Call us now:
الرأي الفقهي
عرفنا في بحث المادة 260 من هذا القانون شروط استحقاق الإرث. بأن تتحقق حياة الوارث وقت موت المورث وأن ينفصل عن أمه حياً ولو مات بعد دقائق.. كما عرفنا بنص المادة 236 شروط صحة الوصية للحمل المعين. كما عرفنا بمواد متفرقة مقدار نصيب الوارث وتغييره في كثير من الحالات بسبب كونه ذكراً أو أنثى. وبالمادة 128 وما يليها والمادة 298 ذكرنا أنه لا بد من أن يكون النسب ثابتاً بين الأقرباء الذين يرث بعضهم بعضاً. ويحسن الرجوع إلى هوامش المواد السالفة الذكر.
إلا أنه قد تتردد في بعض أحوال الحمل في الحكم. بالوجود أو العذر.. وبالذكورة أو الأنوثة.. وبثبوت النسب أو نفيه. وحينئذ لا مفر من الحكم بالتقدير والاحتمال بالأكثر رجحاناً. وعن ذلك كان اصطلاح الإرث بالتقدير لبعض الفقهاء.
فالذين تتردد في الحكم لهم أو عليهم بالوجود أو العدم. هم الحمل ما دام في بطن أمه.. والمفقود.. والأسير في بعض الحالات.. والخنثى فيما إذا كان ذكراً أو أنثى.. وفي ولد اللعان وقريب منه ولد الزنى بالتردد بين ثبوت نسبه ونفيه.
وهذا البحث سيكون بشأن الحمل من ناحية الفقه المقارن.. ومن ناحية القانون وما أخذ به من أقوال الفقهاء.
عما سبق لابد من أن نتساءل متى يكون الحمل وارثاً.. وأثره في توزيع التركة.
فإذا كان من شروط الإرث تحقق حياة الوارث عند وفاة المورث. فهناك لوراثة الحمل شرطان متلازمان
الشرط الأول
تحقق وجوده في بطن أمه عند موت المورث وهذا الشرط لابد من وجوده في كل وارث كما سبق وتقدم. ولكن كيف يمكن أن نعلم بحياة الحمل. فهنا وجب التفصيل.
1 – إن كانت الحامل زوجة للمورث المتوفى.. أو كانت معتدة حين وفاته من طلاق أو فرقة. فلا بد لثبوت ارث الحمل منه من أن تأتي به لثلاثمائة وخمسة وستون يوماً على الأكثر من تاريخ الوفاة.. أو الطلاق.. أو الفرقة.
فإذا جاءت به لأكثر من ذلك.. لا يرث. لأنه لا يثبت من الميت فلا يرث منه.. وقد يكون الحمل من زوج آخر.
2 – وإن كانت الحامل زوجة لغير المتوفى كأمه.. أو زوجة ابنه.. أو زوجة أخيه فلا بد لثبوت ارثه من المورث أن تأتي به لمائتين وسبعين يوماً على الأكثر من تاريخ وفاة المورث إن كانت الزوجية قائمة بينها وبين زوجها حين وفاة المورث وإن كانت غير قائمة.. بل كانت معتدة لطلاق.. أو لفرقة.. أو لوفاة. فيشترط أن تأتي به لثلاثمائة وخمسة وستون يوم من تاريخ العدة أو الوفاة.
ورب سائل يسأل ما الفرق بين الزوجية القائمة بين المتوفى وزوجته وبين زوجية الحامل من غير المتوفى. تبين ذلك فيما يلي
بالنسبة إلى المتوفى لابد من انتظار أقصى مدة الحمل.. وهو سنة وذلك لإثبات حملها منه.. ثم توريثه بعد ذلك.
أما في الحامل من غير المتوفى وجوب التأكد من وجوده عند وفاة المورث.. وذلك يكون متأكداً خلال تسعة شهور من وفاة المورث وما زاد عن ذلك فيكون أمره مشكوك فيه. لأن الإرث خلافة.. ولا يثبت بالشك. ومن ثم هناك إثبات النسب وفق قواعده العامة.
وهذا مثال لقاعدة السائل
1 – مات عن زوجة حامل.. وأب.
إن ولدته خلال سنة من تاريخ الوفاة ورث. وإن ولدته لأكثر من ذلك لا يرث.
2 – مات عن مطلقة منها حامل.. وأب.
إن ولدته خلال سنة من بدء العدة ورث. وإن ولدته لأكثر لا يرث.
3 – مات عن أب.. وأم حامل وهي لا تزال زوجة لأبيه المتوفى.
ان ولدته لتسعة أشهر فأقل يرث كأخ للميت.. وان ولدته لأكثر لا يرث.
4 – مات عن بنت.. وأم حامل وهي معتدة من أبيه لطلاق.. أو وفاة.
ان ولدته لسنة فأقل ورث.. وان ولدته لأكثر لا يرث.
وأما التفصيل بإقرار الحامل بانقضاء عدتها أو عدمه وغير ذلك انظر لمواد من 128 حتى 131 من هذا القانون – كذلك انظر المادة 34 وما يليها من القانون المصري.
الشرط الثاني
1 – هو ما سبق وذكرنا هل يشترط أن يولد كله حياً.. أم يكفي أن يولد أكثره حياً لو مات بعد ذلك
قال الأئمة الثلاث مالك والشافعي وأحمد والشيعة الامامية لابد من أن يولد كله حياً.. فلو خرج أكثره حياً ثم مات بعد ذلك لم يرث.
وقال أبو حنيفة وأصحابه يكفي أن يولد أكثره حياً لأن للأكثر حكم الكل في كثير من أحكام الشريعة.
وتحديد الأكثر عندهم يختلف بين أن يخرج رأسه أولاً.. وبين أن تخرج رجلاه أولاً.
فإذا خرج رأسه أولاً يكون الأكثر بخروج الصدر كله.. وفيما إذا خرجت رجلاه أولاً يكون بخروجه حتى تظهر السرة. فإذا مات بعد ذلك في الحالتين اعتبر قد ولد حياً.
2 – وإن تسألنا ما هي علاقة الحياة. فترجع لقول الأئمة الثلاثة حيث تقبل. هي الحياة المستقرة.. كالبكاء والتثاؤب والعطاس ومد اليد وقبضها.
أما الاختلاجية البسيطة لا تدل على الحياة.. بل هي كحركة المذبوح.
وقال الفقهاء الحنفية إن الحركة البسيطة والتنفس ولو قليلاً كاف في ثبوت حياته عند الولادة.. فلو مات بعد ذلك يرث ويورث.
3 – فيما لو جني على أمه الحامل به فأسقطته ميتاً هل يرث أم لا
قال فقهاء الحنفية يرث ويورث عنه. لأن الشارع قد أوجب على الجانب فيه غرة (دية) وفي ذلك دليل على أن الشارع قد اعتبره حياً عند وقوع الجناية على أمه.. فيلزم على ثبوت الإرث له ومنه ويؤكد ذلك أن غرته تورث منه قولاً واحداً. فكيف صح ذلك لولا أن الشارع اعتبره أهلاً للملك. وذلك دليل على اعتبار حياته. انظر هامش المادة 236 صفحة 308 وما يليها والمادة 264 صفحة 1419 وما يليها.
وقال الشافعية وهو رأي الشيعة الامامية أيضاً أنه لا يرث ولو نزل أكثره حياً ثم مات. لأن شرط استحقاق الإرث أن يولد حياً كما سبق.
وعن كل ما سبق نرى أن القانون أخذ بالمادة 236 شرط أن يولد حياً لسنة فأقل من ذلك الحين.. وهنا تتساءل ما هو مصير التركة بالنسبة للورثة. هل تقسم.. أم توقف قسمتها حتى يولد.. أو يحصل اليأس من ولادته. نرى في القسمة تسليطاً للورثة على ما يأخذونه من مال الميت باعتباره ملكاً لهم. وفي ذلك احتمال لإتلافه واستهلاكه. فإذا ولد الحمل حياً واستحق بعض ما في أيديهم من مال الميت أو كله.. كان استرداد حقه منهم محلاً للخطر. على ما سبق وذكرنا في هامش المادتان 236 و264. ولا نرى مانعاً من تكرار بعض القول في هذا الموضوع.
فيقول في ذلك الأئمة الثلاثة وجمهور الفقهاء. إن التركة تقسم من غير حاجة إلى الانتظار. لما فيه من أضرار بالورثة ومنع للإنسان من أن ينتفع بملكه وهذا غير جائز أما احتمال تصرف الورثة بما أخذوه من التركة فيمكن أن يحتاط لحق الحمل من الضياع.
وفي قول اعتمده فقهاء سمرقند من فقهاء الحنفية وهو أنه إذا كانت الولادة قريبة من وفاة المؤرث.. شهراً فأقل. توقف قسمة التركة حتى يولد الحمل.. أو يتبين الأمر.
وذلك لعدم الإضرار بالورثة حينئذ. وإن كانت بعيدة أكثر من شهر. تقسم التركة.. ويحتاط لنصيب الحمل ومقدماً سنذكر في هذا الباب إن شاء الله وهذا قول معتدل وفيه جمع بين مصلحة الورثة.. ومصلحة الحمل إلا أن القانون أخذ برأي الجمهور.
إذاً يجب أن نبحث كيف يكون تقسيم التركة وبينهم حمل..
فهل تقدره بواحد فقط. بذلك قال أبو يوسف وهو المفتى به عند فقهاء الحنفية وبه أخذ القانون. لأنه هو الغالب المعتاد في الحمل. وما كان أكثر من ذلك فهو نادر.. ومع ذلك يجب أن تحتاط لاحتمال أن يكون أكثر من واحد. يأخذ كفالة من الورثة.. ممن يتأثر نصيبهم بتعدد الحمل.. وذلك لاسترداد ما أخذوه على أن الحمل واحد فقط.
ومن هنا قال محمد وأحمد بن حنبل يقدر الحمل باثنين.. ذكراً كان أم أنثى.. لأنه يقع كثيراً.
وقال الشيعة الامامية يقدر الحمل بولدين ذكرين.
وقال أبو حنيفة يقدر الحمل بأربعة لأنه قد يقع أن تلد المرأة في بطن واحد أكثر من واحد حتى الأربعة.
وقال الشافعية إذا كان تقسيم التركة يتأثر بعدد الحمل.. فلا تقسم التركة حتى يتبين الأمر. لأن من الممكن أن تحمل الأم بأربعة أو خمسة أو ستة في بطن واحد. وهذه حوادث نادرة جداً ومما يلاحظ أن قول أبي يوسف المعتمد لدى فقهاء الحنفية هو إعمال الأقوال وهو الذي أخذ به القانون السوري. ولئن كان العقل لا يحكم باستحالة ذلك إلا أن المشرع يبنى على الكثير الغالب.. لا على النادر.. أو ما يشبه المستحيل في حياة الناس. رغم حدوث ذلك في الثمانينات في بعض الدول الأوروبية بحمل ستة وبقائهم أحياء.
إذاً لابد من استعراض آراء الفقهاء وما نص عليه القانون بتقسيم التركة عند وجود الحمل
1 – لا خلاف بين الفقهاء بوقف القسمة حتى يولد الحمل ضمن شروط موافقة الورثة. حينئذ توقف قسمتها حتى يولد الحمل.
2 – ولا خلاف بينهم إذا كان الحمل محجوباً على كل تقدير. بوجود من يحجبه من الورثة. ففي هذه الحال تقسم التركة ولا عبرة لوجود الحمل ومثال ذلك مات عن.. أب.. وابن.. وأم حامل.
فمن المقدر أن يكون الحمل هنا أخاً شقيقاً للمتوفى.. أو أخاً لأم. وفي جميع الأحوال والتقديرات لا يرث من التركة شيئاً. وذلك لوجود الأب والابن. وكل منهما يحجب الاخوة من الميراث كما سبق وذكرنا في الحجب.
إذاً تقسم التركة حالاً وفق قواعد تقسيم التركات.
3 – ولا خلاف بينهم أيضاً في أن الحمل إذا كان حاجباً للموجودين.. ولو على بعض التقديرات.. فالتركة توقف ولا يعطى الموجودون منها شيئاً. انظر بدران بدران ص 288 وما يليها وسباعي طبعة عام 959 صفحة 171 وما يليها.
والمثال على ذلك إذا مات المسلم عن زوجة كتابية حامل.. واخوة لأم فان الاخوة هنا محجوبون ان كان الحمل ذكراً أو أنثى.. والزوجة لا ترث لاختلاف الدين. فالتركة كلها للحمل.
ولو مات عن زوجة كتابية حامل وأخوة أشقاء أو لأب فالحمل هنا إن كان أنثى فلها النصف.. وللأخوة النصف بالتعصيب ويحتمل أن يكون الحمل ذكراً.. فله كل المال ولا شيء للأخوة.
4 – أما إذا كان الحمل مشاركاً للموجودين. غير حاجب ولا محجوب.. إلا أنه يحتمل أن يكون ذكراً.. ويحتمل أن يكون أنثى فإن كان حاله لا يختلف بين الذكورة والأنوثة. فإن الجمهور خلافاً للمالكية قالوا. يفرض له نصيبه.. ثم يعطى الباقون أنصبائهم.
مثلاً لو مات عن زوجة وأم حامل. أخذت الزوجة الثمن.. والأم السدس ويحتفظ بالباقي اللحم. وذلك لأن نصيبها لا يختلف بين أن يكون الحمل ذكراً أو أنثى فإذا جاء ذكراً أخذ الباقي كله.. وإذا جاء أنثى أخذت النصف ثم رد الباقي بينها وبين الأم بحسب سهامها.
5 – وإذا كان يختلف نصيبه بين الذكورة والأنوثة.. أو كان وارثاً على تقدير دون تقدير. يحتفظ له بأحسن النصيبين ويعطى الورثة على فرض أدنى النصيبين. أن تفرض المسألة أولاً على أنه ذكر لنرى نصيبه من التركة.. ثم نفرض المسألة مرة ثانية على أنه أنثى لنرى نصيبه في هذه الحالة أيضاً. ثم نحتفظ له بأحسن النصيبين وتعطى الورثة أنصبائهم بعد ذلك فإذا جاء بعد الولادة كما فرضنا في أحسن النصيبين كانت القسمة على حالها.. وإلا أعطي نصيبه ورد الباقي على الورثة.
وقد وردت بعض المسائل في كتاب أحكام التركات والميراث للأستاذ بدران بدران أو العينين بدران ص 299 وللدكتور سباعي صفحة 177 ندرجها كما وردت للاستئناس
1 – مات عن أب.. وأم.. وزوجة حامل بنت.
على فرض أن الحمل ذكر تقسم المسألة هكذا. وأصل المسألة من 24
للأب للأم للزوجة للبنت والحمل ابن
1 / 6 4 1 / 6 4 1 / 8 3 13 المجموع 24
وعلى فرض أن الحمل أنثى تعول المسألة إلى 27
للأب للأم للزوجة للبنت والحمل بنت
1 / 4 4 الباقي 1 / 6 4 1 / 8 2 2 / 3 16 المجموع 27
وهنا نجد أن فرض الحمل ذكراً أصلح له إذ أنه يأخذ في هذه الحالة 2 / 3 8 بينما يأخذ على فرض أنه أنثى 8 / 27.
لذلك تحتفظ له بأحسن الفرضين وهو 2 / 3 8 ويأخذ بقية الورثة وهكذا
للأب للأم للزوجة للبنت
4 / 24 4 / 24 3 / 24 4 / 12 / 24
وما بقي من فرق الأنصباء يوضع عند أمين ويؤخذ أيضاً كفيل من البنت لرد ما يزيد عما أخذته إذا جاء الحمل متعدداً.
فإذا جاء الحمل ذكراً أعطي ما حفظ له من نصيبه.. وأقرت القسمة بين الورثة كما مر في افتراض الذكورة.
وإذا جاء الحمل أنثى نفذت القسمة كما مر في افتراض الأنوثة.
وإذا جاء الحمل متعدداً.. عدلت القسمة مع البنت بما يتفق مع حالة التعدد.
2 – مثال مات عن زوجة وأب وأم وبنت وزوجة ابن متوفي حبلى.
أصل المسألة أيضاً من 24 وعلى فرض ذكورة الحمل تقسم هكذا
زوجة أب أم بنت ابن ابن (حمل)
1 / 8 3 1 / 6 4 1 / 2 12 ع 1 المجموع 24
وعلى فرض أنوثة الحمل تعول المسألة إلى 27 هكذا
زوجة أب أم بنت بنت ابن (حمل)
1 / 8 3 1 / 6 4 1 / 6 4 1 / 2 12 1 / 6 4 المجموع 27
ومن ذلك نرى أن فرض الحمل أنثى أصلح له فتحتفظ له بنصيبه وهو 1 / 24 ويأخذ الورثة أنصباءهم كما في افتراض الأنوثة نفعل مثل ما مر معنا في المسألة السابقة.
ونخلص من كل ما سبق بأن القانون في مواده 299 / 301 سكت عن احتمال تعدد الحمل فهي متفقة مع رأي أبي يوسف وهو المفتى به عند فقهاء الحنفية.. ولم يتعرض القانون أيضاً لأخذ الكفالة ممن يختلف نصيبهم بين أن يكون واحداً أو أكثر. فهنا يجب ان نطبق حكم المادة 305 وهي العمل بالراجح من مذهب أبي حنيفة.
وأما فيما يتعلق بنص المادة 300 وثبوت النسب.. نرى أن القانون اقتصر على ما إذا كان الحمل من زوجة المتوفى.. أو معدته. ولم يتعرض لما إذا كان من زوجة غير المتوفى أو معدته فلا بد من الاستئناس بالقانون المصري.. علماً أنه خالف مذهب الحنفية وأخذ بمذهب أحمد انظر المادة 43 مصري في نهاية هذا الجزء بالملحق الخاص بهذه المجموعة.
ملخص بتصرف من كتاب أحكام التركات للأستاذ بدران بدران والأحوال الشخصية للدكتور مصطفى السباعي والأحوال الشخصية للدكتور صابوني وسباعي والتركة والميراث محمد يوسف موسى