خلاف ذلك وإذا كانت الزوجة الحامل معتدة من طلاق رجعي وقت الوصية 236 / ب ولم يكن في عبارة الموصي ما يدل على إقراره بأن الحمل مستكن في بطن أمه وقت إنشاء الوصية كما سبق ذكره وإنما اعتبر التأكد الطبيعي بولادته لسنة فأقل. وجاء في القانون المصري المادة 35 بولادته لتسعة أشهر لأن الحمل عادة يكون بقدر هذه المدة ويندر أن يولد الحمل حياً لأقل من هذه المدة.
والقانون عندما اعتبر التأكد الطبيعي في حال قيام الزوجية.. لأن القانون ليس له حكم بأمد معين أكثر من هذا. حتى يعتبر الأخذ به لمدة عينها الشارع في أحكام ثبوت النسب أو غيره وتعتبر الزوجية قائمة حكماً في الطلاق الرجعي ولذلك الحق في الوصية بقيام الزوجية.
2 – إن التأكد الحكمي يكون بولادة الحمل في المدة التي اعتبرها القانون السوري أقصى مدى وهي سنة لوجود الحمل في بطن أمه وقد أخذ بهذه المدة في حالين
الحالة الأولى حال الإقرار بالحمل لأنه في حال الإقرار يؤخذ المقر بإقراره إلا إذا ثبت يقيناً كذبه في هذا الإقرار وذلك يجب أن تكون ولادته في المدة التي حددها القانون وهي سنة فأقل فإن ولد لأكثر من هذا لا يسوغ تكذيب المقر في إقراره بل يؤخذ هو وورثته.
والحالة الثانية في حال اعتداد الحامل من وفاة أو فرقة بائنة فإن الحمل يدخل في الوصية إذا ولدته لأقل من سنة من وقت وفاة الزوج أو من وقت حدوث الفرقة ففي هذه الحالة تصح الوصية ولو كانت ولادته لأقل أو لأكثر من سنة من تاريخ إنشاء الوصية (وإن كانت هذه الحالة نادرة) وذلك لأن الشارع حكم بثبوت النسب في هذه لهذه المدة ومعنى ذلك أنه حكم بأنه كان في بطن أمه وقت الوفاة أو الفرقة فكان واجب التنسيق الفقهي أن يحكم بوجوده في كل الأحوال ومنها حال الوصية.
لأن الحمل كان في زمن وجود الموصي على قيد الحياة أو قبل الفرقة بين والدي الموصى له وذلك لصدور الإقرار ولو بالإقرار الضمني والحكم بثبوت النسب وعلى ذلك تقدير مدة أطول غير ملغ لاعتبار المدة القصيرة إلا أنه في هذا الحال يشترط موافقة الورثة وثبوت النسب.
وإن القانون السوري… كذلك المصري جعل أقصى مدة للحمل هي سنة شمسية لأن الأطباء قرروا أن الحمل لا يمكن أن يستقر في بطن أمه أكثر من سنة ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً. وذلك يتفق مع رأي محمد بن عبد الحكم من فقهاء المالكية فإنه جعل أقصى مدة الحمل سنة وكذلك رأي بعض الحنابلة غير أن السنة تحسب عند هؤلاء بالسنة الهلالية.
وقد قرر القانون بمادته 237 احتمال ولادة أكثر من ولد في حمل واحد في وقت واحد أو في وقتين مختلفين بينهما زمن يدل على أنه توأمان هو أقل من ستة أشهر.
ففرض القانون ذلك فقرر أنه إن ولد أحدهما حياً.. والآخر ميتاً كان الموصى به كله للحي وإن ولدوا أحياء كان الموصى به بينهم بالتساوي إلا إذا كان للموصي نص خاص ففي هذه الحالة يتبع نصه.
وإذا ولد أحدهما حياً ثم مات فإنه ينتقل ما يستحق إلى ورثته لأنه مات بعد استحقاقه ودخوله الموصى به في ملكيته ويجب أن يفرض أن ذلك مشروط بقبول من تكون له الولاية. لأن القبول شرط لثبوت الملكية في الوصية فإنه جعل القبول لمن له الولاية على ماله بإذن القاضي.
فلكي نقول إن نصيب الحمل الذي يولد حياً ثم يموت… ينتقل إلى ورثته يجب أن نفرض أن الملكية انتقلت إليه فإن لم يكن القبول قد وجد فإن حق القبول والرفض ينتقل في نصيبه إلى ورثته.
وهذا كله إذا كانت الوصية بالأعيان.. أما إذا كانت الوصية بالمنافع. فهي وصية بالمنفعة لمعين فتنتهي بموته. لأن الوصية بالمنافع إن لم يكن لهما شرط معلوم تنتهي بوفاة الموصى له بهما.
وإن أحكام الحمل أخذت كما نرى من رأي الأئمة الثلاثة ومن رأي الشافعي خاصة والمدد أخذت من مذهب أحمد بن حنبل وهو يتفق مع الأغلب الشائع الأعم وأخذ الرأي بمدة سنة من رأي محمد بن عبد الحكم من فقهاء المالكية كما سبق وذكرناه.
وقد اشترط القانون الوصية للحمل إن ذكر أنه من فلان أن يثبن نسبه منه لا أن يثبت مجرد العلوق وذلك لأنه قد يكون الحمل منه ولكن لا يثبت النسب لأنه إذا كان من زنى لا يثبت النسب فلا تثبت الوصية وهذا مذهب الشافعي وبه أخذ القانون.
هذا ونلاحظ أن الموصى إذا مات قبل أن تلد ولزمت الوصية للحمل بالقبول تكون الملكية موقوفة حتى يولد حياً وإن ولد ميتاً كانت لورثة الموصي وإن ولد حياً كانت له سواء أكانت الوصية بأعيان أم بمنافع وإن كانت بالأعيان تكون الغلات تابعة للأعيان فتكون موقوفة على ولادته حياً فإن ولد حياً ملكها وإلا كانت للورثة أيضاً واستحقاقه الغلة على أنها من الموصى به لا على أنها رسمية كما هو مذهب القانون. والله أعلم.
ملخص بتصرف من الأهلية والوصية والتركات ص 388 وما يليها وقانون الوصية – أبو زهرة – ص 78 وما يليها