الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 257 من قانون الأحوال الشخصية

الرأي الفقهي
جاء في المذكرة الإيضاحية لمشروع قانون الأحوال الشخصية الوصية الواجبة الأصل فيها آية كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقني.
استحدث المشرعون في القضاء الإسلامي الحديث الوصية الواجبة لمعالجة مشكلة من مشكلات الأسرة التي كانت الآراء متفقة على وجوب معالجتها وإيجاد حل لها. ألا وهي مشكلة الأحفاد الذين يموت أبوهم.. أو أمهم في حياة جدهم.. أو جدتهم ثم يموت الجد أو الجدة بعد ذلك.
وفي نظام الإرث الإسلامي لا يستحق هؤلاء الأحفدة شيئاً من ميراث الجد أو الجدة لوجود أعمامهم أو عماتهم على قيد الحياة.. وقد يكون هؤلاء الأحفدة في فقر وحاجة ويكون أعمامهم أو عماتهم في غنى وثروة.
إن نظام الإرث من حيث قواعده العامة نظام عادل لا اعتراض عليه فالأقرب أمس صلة بالميت من الأبعد ولكن تطبيق هذا النظام قد يؤدي إلى بعض المفارقات كما في مشكلة الأحفدة الفقراء. لذلك جاء القانون المصري للوصية الصادر عام 1946 بحل هذه المشكلة عن طريق الوصية الواجبة ثم اقتفى أثره القانون السوري مع بعض الاختلاف في الأحكام إعطاء الحجبة المحجوبين بوجود أعمامهم أو عماتهم نصيباً من أموال الجد عن طريق الوصية مستند إلى مجموع آراء فقهية لا إلى مذهب معين أو رأي فقهي معين.
ذلك أن الجمهور من الفقهاء على أن الوصية في حدود الثلث مندوب إليها كما قدمنا ولكن بعض الفقهاء ذهبوا إلى أنها واجبة للوالدين والأقربين الذين لا يرثون عملاً بقوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف. أما بالنسبة لغيرهم فهي مندوبة.
وذهب آخرون إلى أنها واجبة مطلقاً للوالدين والأقربين غير الوارثين ولغيرهم.. وهؤلاء الفقهاء وأولئك يرون أن الوجوب في هذه الحالة وجوب دياني بمعنى أنه لو ترك الايصاء لهم يأثم عند الله ولا يجب على ورثته إخراج شيء من ماله لهم.
وجاء في المحلى لابن حزم أنه واجب قضائي فإذا لم يوص لهم بشيء وجب على ورثته أو على الوصي المشرف على التركة إخراج شيء غير محدد بمقدار من مال الميت وإعطاؤه للوالدين غير الوارثين. أما غيرهم من الأقرباء غير الوارثين فيجب أن يعطى لثلاثة منهم شيء من المال. وابن حزم برأيه هذا متمشى مع ظاهر الآية حيث أوجبت الوصية للوالدين والأقربين والأقربون لفظ جميع يصدق بثلاثة فإذا لم يقم الميت بهذا الواجب حال حياته وجب على ورثته أو من يقوم مقامه.. أن يقوم بهذا الواجب كما في سائر الواجبات المالية المتعلقة بذمة الميت.. وكما في الزكاة على رأي الجمهور.
فمن هذه الآراء الفقهية استمد المشرع المصري مبدأ الوصية الواحدة للحفدة.
ولا بد من القول أن القانون المصري والسوري قد قصروا الوصية الواجبة في الأحفاد فحسب دون غيرهم من الأقرباء والوالدين اللذان لا يرثون. مع أن القائلين بوجوب الوصية لهؤلاء لا يخصون الحفدة بها بل هن متفقون في الوالدين غير الوارثين ومختلفون فيما عداهم.
فأين الوصية الواجبة للوالدين المخالفين للابن في الدين مثلاً. أو الذين لا يرثون لسبب من الأسباب مع أن نص الآية صريح في اعتبارهم قبل غيرهم وأين الوصية الواجبة لغير الوالدين من الأقرباء الذين لا يرثون إننا نعتقد أن النصوص التي وردت في هذا الشأن وروح الإسلام التكافلية تحتم إشراك هؤلاء جميعاً بشيء من مال الميت مع الورثة وسيظل الإصلاح الذي توخاه القانون قاصراً بدونها.. حتى يعطي كل قريب غير وارث شيئاً من مال الميت.
ومن ثم إن القائلين بوجوب الوصية للوالدين والأقربين غير الوارثين لم يحددوا مقدار هذه الوصية ولكن القانون حددها للحفدة بمقدار حصتهم مما يرثه أبوهم عن أصلهم المتوفى وهذا التحديد لم يقل به فقيه من الفقهاء. وسند المشرع في ذلك كما جاء في المذكرة التفسيرية هو قوله تعالى في الآية المذكورة آنفاً (بالمعروف) وهو سند تشريعي لا بأس به.
نلاحظ من نص الفقرة (أ) من المادة 257 ما ذكرناه من أن القانون قد قصر الوصية الواجبة على (أولاد الابن) وبذلك لا يستحق أولاد البنت هذه الوصية الواجبة.
كما يلاحظ بأن الوصية تكون (بمقدار حصتهم مما يرثه أبوهم عن أصله المتوفى.. الخ) وهذا نص واضح لا يحتمل التفسير التي احتملها نص القانون المصري (بمثل ما كان يستحق الخ..) انظر المادة 76 من القانون المصري في ملحق هذه المجموعة واختلف الشراح في تفسيره انظر قانون الوصية أبو زهرة ص 199 وما يليها إلا أن القانون السوري تفادى ما يؤدي إليه القانون المصري في كثير من الحالات من أن يأخذ ولد الابن أكثر مما يأخذه الابن الباقي على قيد الحياة (وهو عم الحفيد) ومع ذلك فقد جاء في نص القانون السوري قد لم يرد في القانون المصري وهو (عرى فرض موت أبيهم اثر وفاة أصله المذكور) الفقرة أ من المادة 257 ومعنى ذلك أننا نفرض منه حينئذ ثم ما يخص هؤلاء الورثة هو النصيب الذي يأخذونه أخيراً ولنضرب لذلك مثالاً مات الجد عن نهى وندى وبنت ابن (عادل وهو متوفى) يكون استخراج الوصية الواجبة لابن الابن كما يلي
أولاً – تقسم تركة الجد بين ابنه عادل وبنتيه نهى وندى فيكون لعادل النصف ولكل من نهى وندى الربع.
ثانياً – لنفر أن عادل مات بعد وفاة أبيه بدقائق عن بنت له تسمى (هدى) وعن أختيه السالفتين نهى وندى فيكون النصف الذي استحقه عادل من مال أبيه موزعاً بين هدى بنته فتأخذ نصفه (أي الرفع) وأختيه نهى وندى تأخذان النصف الثاني وفق قواعد الميراث وعلى ذلك يكون ما تستحقه هدى (بنت الابن) في الوصية الواجبة هو الربع بينما تأخذ كل من عمتيها نهى وندى الثلثين من أبيهما (الجد) لكل واحدة الثلث وما بقي يرد عليهما إذا لم يكن هنالك عصبة من الرجال.
وبهذا الحل نجد أن بنت الابن أخذت أقل من كل واحدة من عمتيها بينما كانت ستأخذ ما يعادل نصيبهما معاً لو لم نفرض موت أبيها اثر وفاة جدها وهذا غير معقول ولذلك كان من ميراث النص السوري بالنسبة للنص المصري أنه لا يؤدي إلى أن يأخذ الحفيد أكثر من عمه.. أو بنت الابن أكثر من البنت الصلبية مباشرة.
ومع ذلك فمن الواجب أن ينص بصراحة على منع من أن يتجاوز نصيب الحفدة المستحقين للوصية الواجبة نصيب غيرهم ممن هو أعلى منهم طبقة أو يساويهم من فروع الجد دفعاً لكل احتمال.
ومن صريح الفقرة (ب) من ذات المادة نرى أنه يشترط في استحقاق الوصية الوادبة أن لا يكون الحفيد وارثاً لجده.. فإن كان يرث فلا يستحقها.
مثال ذلك لو مات عن بنت وبنت ابن (متوفى) فإن بنت الابن هنا ترث ولها السدس والرد كما سيأتي في الموارث فلا تستحق الوصية الواجبة.
والشرط الثاني المستفاد من ذلك النص أن لا يكون الجد قد أعطى حفيده ما يوازي نصيبه عن طريق الوصية الواجبة. فإذا أعطاه كامل نصيبه فلا شيء له.. وإذا أعطاه أقل من نصيبه وجب أن يأخذ ما يتمم به نصيبه وإذا كان قد أعطاه أكثر كان حكم الزائد عن نصيبه حكم التوصية الاختيارية للوارث فتتوقف على إجازة الورثة (انظر المادة 258).
إلا أن نص الفقرة (ج-) من ذات المادة جاء مؤكداً لما جاء في الفقرة الأولى من أن الوصية الواجبة لا تشمل إلا أولاد الابن.. دون أولاد البنت وأن المراد بأولاد الابن أولادهم وأولاد أولادهم وإن نزلوا سواء كان الحفيد واحداً أو أكثر تقسيم بينهم تقسيم المواريث من أن للذكر مثل حظ الأنثيين ولا تطبق عليهم قواعد الميراث في الحجب.. بل يحجب كل أصل فرعه فقط دون غيره وفي الميراث يحجب الأقرب الأبعد.
والوصاية الواجبة مقدمة على الوصايا الاختيارية في الاستيفاء من ثلث التركة والمراد بالوصايا الاختيارية هو كل ما أنشأه الوصي باختياره قبل وفاته من وصايا.. سواء كانت الوصايا بأداء واجب عليه من دين للناس أو لله تعالى.. أو بتبرع من ماله الشخصي من جهات الخير. فكل هذه الوصايا اختيارية وتقدم عليها الوصية الواجبة عند التنفيذ. فإن استوعبت جميع الوصايا الواجبة والاختيارية الثلث نفذت كلها وإلا تنفذ الوصية الواجبة أولاً وما بقي فللوصايا الاختيارية ويطبق عليها حينئذ تزاحم الوصايا.
من كتاب الأهلية والوصية والتركات – صابوني وسباعي ص 421 وما يليها وقانون الوصية أبو زهرة ص 198 وما يليها