Call us now:
الرأي الفقهي
وعن كل ما سبق عرفنا ما نصت عليه المواد 246 – 250 من قانون الأحوال الشخصية وإن الوصية تنفذ في الثلث من غير حاجة إلى إجازة الورثة 251 / 2 أما في الزائد على الثالث فلا تنفذ إلا بإجارة الورثة وهذا تقديره ظاهر في الوصية بحصة معينة من التركة بأعيانها ومنافعها (المادة 253) أما في الوصية بالمنفعة وحدها فتقديره يحتاج إلى بحث واستقصاء ونظر وذلك لأن ملكية المنفعة ملكية ناقصة فكيف تقدر بالنسبة للرقبة وكيف يكون تقديرها بالنسبة للتركة عامة.
وقد قسم القانون المنافع الموصى بها بالنسبة لتقدير قيمتها ثلاثة أقسام
القسم الأول تقدير الحقوق وهي من أنواع الوصية بالمنافع كما بينا سابقاً. وتقدر بمقدار أثرها في العين التي حملت هذه الحقوق فقيمة الحق كحق الشرب تقدر بالفرق بين قيمة العقار محملاً بهذا الحق (المادة 253 / ج) وقيمته غير محملة بهذا الحق. فإذا كان الفرق مائتي ليرة.. كان هذا الفرق هو قيمة حق الشرب الموصى به مثلاً. وبذلك تكون نسبته إلى قيمة التركة العامة وعند تزاحم الوصاية بقدر بهذا القدر عند المحاصة فيها وهذا بلا فرق بين أن تكون الوصية مؤقتة بمدة أو مطلقة إلا أنها إن كانت مؤقتة بمدة قدرت قدرة العين محملة بالحقوق في هذه المدة وإن كانت مطلقة قدرت العين محملة بالحق تحميلاً مطلقاً عن المدة. انظر المادة 253 أحوال.
القسم الثاني هو ما أتت على ذكره المادة 253 / ب إن كانت الوصية بمنافع عين أو ببعضها أو مطلقة أو بمدة حياة الموصي أو بمدة معلومة تزيد على عشر سنين ففي هذه الحال تصدر الوصية بقيمة العين نفسها فإذا أوصى بمنفعة عقار مطلقاً أو لمدة إحدى عشر سنة تقدر المنفعة بقيمة العين نفسها لأن أمل الورثة في الانتفاع بها بأنفسهم احتمال تحقق ليس بقريب. فكان الورثة بأنفسهم قد نقص منهم ذلك القدر من الأعيان التي أوصى بمنفعتها. ويجب أن يتوافر لهما الثلثان من التركة على وجه التعيين. وبما أن ذلك لا يتم بفرض تنفيذ الوصية بالمنفعة إلا إذا تأكدنا أن العين تخرج من الثلث (المادة 253) وجب النظر عند تقدير المنفعة بقيمة العين نفسها ليكون للورثة ضمان الثلثين ينتفعون بهما في حياتهما.
القسم الثالث الوصية بمنافع عين أو بعضها عشر سنين أو أقل وتقدر الوصية بقيمة المنفعة الموصى بها في هذه المدة أي تقدر المنفعة بأجرة المثل للعين في هذه المدة وهذا هو الأصل في تقدير المنفعة وهو التقدير الحقيقي وقد عدل عنه إلى غيره الذي بيناه في القسم الثاني.
هذه هي طرق تقدير الوصية بالمنفعة كما جاءت في القانون.
إلا أنه لا بد من أن ننتقل إلى كلام الفقهاء في تقدير الوصية بالمنفعة لمدة معلومة ولهم فيها رأيان
الأول رأي أبي حنيفة وأصحابه ومعهم بعض الفقهاء. فقد جاء في البدائع جزء 7 صفحة 353 أن الوصية بالمنفعة تقدر بالعين الموصى بمنفعتها أياً كانت المدة فإن كانت العين تخرج من الثلث نفذت… وإن لم تخرج من الثلث لا تنفذ. وعللوا ذلك بأن الوصية بالمنافع فيها منع العين عن الوارث مدة قلت أو كثرت وتفويت للمقصود من الأعيان وهو الانتفاع بها وكل منع للحق يعتبر الحق الممنوع من الثلث ما لو أجل المريض مرض الموت ديناً معجلاً لا ينفذ على الورثة إلا في الثلث. وإن كان التأجيل لا يتضمن إبطال ملك الدين لكن لما كان فيه منع للوارث عن الدين قبل حلول الأجل لم يصح إلا في قدر الثلث فكذلك هنا. لا تنفذ إلا في الثلث ويقدر الثلث بقيمة الأعيان.
الثاني رأي الشافعية والحنابلة ومعهم بعض الفقهاء أن قيمة الوصية بالمنافع تقدر بقيمة المنافع نفسها في مدة الوصية لأن تقدير قيمة الوصية بقيمة ما يناله الموصى له منها فتقدر قيمة المنافع مجردة عن العين وقد جاء في المغنى ج- 6 ص 478 تبيان طريقة تقويمها فقال متى أريد تقويمها فإن كانت مقومة بمدة – قوم الموصى بمنفعته مسلوب المنفعة تلك المدة ثم تقوم المنفعة في تلك المدة فينظركم قيمتها وإن كانت الوصية مطلقة في الزمان كله فقد قيل تقوم الرقبة بمنفعتها ويعتبر خروجها من الثلث لأن عبداً لا منفعة له وشجراً لا ثمرة له فلا قيمة له غالباً وقيل تقوم الرقبة على الورثة والمنفعة على الموصى له.
وترى من هذا أن المنفعة تعتبر قيمتها قولاً واحداً عند الحنابلة إن كان لها مدة معلومة. فإن كانت مطلقة كان القول الراجح أن تكون قيمتها قيمة العين. وبذلك أخذ القانون تقريباً. فهو اعتبر قيمة العين إذا كانت الوصية بالمنفعة مدى الحياة أو على التأييد. أو لمدة تزيد على عشر سنين واعتبر قيمة الوصية بقيمة المنفعة إذا كانت الوصية بالمنافع مدة معلومة لا تزيد على عشر سنين.
وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للقانون المصري أنها أخذت أحكام القانون من مذهب أبي حنيفة في الحالة الأولى وأخذته من الشافعية في الحال الثانية.
وأنه لو اعتبر مذهب أحمد أصلاً له في كل أحكامه هنا لكان ذلك أحكم لأنه يشتمل بأقواله على كل أحكام هذه المواد.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن بعض الوصايا بالمنافع مهما تكن مدتها قدر القانون فيها قيمة الوصية بقيمة العين الموصى بمنفعتها وهي مقيدة بمدة ولو كانت أقل من عشر سنسن وهي الوصية بالإقراض انظر المادة 218 – وقد جاء في الفتاوى الهندية ج 3 ص 128 أن الوصية بالإقراض جائزة وإن ما جاء في المادة الملمع إليها جاء تفسيراً للمواد السابقة لها فأخذها القانون جملة من مذهب أبي حنيفة كما بينا وحسناً فعل القانون في ذلك ولو كان غير ذلك لكان تقدير قيمة المنافع في هذا الحال يدخل في باب الربا.. والفوائد.. وهو ما أجمع الفقه الإسلامي على رفضه وعدم الأخذ به.
هذه هي الأحكام التي نظم بها القانون العلاقة بين مالك الرقبة ملكاً حراً ومالك المنفعة في حال اختلاف الملكية فيهما بسبب الوصية لعين أو محصور. وقد ورد في المذكرة الإيضاحية للقانون المصري في الأمر الأول أنه أخذ من مذهب الحنفية وفي الأمر الثاني من مذهب أبي يوسف.
وهذا النقل يدل على موضع الخلاف بين أبي يوسف في رواية عنه وغيره ولا خلاف بينه وبين غيره في توقف نفاذ البيع في الجزء الموصى بمنفعته على إجازة الموصى له أو انتهاء مدة الانتفاع.
وكون القانون أن له أصل فقهي أمر مقرر وهو في مذهب ابن حنبل وغيره وإنما موضع النظر هو النقل عن أبي يوسف والله أعلم.
إلا أنه لا بد لنا الرجوع إلى قانون الأحوال الشخصية والمادة 218 ما قبلها فنرى بأن القانون لم يبين لنا الوصف أو ماهية الوصية بالإقراض. هل هي وصية بعين.. أم هل هي وصية بمنفعة والظاهر من نص القانون أن الوصية بالإقراض هي من قبيل الوصية بالعين فلا تسترد.. إلا أننا نرى المشرع عدل عن تقدير المنفعة كما رأينا الوصية بالمنافع فلم يقدر الوصية بالإقراض مما ينتفع به وذلك في رأينا خشية الوقوع في شبهة الربا لأن منافع النقود تختلف عن منافع الأعيان فالوصية بالمنافع كما جاءت في القانون تقدر بمنفعة العين الموصى بمنفعتها لا بقية المنفعة من العين ذاتها إلا إذا كانت مؤيدة أو كانت تزيد على عشر سنوات. فتقدير الوصية بالإقراض بالثلث يجب أن يقدر بذات المبلغ لا بمقدار منفعته.
فالوصاية بالإقراض كما ذكرنا آنفاً هي وصية بمنفعة ولكن مقدرة بقيمة العين ذاتها لا بقيمة المنفعة وهذا يتفق مع مذهب الحنفية خلافاً للشافعية.
وفي رأينا من الضروري جداً أن يشترط القانون على الوصي تحديد مدة معينة للقرض وإلا كنا أمام حرج كبير في تفسير الوصية.. فمثلاً لو أوصى شخص بإقراض فلان مبلغاً من المال ومات الموصي.. فماذا يفسر القاضي والورثة هذه الوصية.. وما هو الأجل المحدد لاستيفاء هذا الدين.
إذا رجعنا للمبادىء العامة في عقد القرض نرى أن الحنفية يقولون أن الأجل في القرض غير لازم.. إلا أنهم استثنوا القرض في الوصية فاعتبروا الأجل في قرض الوصية لازماً ولا يحق لورثة الموصي استرداد القرض من الموصى له به قبل أجله بخلاف ما لو كان حياً انظر صفحة 4672 من مجموعة التقنين المدني السوري الجزء الخامس لمعد هذه المجموعة.
وقد جاء في البدائع ج 7 ص 396 ما يلي وقد يلزم الأجل في القرض بمال أن يوصي بأن يقرض من ماله بعد موته فلاناً ألف درهم إلى سنة فإنه ينفذ وصيته ويقرض من ماله كما أمر وليس لورثته أن يطالبوا قبل السنة.
لذا نعيد القول بأن من واجب المشرع أن يشترط على الموصي تحديد أجل الوصاية بالإقراض. وطالما أن القانون سكت عن ذلك فيجب على القاضي حين تسجيل الوصية أو تثبيتها أن يتأكد من تحديد أجل القرض.. وإذا لم يكن فنرى أنه يجب تحديد الأجل بالعرف إن لم يكن هناك نص.. أو يعطى تحديد ذلك للقاضي على أن يستأنس بالعرف والقرائن الدالة على مثل هذا التحديد والله أعلم.
ملخص بتصرف من كتاب الأهلية والوصية والتركات للدكتور صابوني وسباعي ص 399 وما يليها وكتاب الوصية للأستاذ أبو زهرة ص 142 وما يليها والبرديسي ص 122 وما يليها