Call us now:
الرأي الفقهي
عما سبق بذيل المادة 260 / 261 يتبين لنا بأن جميع الشرائع والقوانين قد أقرت مبدأ خلافة الوارث لمورثه كما حرصت لأداء الحقوق لأربابها حقوق الدائنين إن كان المتوفى مات وذمته مشغولة بديون لم يوفها وهو حي وحقوق الورثة فيما يفضل من التركة بعد وفاء هذه الديون.
والآن بعد أن عرفنا طبيعة هذه الخلافة.. خلافة الوارث لمورثه وتكييف هذه الخلافة ووقتها.. علينا أن نبحث الحقوق التي تظهر في التركة بعد وفاة صاحبها.
وهذه الحقوق هي خمسة وفق ما نصت عليه المادة 262
1 – يجب البدء بتكفين الميت وتجهيزه للدفن من تركته والمراد هنا من التركة.. ما تركه الميت من أموال خالية من تعلق حق الغير بأعبائها فإن لم يترك مثلاً لا داراً مرهونة أو شيئاً اشتراه ولم يقبضه.. ولم يدفع ثمنه كان حق المرتهن الدائن متعلقاً بعين الدار.. وكان حق البائع متعلقاً بالمبيع نفسه الذي ما يزال تحت يده وحينئذ يكون هذا الدين.. أو ذاك متقدماً في الدفع على تكفين الميت وتجهيزه.
والأمر كما يقول الزيلعي في تبيين الحقائق ج5 ص 229 (أنه معتبر في حال حياته) فإن المرء يقدم نفسه في حياته فيما يحتاج إليه من النفقة والسكن والكسوة على أصحاب الديون ما لم يتعلق حق الغير بعين ماله فكذلك بعد وفاته يقدم تجهيزه (على الديون المطلقة غير المتعلقة بالتركة) من غير تقتير ولا تبذير إلى آخر ما قال.
وواضح من هذا أن الدين المتعلق بعين التركة مقدم على الكفن والتجهيز بحيث إذا لم يفضل شيء من التركة بعد سد الدين كان كفنه وتجهيزه على من مات نفقته حال حياته واجبة شرعاً عليه.. بل إن كلمة تركة في هذه الحالة تطبق مجازاً لا حقيقة فإن التركة كما يؤكد المحققون من الفقهاء هي ما تركه الميت خالياً عن تعلق حق الدائن بعينه.
وإذا كان مذهب الأحناف يقضي.. كما عرفنا.. بتقديم الديون المرهونة به عين التركة مثلاً.. أي الذي تعلق بعينها حسب تعبير الفقهاء على تكفين الميت وتجهيزه ومواراته لحده.. نقول إذا كان الأمر كذلك.. فإنهم يعللون ما ذهبوا إليه بأن الإنسان وهو حي ليس له التصرف بالبيع في عين مرهونة.. فبالأولى أن لا يكون له هذا الحق بعد وفاته.
وأمام تشدد الأحناف في تعليل ما ذهبوا إليه محافظة على حقوق الدائنين.. فإننا لا يسعنا إلا أن نسير معهم في هذا السبيل الذي يمنع الميت من الانتفاع بشيء من تركته يشتري به كفن يستره.
ولذلك نجد من الخير ما ذهب إليه الحنابلة من تقديم الكفن والتجهيز على كل دين. أي سواء تعلق بعين التركة… أو كان ديناً مطلقاً لم ترعن به التركة. وسواء كان ديناً لله جل شأنه كالزكاة والكفارات والحج الواجب أو كان ديناً للإنسان انظر كشاف القناع ج- 2 / ص 541 وهذا ما أخذ به القانون السوري كذلك القانون المصري.
كذلك انظر المذكرة الإيضاحية للقانون المصري في نهاية هذا الجزء.
إلا أننا نرى لابد من الإشارة إلى أمر هام في موضوع التجهيز.. والدقن.. الخ. يجب أن يراعى في هذا.. وذاك الوسط المتعارف عليه شرعاً.. بلا تبذير ولا تقتير.. وخير الأمور أوسطها.
وهناك آراء كثيرة في تحديد الكفن ومواصفاته وتعداده لا نريد الخوض بها فالكل يعلمها ويعلم الوسط فيها فللرجل الكفن يكون من نوع ما يلبسه في الأعياد.. والمرأة من نوع ما تلبسه لزيارة أبويها.
وعلى كل حال يجب أن يراعى في ذلك حالة التركة من اليسار والإعسار.
ومهما يكن من أمر الكفن… فهناك من البدع السيئة جداً ما نحن عليه اليوم والتي تكلف أموال باهظة.. منها إعلان في الصحف عن المتوفين وليس فيه إلا تفاخر الأسرة بذكر الكثير من الآل والأقارب و….
وكذلك من البدع السيئة جداً الكلفة الممقوتة في إقامة السرادفات… بعد الدفن للسهرة والعزاء.. واستجار المشاهير من القراء.. وكل ذلك على حساب الورثة الذين قد يكون منهم الأيتام والضعاف والمحتاجون.
فمن أجل هذا وذاك.. نرى أن كلاً من ذلك عمل غير مشروع ولا يلزم الورثة بشيء من الأموال التي تذهب في هذه النواحي.
2 – يأتي الدين بعد تجهيز الميت (الفقرة ب المادة 22 سوري) ويجب القيام بسائر ما يلزمهم الميت حتى يوارى مثواه الأخير وقد برأت ذمته ودفعت جميع الديون التي كانت عليه سواء كانت مطلقة.. أم متعلقة بعين التركة. فكل ذلك يؤخر عن التجهيز وما يكون بعده حتى الدفن وذلك وفق ما قضى به قانون المواريث.. أخذاً من مذهب الإمام حنبل ويخرج من التركة كلها قبل أي حق أجر للموصى له أو للوارث.
وذلك لقوله تعالى من بعد وصية يوصى بها أو دين ولأن الدين واجب من أول الأمر على حين أن الوصية تبرع ابتداء من الموصى والواجب يجب أداؤه قبل التبرع بلا ريب. وهنا نجد النص القرآني يذكر الوصية قبل الدين. ولكن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال إنكم تقرأون الوصية قبل الدين وقد شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بالدين قبل الوصية انظر المبسوط ج- 29 ص 137.
ولعل في ذكر الوصية قبل الدين تنبيهاً من الله لنا بوجوب تنفيذ وصية المتوفى.
أما إذا تزاحم الديون فإذا اتسعت التركة للديون كلها على اختلاف أنواعها لم يكن هناك مشكلة. إذ يمكن الوفاء بها جميعاً من التركة.. ولكن المشكلة هي في أن تضيق التركة بها وحينئذ ما الذي يقدم منها على غيره.
للإجابة عن هذا نرى أنه لا تزاحم بين دين الله.. ودين العباد عند الأحناف فإن ديون الله تسقط بالموت إلا أن المشكلة لا تثور في هذه المرحلة من البحث عند الأحناف ولكنها قد تثور عند الكلام على الحق الثالث وهو الوصية فإن المتوفى إذا أوصى في حياته بإخراج حقوق الله وجب إخراجها من ثلث التركة… وحينئذ تتزاحم حقوق أصحاب الوصايا.
فالمشكلة إذن لا تثور إلا عند غير الأحناف من الفقهاء أصحاب المذاهب الأخرى. فنستطيع أن نقرر ما يأتي
أ) يقدم الشافعية حقوق الله تعالى أو ديونه على حقوق الآدمي إذا ضاقت التركة عنهما وهم يستدلون لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم دين الله أحق أن يقضى به وقوله اقضوا لله فهو أحق بالوفاء وهذا لو كان صحيحاً كان حجة على مخالفيهم.
ب) وما يستدل به ابن حزم في تقديم حقوق الله. إذ أنه يبدأ من تركة الميت بالوفاء بما فرط فيه أثناء حياته من زكاة وكفارات وحج.. الخ فإن لم تتسع التركة لذلك كله. قسم الموجود على كل هذه الحقوق من غير تفضيل أحدها على غيره. وبعد ذلك يجيء دور الوفاء بديون الناس على هذا النحو. أي يأخذ كل بنسبة دينه إذا لم يكف الباقي من التركة للجميع بعد سد حقوق الله.
ج) أما المالكية… فهم كالأحناف في وجوب تقديم ديون الناس على حقوق الله ولكنهم يخالفونهم في إخراج ما كان لله من التركة.. لا من ثلثها حتى ولو لم يوصي الميت بها. على حين يرى الأحناف إخراجها من الثلث إذا أوصى بها… وإلا تكون قد سقطت بالموت وصار الجزاء إلى الله الغني الكريم.
د) وأخيراً نجد أن الحنابلة يقدمون الدين المتعلق بعين التركة أو ببعضها كالدين المرهون به شيء منها… ثم بعدها الديون المطلقة التي لا تتعلق إلا بذمة المتوفى بلا فرق في الترتيب بين ما كان لله كالزكاة والحج الواجب أو ما كان للناس.. كالقرض والأجرة وقيمة ما أتلفه مثلاً.
وإن ضاقت التركة عن هذين النوعين من الديون كليهما وزع الموجود بين الجميع سواء ما كان لله… أو ما كانت مختلفة.
وخلاصة القول. إن الأحناف والمالكية يقدمون ديون الناس على ديون الله تعالى. والأمر عند الشافعية والظاهرية بالعكس والنوعان في مستوى واحد ومرتبة واحدة عند الحنابلة.
وهناك ديون بذمة الميت ولكنها لزمته في حال الصحة.. أو في مرضه في حالات خاصة وقد تقدم بحثه في موضعه من الوصايا وهذه مقدمة على دين المرض. فإذا كانت التركة لا تكفي إلا دين الصحة وما ألحق به.. قدم أداؤه على دين المرض مرض الموت.
وهناك ديون متعلقة بذمة الميت ولكنها لزمته في حال المرض… أي عن طريق الإقرار. وهذه تؤخر عن ديون الصحة كما ذكرنا. لأن الإقرار في مرض الموت مظنة المحاباة فهو في حكم الوصايا.. وهي مؤخرة عن الديون.
وهذا التفريق بين ديون الصحة… وديون المرض مما انفرد به فقهاء الحنفية. أما الجمهور فلم يفرقوا… بل اعتبروها كلها على حد سواء. لأن ديون المرض إن لزمت بنفقة أو بيع مشاهد بالمثل أو سبب معروف. فهي ملحقة بديون الصحة على قول الحنفية. فلم يبق من ديون المرض إلا ما ثبت بالإقرار… والإقرار حجة ملزمة لا تلغى إلا إذا ثبت ما يبطلها فيما لم يقم دليل على الكذب في الإقرار فلا يعتبر رجوعه ويلوم بإقراره انظر المادة 1588 من مجلة الأحكام العدلية وقد أخذ القانون يقوم الجمهور فلم يفرق بين الديون مطلقاً.
3 – إن كان في مرتبة تسديد ديون الميت خلاف بين الفقهاء كما سبق وذكرنا… فإنه لا خلاف مطلقاً في تنفيذ الوصية… وما يوصي به الميت يجيء بعد الدين وقبل أخذ الورثة أنصباؤهم من التركة وذلك جعل حقوق الورثة في المرتبة الأخيرة بعد التجهيز وما يتصل به… والدين والوصية.
وقوله تعالى في سورة النساء من بعد وصية يوصى بها أو دين لا يفيد تقديم الوصية قبل الوفاء بالدين.. فإن التقديم في الذكر لا يفيد التقديم فعلاً كما عرفنا سابقاً وكل ما يفيد التقديم في الذكر هنا. هو العناية بأمر وصية الميت وإن كانت تبرعاً منه. وذلك تجنباً من شح نفوس الورثة بإخراجها من التركة قبل توزيعها بينهم.
وقد جاء في تبيين الحقائق للزيلعي ج 6 ص 220 أن القول بتقديم حق الموصى له على الورثة ليس إلا تجاوزاً. وفي الحقيقة أنه ليس تقديماً له في شيء على الورثة بل إنه شريك لهم في التركة بنسبة نصيبه الموصى له به.. وذلك بخلاف التجهيز والدين فإنهما متقدمان حقاً على حقوق الموصى له والورثة بحيث لا يأخذ أحد من هذين الصنفين شيئاً إلا مما فضل عن الحقين الأولين.
وفي هذا جاء في البدائه ج- 7 ص 335 للكاساني يذكر أنه ليس معنى تقدم الوصية على الميراث أن يخرج الثلث ويعزل من التركة ويبدأ بدفعه إلى الموصى له ثم يدفع الثلثان إلى الورثة. لأن التركة بعد قضاء الدين تكون بين الورثة والموصى له على التركة. والموصى له شريك الورثة في الاستحقاق… كأنه واحد منهم. والوصية الواجبة مقدمة على الوصية الاختيارية. انظر القاعدة 1302 و1353.
وعما سبق نرى أن المادة 262 قد عرفت الحقوق المتعلقة بالتركة ووزعتها ولا خلاف بين الفقهاء في هذا الترتيب إلا في الأمور التالية
1 – تقديم التجهيز على وفاء الديون المتعلقة بأعيان التركة. كالأعيان المرهونة.
2 – ترتيب الديون بتقديم الديون ذات الامتياز والموثقة على غيرها.. وتقديم ديون الصحة على ديون المرض.
وقد أخذ القانون برأي الحنابلة بتقديم نفقات التجهيز والتكفين على سائر الديون. وديون الصحة على ديون المرض.
وأما فيما يتعلق بالديون فإن قانون الأحوال الشخصية لم يفصل في أمرها ويرجع في ذلك إلى القانون المدني وخاصة نظام تصفية التركات جاءت به نصوص صريحة تم نشرها في ملحق هذه المجموعة.
انظر بنهاية هذا الجزء بحث التركات ومرض الموت