الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 259 من قانون الأحوال الشخصية

الرأي الفقهي
معنى تزاحم الوصايا أن تتعدد ولا يتمتع الثلث لها كلها. إن لم يجز الورثة.. أو أجازوا وكانت التركة لا تتسع لها جميعاً.. فعندئذ يكون التزاحم إذ لا يمكن تنفيذها كلها أما إذا كان الثلث يسمها.. أو كانت التركة تسعها وقد أجازها الورثة.. أو لم يكن ورثة قط فإن الوصايا كلها تنفذ ولا تزاحم.
والقاعدة أنه عند التزاحم يقدم أصحاب الوصية الواجبة انظر المادة 257 سواء كان المتوفى قد أوصى لهم فعلاً بحقهم… أم لم يوص واستحقوها بحكم القانون فأنهم يأخذونها فإن كانت تساوي الثلث ولم يجر الورثة سواء.. فإنهم يستبدلون بالثلث وليس لأحد قبلهم شيء. وإن كانوا يأخذون أقل من الثلث فإنهم يأخذون حصتهم كاملة.. والباقي من الثلث يتزاحم فيه أصحاب الوصايا الاختيارية.
وإذا كانت الوصايا كلها اختيارية فلذلك ثلاثة أحوال
الحالة الأولى أن تكون الوصايا كلها للعباد وبعضها للقربات (المادة 258) والحكم في هذه الحالة أن الورثة إذا لم يجيزوا ولم يسع الثلث جميع الوصايا قسم الثلث بين أصحاب الوصايا بالمحاصة فإذا كان أحدهم موصى له بالثلث والآخر بالربع والثالث بالسدس قسم الثلث بين هؤلاء بنسبة نصيب كل واحد منهم إلى الآخر والطريق لذلك أن تخرج المضاعف البسيط لمقام هذه الكسور فيكون 12 الثلث يساوي أربعة والربع ثلاث والسدس اثنان فيقسم ثلث التركة على تسعة يكون لصالح الثلث أربعة منها.. ولصاحب الربع ثلاثة منها.. وللآخرين اثنان منها.
وإن أجاز الورثة الوصايا كلها وضاقت التركة عن تنفيذها فإن التركة تقسم أيضاً بتسبب الوصايا فإن كان بعضهم أوصى بنصف المال.. والآخر بكله والثالث بثلثه يقسم المال بنسبة واحد.. إلى نصف وثلث فيخرج المضاعف البسيط بين مقام النصف والثلث وهو 6 يكون للنصف 3 وللثلث اثنان وللموصى له بالكل ستة كاملة. فتقسم التركة على هذا المجموع (3 2 6) أي يقسم على إحدى عشر يخص الموصى له بالكل ستة.. والموصى له بالنصف.. ثلاثة والموصى له بالثلث.. اثنان.
هذه هي طريقة تقسيم الثلث عند التزاحم بالمحاصة.. وهي طريقة المصاحبين في التقسيم سواء أكان التزاحم في دائرة الثلث.. أم كان التزاحم في التركة كلها.
أما رأي أبي حنيفة فهو أن التزاحم إن كان في الثلث وكانت كل واحدة من الوصايا المتزاحمة لا تزيد على الثلث فكما رأى الصاحبان. وكذلك إذا كانت الوصايا معينة أو بنقود مرسلة ولو زادت على الثلث كل واحدة بمفردها فإنه يضرب بحصته ولو كان أكثر من الثلث ففي هذه الصورة يتفق رأي أبي حنيفة ورأي الصاحبين أيضاً.
أما موضوع الخلاف إذا كان التزاحم في دائرة الثلث.. فهو ما إذا كانت إحدى الوصايا بمفردها أكثر من الثلث وامتنع الورثة عن إجازة ما زاد عن الثلث ولم تكن بالنقود المرسلة.. ولا وصية بشيء معين.
ففي هذه الحالة قال أبي حنيفة إن الوصية التي تزيد على الثلث تعتبر كأنها بالثلث فقط. ويتزاحم الجميع على هذا الأساس بحصصهم فإذا أوصى لشخص بنصف ولآخر بالثلث ولم يجز الورثة اقتسما الثلث بينهما مناصفة. لأن الوصية إن كانت أكثر من الثلث نقصت عند التزاحم في الثلث إلى الثلث فقط. فصار هناك وصيتان كلتاهما بالثلث تتزاحمان فيه.. فيكون بينهما مناصفة.
وإن حجة أبي حنيفة في ذلك أن الوصية بما زاد على الثلث أبطلت في الزيادة بعدم الإجارة. إذ لا يتصور نفاذها.. فتبطل.. والباطل لا يعتبر وإنما كان التفاوت في مقدار الوصايا معتبراً على أساس أن كل وصية لو كانت بمفردها لاستحقت جميعاً عند عدم الإجازة.. ولو كانت الوصية بمفردها ما استحقت الزائد على النصف عند عدم الإجازة.. وإذا فعند عدم الإجازة تلغى الزيادة ولا يعتبر في التزاحم إلا الثلث ولا عبرة بالتفصيل بين صاحب النصف والثلث لأن التفضيل مبني على أساس الاستحقاق الكامل عند الانفراد ولم يكن فيتزاحمان إذن على أساس الثلث دون سواه.
وحجة الصاحبين أن الوصايا يلاحظ عند تنفيذها أمران
أولهما حق الورثة في الثلثين. وثانيهما مراعاة إرادة الموصي في تنفيذ وصيته وفي التفاوت بين الموصى لهم بما رسم وبين. فلما زادت الوصايا على الثلث.. تعذر تنفيذها جميعاً إذا لم يجز الورثة فإن لم يجيزوا لا يمكن تنفيذ إرادة الموصي في تنفيذ مقادير الوصايا كلها لأن في ذلك إبطالاً لحقوق الورثة ومن الواجب أن تنفذ إرادته التي يمكن تنفذها.. وهي إرادة التفاوت بين الموصى لهم بنسبة الحصص التي أوضحناها. فكان توزيع الثلث بالحصص هو المتفق مع إرادة الموصي. وهو العدل في ذاته وبذلك أخذ القانون (انظر المادة 258 سوري كذلك المادة 80 مصري).
هذا إذا كان التزاحم بالثلث. أما إذا أجاز الورثة وكان التزاحم في التركة كلها فهو رأي الصحابيين كما عرفناه سابقاً وهو التقسيم بنسبة الحصص.
أما أبو حنيفة فقد ذكر الكرخي أنه لم يروى عنه رأي في ذلك وأن ما ينسب إليه من قول فيه إنما هو تخريج وقياس على المدون من أقواله في التزاحم في الثلث.
وروي عن أبي يوسف ومحمد عنه أنهما نقلا عنه أنه قال إذا أوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بكله الموصى له بالكل يأخذ الثلثين خاصة ويكون الثلث الباقي بينه وبين الموصى له بالثلث فيتزاحمان فيه.. ويأخذ كل واحد منهما نصفه وهو سدس الكل فيكون للموصى له بالكل خمسة أسداس وللموصى له بالثلث السدس.
وتلك الطريقة المروية عن أبي حنيفة هي طريقة المنازعة. أي أن التقسيم بالنسبة هو في موضوع التزاحم فقط. فإذا أوصى بالكل لشخص وبالثلث لآخر فكأن لا نزاع بينهما في الثلثين. فهما سالمان للموصى بالكل. وإنما موضع النزاع هو الثلث.. فيزاحمان فيهن ويكون بالتزاحم لكل نصفه فتكون النتيجة ما سبق وذكرنا.
وقد أنكر الحسن بن زياد هذه الرواية وقرر ما يفيد أن رأي أبي حنيفة يتفق مع رأي الصاحبين في التزاحم في التركة. والله أعلم.
فعن كل ما سبق نكون قد بينا أحكام التزاحم إذا كانت الوصايا كلها للعباد.. وقد بينا حكم القانون فيها.. ومصدره الفقهي ووازناه بغيره من آراء الفقهاء في المذهب الحنفي إلا أنه بقي علينا أن نشير إلى ثلاثة أمور
الأمر الأول
أولاً عند الوصية وتزاحمها مع غيرها بعد تقدير له بالنسبة لحصص غيره لا يأخذ نصيبه إلا من العين فإذا قدرت حصته بنصف الثلث استوفاه من العين.. ولا يستوفيه من سواها. لأن حقه متعلق بها فلا يأخذه من غيرها ما أمكن الاستيفاء منها ولا ضرر على غيره في ذلك.. ومن جهة أخرى فذلك تنفيذ لإرادة الموصي وهي واجبة التنفيذ بالقدر الممكن الذي يتفق مع مراعاة الحقوق انظر الوصية والتركات صابوني وسباعي صفحة 431 وما يليها.
ثانياً أن تقدير المنافع والمرتبات في الوصايا بها وتزاحمها مع غيرها يكون بما نص عليه في القانون في مواضعه فتقدر المنفعة بقيمة العين المتعلقة بها إن كانت الوصية لغيره مدة معلومة أو لمدة تزيد على عشر سنوات وتقدر المرتبات بجزء من غلات العين بالفرق بين قيمة العين محملة بحقها وبقيمتها غير محملة والمرتبات بجزء من رأس المال بمقدار ذلك المرتب على النحو المبين في القانون ومذكرته التفسيرية وإن كان ذلك المسلك موضع نقذ قد بيناه في موضعه.
ثالثاً إن الوصية بالمرتبات تكون لمدة حياة المستحق لها إن كانت لمعين وقدرت بحياته فإذا مات أو كانت لجهة وانقطعت كان النصيب الذي خصص لها من الثلث للورثة إذ أن الوصية إذا انتهت عاد ما كان له للورثة فتعود إليهم انظر المادة 259 سوري و81 مصري.
والأمر الثاني
أن تكون الوصايا كلها للقربات والحكم في هذه كما جاء في القانون السوري والمصري ومذكرته التفسيرية أنها إن كانت متحدة النواع بأن كانت كلها بالفرائض كالوصية بما عليه من حج.. وزكاة. أو كلها واجبات كالوصية بما عليه من صدقة الفطر والنذور.. أو كانت كلها تطوعاً كالوصية بالصدقة على الفقراء تكون الوصية لها جميعها بالتساوي فإذا أوصى بمقدار ليكون منه أداء ما عليه من حد فاته.. وزكاة عليه.. وفدية صوم فإن وسعها الثلث نفذت.. وإن لم يسمها ولم يجز الورثة قسم الثلث بينها بالتساوي. فما خص الحج صرف له وما خص الزكاة أنفق في سبيلها.
هذا إذا لم يكن الموصي رتب بينها بالنص فإن رتب بينهما بالنص اتبع ما رتب فيصرف الثلث أولاً فيما نص على أنه يكون أولى عن غيره فإن بقي شيء فلما يليه. وكذلك إذا نص على التفاوت في المقادير اتبع ما نص عليه فإذا نص على أن يكون للزكاة قدر معلوم.. وللحج قدر آخر فإنه في هذه الصورة إن أضاف الثلث عنها وزع الباقي بنسبة المقادير التي ذكرها وقسم بالمحاصة ذلك لأن له أن يقدم بعضها على بعض فأولى أن يكون له أن يجعل مقادير استحقاقها متفاوتة.. فتنفذ إرادته ولأن هذه كانت لتفسيرات.. ولعلة كان مقصراً في إحداها أكثر من الأخرى فجعلت الزيادة ليتدارك ما فاته. ويقضي ما قصر فيه بمقدار تقصيره.
هذا إذا كانت القربات مرتبة واحدة أو اختلفت وتولى الموصى الترتيب بينها وإن اختلفت قرابتها ولم يتولى ترتيبها.. وكان بعضها فرضاً.. وبعضها واجباً.. وبعضها ناقلة. ففي هذه الحالة يقدم الأقوى في الأداء عن غيره. فإن ضاق المقدار الذي تنفذ فيه الوصية عن أن يسعها جميعها. فتقدم الفرائض على الواجبات.. وتقدم الواجبات على النوافل وقد فرق فقهاء الحنفية بين الفرض والواجب فيقولون الغرض ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه.. والواجب ما ثبت بدليل ظني فيه شبهة وغيرهم من الفقهاء لا يغرقون بين الفرائض والواجبات. ولقد سار القانون على مذهب الحنفية كما جاء في المادة 258 التي اشتملت على هذه الأحكام.
والأمر الثالث
أولاً – أن تكون الوصايا فيها قربات وفيها وصايا للعباد كأن يوصي بمقدار من المال للزكاة عنه والحج.. وفدية الصوم.. ولزيد. فإن بين سهام كل جهة ولم يسع الثلث الجميع.. وزع الثلث بنسبة السهام التي ذكرها. فإن قال للحج الربع وللزكاة الثلث ولزيد الخمس والصوم الخمس كانت بنسبتها. وإن لم يذكر كان لكل جهة سهم… ولزيد سهم أيضاً فيقسم الثلث أرباعاً وهكذا. ذلك لأنه عند التعدد من غير تقسيم يكون الغرض الشركة بينها ولا تفاوت فتكون على قدر المساواة.. هذا إذا كانت الجهات متحدة المرتبة.. وكذلك إذا كانت مختلفة المرتبة توزع على حسب العدد ثم ما يخص القربات يوزع فيها كأن الوصية بقربات وحدها.. فيأخذ الأقوى فإن بقي شيء فلما يليه.
وهذه الأحكام كلها من مذهب أبي حنيفة. ولكن ذكر القانون أنه عند اتحاد المرتبة توزع بالتساوي. وهذا رأي زفر وهو أحد رأيين مشهورين في المذهب الحنفي وأساسهما روايتان.
ثانياً – ما جاء في رد المختار نقلاً عن غاية البيان عن مختصر الكرخي أنه إذا اتحدت المرتبة بأن قال أوصيت بالثلث للزكاة وبالثلث للحج فإنه لا يقسم بالتساوي وهذا ما ذهب إليه الكرخي وذكر أنه رواية عن الأئمة الثلاثة أبي حذيفة والصاحبين فقد جاء مختصره
وقال هشام عن محمد عن أبي حنيفة وأبي يوسف وهو قول محمد كل شيء كان جميعه لله تعالى من الحج والصدقة والعتق وغيره فأوصى به رجل والثلث لا يبلغ ذلك فإن كان كله تطوعاً بدىء بالأول مما تعلق به حتى يأتي على آخره إذ ينقص الثلث فيبطل ما بقي وكذلك لو كان كله فريضة بدىء الأول فالأول حتى يكون النقصان على الآخر وإن كان بعضه تطوعاً وبعضه فريضة أو أوجبه على نفسه بدىء بالفرض أو ما أوجبه على نفسه وإن آخره في نطقه.. قال هشام إلى هنا قولهم جميعاً.
ثالثاً – أنه عند اتحاد المرتبة لا يقدم الأسبق ذكراً بل يقدم الأقوى عبادة وقربة أو ثبوتاً وذلك هو تخريج الطحاوي ورأيه وذكر ابن عابدين أنه ليس الأرجح بل الأرجح السابق.
وقد ذكر الرأيين الزبلعي وذكر اختلاف الفقهاء في الأقوى وخرج عليها في كل المراتب فقال
وعن أبي يوسف رحمه الله أن الحج يقدم على الزكاة لأنه يقام بالمال والبدن والزكاة بالمال فقط فكان الجمع أقوى وهو قول محمد وهما يقدمان على الكفارة لرجحانهما عليها لأنه قد جاء الوعيد فيهما ما لم يأت في غيرهما قال الله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم وقال تعالى فتكوى بها جباههم وجنوبهم وقال تعالى ومن كفر فإن الله غني عن العالمين مكان ومن ترك الحج – إلى غير ذلك من النصوص والأخبار الواردة فيهما وكفارة القتل والظهار واليمين مقدمة على صدقة الفطر لأنه عرف وجوبها بالكتاب دون صدقة الفطر وصدقة الفطر مقدمة على الأضحية للاتفاق على وجوبها دون الأضحية وعلى هذا القياس يقدم الأقوى فالأقوى حتى تقدم كفارة القتل على كفارة الظهار واليمين لأنها أقوى وأكثر تغليظاً منهما ألا ترى ان الإسلام شرط في التحرير عنها دونهما ثم تقدم كفارة اليمين على كفارة الظهار لأنها تجب بهذه حرمة الله تعالى وكفارة الظهار وجبت بإيجاب حرمه على نفسه فكانت كفارة اليمين أغلظ وأقوى دونها…
كله تخريج على مسلك الطحاوي وروايته في المذهب والراجح فيه تخريج الكرخي… ايته.
وقد سلك القانون غير المسلكين فسوى بينهما والله أعلم بالصواب.
ملخص بتصرف من المراجع السابقة