Call us now:
الأعمال التحضيرية للقانون المدني المتعلقة بالمادة 166
الأعمال التحضيرية:
وردت هذه المادة في المشروع التمهيدي برقم 232 ونصها الآتي:
«إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه، أو قوة قاهرة، أو خطأ من المصاب، أو خطأ من الغير، كان غير ملزم بتعويض هذا الضرر ما لم يوجد نص أو اتفاق على غير ذلك».
المشروع في لجنة المراجعة:
تليت المادة فأقرتها اللجنة على أصله بعد تغيير كلمة «المصاب» بكلمة «المضرور» وأصبح رقمها 169 في المشروع النهائي.
ـ وافق مجلس النواب على المادة دون تعديل تحت رقم 169.
المشروع في مجلس الشيوخ:
تليت المادة 169 فبدأ الدكتور بغدادي في شرح هذه المادة قائلاً إن هذا النص ليس له مقابل في التشريع الحالي وإن كان يقرر مبدأ مطبقاً في ظله وهو خاص بعلاقة السببية، بمعنى أنه إذا لم توجد رابطة سببية بين التقصير والضرر لا يكون الشخص الذي وقع منه التقصير مسؤولاً، وتنتفي علاقة السببية إذا وجد السبب الأجنبي كحادث مفاجئ أو قوة قاهرة أو خطأ من المضرور لأن هذا الضرر في هذه الحالة يكون متصلاً بشخص معين ولكن فعل هذا الشخص لم يكن هو السبب في حصوله. ومثال ذلك سائق سيارة يفاجأ بطفل يقطع الشارع جرياً فيصيبه. ففي هذه الحالة يكون السائق غير مسؤول لأن علاقة السببية منتفية.
وقد تساءل العشماوي باشا فقال هل نحن في حاجة إلى هذا النص فأجابه الرئيس قائلاً إن الغرض منه هو تقرير سبب الإعفاء من المسؤولية.
فقال العشماوي باشا أنه لكي يستقيم نص المادة 169 يجب أن يكون نص المادة 167 كالآتي:
«إن كل من سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض» لذلك أرى أن نص المادة 151 الحالية كان يصلح أن يكون هذا النص تعقيباً عليه لا على المادة 167 من هذا المشروع. وقد أجاب الدكتور بغدادي على هذا الاعتراض قائلاً إن أهمية هذا النص الجديد تظهر في إبراز استقلال رابطة السببية وأثر هذا الاستقلال يتجلى في أمرين: الأول هو أنه فيما يتعلق بالخطأ وعلاقة السببية يمكن نفي الخطأ في بعض الأحيان ما لم يمنع هذا النص فالخطأ مسألة وعلاقة السببية مسألة أخرى، والذي أريد من هذا النص هو إظهار أن السببية شيء والخطأ شيء آخر ثم أن الأصل في علاقة السببية هو أنه مادام أن هناك ضرر متصل بفعل شخص فرباط السببية مفترض إلا إذا أقام هو الدليل على عكس ذلك. على أن هذا النص لا يأتي بجديد لأن أغلب أحكام المحاكم تأخذ به فالغرض منه هو إظهار الغامض وهو يضع قاعدة إثبات. والجديد في صيغته هو الإشارة إلى أن علاقة السببية مفترضة لكن الخطأ غير مفترض.
فقال العشماوي باشا إذا كان الخطأ في هذه المادة مفروضاً فإن حكم هذه المادة يستقيم ولكن إذا كان الخطأ غير مفروض ونطالب بإثباته فإن حكم المادة لا يستقيم.
وقد أجاب الدكتور بغدادي على هذا الاعتراض أنه لكي يظهر وجهة نظره يضرب المثل الآتي:
«إذا كان شخص سائراً على الرصيف وآخر يقود سيارة فطلع هذا الأخير على الرصيف ليتفادى ضرراً محدقاً مفاجئاً فدهم الشخص الذي كان يسير على الرصيف. فهي هذا المثال يجب على المضرور أن يثبت وجود الخطأ ومادام أن الخطأ قد ثبت فإن علاقة السببية تكون متوافرة ولكن هذا لا يمنع أن ينفي محدث الضرر هذه العلاقة بأن يقول مثلاً أن سبب طلوعه على الرصيف كان لقوة قاهرة أو لخطأ من الغير. فيجب على المضرور إقامة الدليل على وجود خطأ من المقصر. وأما في علاقة السببية فيجب على محدث الضرر أن يثبت أنها غير موجودة بسبب قوة قاهرة أو بسبب أجنبي بوجه عام».
وتأييداً لذلك أتى الرئيس بمقال يوضح به المسألة فقال إذا ما فرضنا أنني أقود عربة وأثناء ذلك دهمت ولداً صغيراً فالقاضي يسأل من الذي كان يقود السيارة فيقال له فلان، فيقول القاضي أنت مسؤول لأنك أخطأ ومادام قد ثبت الخطأ فإن رابطة السببية تثبت ضمناً. فهذا النص يفتح الباب فيجيز لي أن أدفع المسؤولية عني بالرغم من ثبوت خطأي بأن أثبت أن رابطة السببية غير موجودة بسبب القوة القاهرة أو لسبب أجنبي الخ…
وقد اعترض على ذلك العشماوي باشا واقترح حذف كلمة «كل خطأ» من المادة والاستعاضة عنها بكلمة «كل فعل» حتى لا ينصب الإثبات على الخطأ.
ولكن الرئيس قال رداً على هذا الاقتراح أن خطأ الشخص المقصر ثابت ولكن لينفي هذا الشخص المسؤولية عنه يجب أن يثبت أن علاقة السببية غير موجودة.
وقد أيده في ذلك حلمي عيسى باشا فقال أن الخطأ ثابت ولكن لكي يدفع الشخص المسؤولية عنه يجب عليه أن يقول أن علاقة السببية غير موجودة لسبب قهري فيقول مثلاً لقد طلعت على الرصيف لأتفادى خطراً محدقاً بي فنبه العشماوي باشا إلى أننا في هذه المواد نواجه نظرية المسؤولية ـ فالمادة الأولى وهي المادة 167 لم تأت بجديد ولم تستحدث شيئاً جديداً وكنا ننتظر أن يأتينا المشروع في باب المسؤولية بجديد يتفق مع تطور الحياة. فالمشروع في المادة 167 ذكر شيئاً عن نظرية الخطأ ولكنه نسي نظرية تحمل تبعة المخاطر. لذلك يرى الأخذ بنظرية تبعة المخاطر فتثبت المسؤولية إذا ثبت أن الضرر وقع بفعل شخص آخر. أما تكليف الشخص المضرور في كل حادثة إقامة الدليل على أن الخطأ قد وقع من محدثه فهذا ما لا يقبل. ولذلك يقترح أن يكون المبدأ في هذا الباب بحسب الأوضاع الجديدة في المسؤولية وبحسب تطور الحياة. بمعنى أن يكون الخطأ مفترضاً، وقد ذكر حلمي عيسى باشا أن مبدأ الخطأ المفروض لا يشمل كل الصور، ثم عاد العشماوي باشا فلخص رأيه وقال إن الذي يريده هو أن يكون أساس المسؤولية حادث تسبب عنه الضرر. فعلى المضرور أن يثبت أن الحادث وقع من فلان وأن هذا الحادث هو الذي تسبب عنه هذا الضرر. وعلى المسؤول أن يثبت أن الحادث لم يقع ولم يكن هو السبب فيه. فإذا كان الحادث قد وقع منه فعلاً فيكون له الحق في أن ينفي المسؤولية لظروف لا يد له فيها كالقوة القاهرة أو الخطأ من المضرور.
وقد تساءل حلمي عيسى باشا هل يمكن أن تطبق هذه القاعدة التي اقترحها العشماوي باشا في ظل التشريع القائم.
فأجاب العشماوي باشا بإمكان ذلك ولكن مع هذه النصوص الجديدة لا يمكن تطبيق هذه القاعدة. وهنا قال الرئيس أن في قانون العقوبات في باب السرقة أو القتل نصاً على عقوبة من يرتكب هذه الأفعال وبعد ذلك فتح باب للإعفاء إما من الفعل أو من العقوبة لأسباب ذكرها القانون على سبيل الحصر كحالة الدفاع الشرعي فالجريمة منتفية مع أن الفعل المعاقب عليه موجود والنية موجودة ونتيجة الفعل موجودة ولكن بالرغم من ذلك أعفي من العقاب الشخص المسؤول بأن جعل الفعل مباحاً. فكلمة «خطأ» يجب أن يحدد الغرض المقصود منها. فما هو الخطأ في القانون المدني، يجب أن نحدده أولاً، لأن أركان المسؤولية هي فعل مادي وضرر وعلاقة سببية. بمعنى أن فعلاً مادياً وقع من شخص معين حصل منه ضرر للغير. وبين التقصير والضرر علاقة سببية، فعندما توجد كل هذه العناصر الثلاثة يفترض أن هذا الشخص قد أخطأ.
وهنا قال الدكتور بغداد أن المسألة التي أثارها الرئيس، الخاصة بتحديد الخطأ في القانون المدني، مسألة في غاية الأهمية. فما هو الخطأ الذي هو ركن من أركان المسؤولية. فكرة الخطأ فكرة معيارية تستعصي بطبعها على وضع تعريف جامع مانع. وقد قيل أن الخطأ هو كل عمل غير مشروع ثم بعد ذلك أرادوا تحديد العمل غير المشروع فقالوا أنه الإخلال بأحكام المادة 151 أو هو الإخلال بالالتزام الذي يفرضه القانون على الأشخاص بعدم الإضرار بالغير فمخالفة هذا النهي ينطوي فيها الخطأ وهذا النهي من مقتضاه أن يبذل الشخص عناية الرجل الحريص لو وجد في نفس ظروف الشخص الذي توجه إليه دعوى المسؤولية. وفي تصوير ثانٍ قيل أن الشخص يعتبر مخطئاً إذا أتى عملاً عن غير حق واعتدى على حق الغير ثم توسعوا في هذا الأساس وقالوا أن الشخص يعتبر مخطئاً إذا عمل عملاً عن حق ولكنه اعتدى على حق للغير على أساس التعسف في استعمال الحق.
فالتقصير مسألة منفصلة عن مسألة علاقة السببية وبهذا التمييز يكون ركن الخطأ مستـقلاً عن ركن علاقة السببية وبذلك يمكن للشخص المسؤول أن ينفي مسؤوليته بنفي أحد أركان المسؤولية ومنها الخطأ أو علاقة السببية فمثلاً يمكنه أن يقول إني في فعلي هذا قد سلكت مسلك الرجل الحريص وبهذا يمكنه أن ينفي وجود الخطأ.
ويجوز له أن ينفي مسؤوليته بنفي علاقة السببية عن الخطأ والضرر. بأن يقول مثلاً بالرغم من ثبوت الخطأ ووجود الضرر فإن علاقة السببية غير موجودة بسبب قوة قاهرة أو بسبب خطأ من المضرور.
ثم استطرد حضرته قائلاً بأن الاعتراض الذي أثاره العشماوي باشا على هذه المادة من حيث أنها لم تأخذ بتحمل التبعة وبالخطأ المفروض فحسب لا يمكن قبوله لأنه لا توجد شريعة من الشرائع اتخذت كأساس للمسؤولية مبدأ تحمل تبعة الخطأ والخطأ المفروض فقط. وإنما يجب إثبات الخطأ لقيام المسؤولية كمبدأ عام للمسؤولية. هذه الشرائع قد أوردت استثناءات على هذا المبدأ ومن ضمن هذه الشرائع المشروع المعروض. فقد أخذ بهذا المبدأ كمبدأ للمسؤولية وأورد عليه استثناءات وتوسع في بعضها التوسع الذي يلائم تطور الحياة. فمحكمة النقض المصرية عندما عرضت عليها إحدى الدعاوى الخاصة بالمسؤولية عن تبعة المخاطر أشارت إلى هذا المبدأ في حكمها وقالت بأنه يجب أن لا تأخذ بمبدأ تبعة المخاطر أو الخطأ المفترض كمبدأ عام للمسؤولية وعندما صدر القانون الخاص بحوادث إصابات العمل سنة 1936 أخذ في حدود ضيقة بفكرة تحمل التبعة وقد نصت مذكرته الإيضاحية صراحة على معنى الاستثناء وتلا حضرته بعض الفقرات الخاصة بهذا القانون من المجموعة المدنية لمحمد كامل مرسي باشا صفحة 621 وهي ما يأتي:
إن التشريع المصري الحالي لا يخول للعامل المصاب أي تعويض عن إصابته ما لم يثبت أن الحادث قد نشأ عن الخطأ من جانب صاحب العمل. على أن الإحصائيات التي قامت بها بعض دول أوروبا ويمكن الاستئناس بها في مصر دلت على أن الحوادث التي من هذا القبيل لا تتعدى عشرين في المائة من مجموع الحوادث، وفوق ذلك قد يكون من المتعذر بل من المستحيل أن يقوم العامل بإثبات خطأ صاحب العمل عند إلقاء عبء هذا الإثبات على عاتقه. وقد أخذت المحاكم الأهلية والمختلطة تتوسع في تطبيق مواد القانون الخاصة بالمسؤولية توسعاً خرجت به عن حدود النصوص الواردة في هذه المواد. وقد ساقها إلى ذلك تخفيف الحرج عن العامل واطراد تقدم الصناعة على الوجه الذي نتج عن ازدياد المخاطر التي يستهدف لها العامل. ولكن أحكامها في هذه المسألة كانت متغايرة وغير مستقرة فبينما كان يرى بعضها أن الخطأ من جانب رب العمل مفروض كان البعض الآخر يرى الأخذ إطلاقاً بنظرية مخاطر المهنة التي توجب مسؤولية صاحب العمل لمجرد وقوع الضرر دون التفات إلى شرط الخطأ.
لذلك كان من الضروري أن يتدخل المشرع لسن قواعد مسؤولية صاحب العمل عن أخطار المهنة ولمنع تضارب أحكام المحاكم. ذلك التضارب الذي يؤدي إلى تعريض العمال لمعاملات مختلفة باختلاف وجهات النظر. ونظراً لهذه الاعتبارات خول هذا القانون الحق في التعويض لكل عامل مصاب من حوادث العمل دون أن يكلفه بإثبات خطأ صاحب العمل أو من ينوب عنه.
ثم ذكر حضرته بأنه لا يمكن الخروج من هذه القاعدة التقليدية قاعدة أن الخطأ الذي يتسبب عنه ضرر يجب أن يقام الدليل عليه إلا إذا نص المشرع على خلاف ذلك على سبيل الاستثناء ويؤيد هذا المنطق أن الأصل في أعمال الناس أنها لا تصدر عن تقصير ولذلك أجمع الفقهاء على أن الشخص لا يسأل إلا إذا أقيم الدليل على خطأه. لهذا فإن الاعتراض الذي أثاره العشماوي باشا وهو الخاص بحوادث الآلات الصناعية لا محل له لأن المشروع قد وضع في هذه الحالة في المادة 183 علاجاً خاصاً أعتقد أن فيه الكفاية.
وقد أيد هذا حلمي عيسى باشا فقال أنه يوافق على حكم المادة إلا أنه يرى أن صياغتها غير دقيقة وقد اقترح الصيغة التالية:
«إذا نشأ الضرر عن سبب أجنبي لا يد للشخص فيه كحادث مفاجىء أو قوة قاهرة أو خطأ من المضرور أو خطأ من الغير كان غير ملزم بتعويض هذا الضرر ما لم يوجد نص أو اتفاق على غير ذلك».
فقال العشماوي باشا بأنه يرى أن وقوع الحادث ونسبته إلى شخص معين تكفي للمسؤولية وأن يكون نص المادة 167 كما يأتي:
«كل فعل سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض ويعفى من المسؤولية الشخص الذي يثبت أن الفعل نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه كحادث مفاجىء، أو قوة قاهرة، أو خطأ من المضرور، أو خطأ من الغير، ويكون غير ملزم بتعويض هذا الضرر ما لم يوجد نص أو اتفاق على غير ذلك» مع حذف المادة 169 لأن وقوع الحادث ونسبته إلى شخص معين تكفي للمسؤولية.
ثم استطرد فقال أنه ليفسر الخطأ كما فسره الرئيس لذلك ترفع كلمة «الخطأ» الواردة في المادة 167 خشية أن يفسر وجودها على أنه يجب إثبات الخطأ وهذا هو القضاء القائم لأن الفقرة الأولى تقرر المسؤولية وتردها للحادث وتفترض الخطأ. والفقرة الثاني تعطي رخصة لمن تسبب في الحادث أن يثبت الإعفاء من المسؤولية. هذا هو اتجاه القضاء ويخشى من أن إبراز كلمة «الخطأ» في المادة 167 يؤدي إلى تكليف طالب التعويض بإثبات خطأ الفاعل.
وقد رد الدكتور بغدادي على اقتراح العشماوي باشا فقال أن كل الشرائع بغير استثناء أخذت بوجوب إثبات الخطأ وإقامة الدليل عليه كقاعدة عامة ومنها التشريع الفرنسي الإيطالي فإنه لا يفترض الخطأ إلا حيث يقضي القانون بذلك استثناء كما هو الحال في المسؤولية الناشئة عن الأشياء.
فعقب على ذلك العشماوي باشا قائلاً أنه ليس بينه وبين حضرات أعضاء اللجنة خلاف في الجوهر فسعادته يسلم بأن الخطأ ركن من أركان المسؤولية ولكن يجب أن يكون خطأ مفترضاً. فما دام قد وقع الحادث وتسبب عنه ضرر ونسب للفاعل فمن يريد أن ينفي عن نفسه المسؤولية عليه أن يثبت سبباً من أسباب الإعفاء. فإذا كانت اللجنة تقر هذه الفكرة فسعادته يوافق على بقاء المادة 167 كما أقرتها اللجنة من قبل مع قبول تعديل المادة 169 حسب ما اقترحه حلمي عيسى باشا.
قرار اللجنة:
وافقت أغلبية اللجنة على النص الذي اقترحه حلمي عيسى باشا للمادة 169.
ـ محضر الجلسة الخامسة والأربعين: راجعت اللجنة المواد المتروكة للبحث بحضور معالي السنهوري باشا ليبدي رأيه فيها فتليت المادة 169، وقد وافقت اللجنة على بقائها من غير تعديل.
ـ وأصبح رقم المادة 165.
ـ وافق مجلس الشيوخ على المادة دون تعديل.
مذكرة المشروع التمهيدي:
1 ـ تستظهر المواد من 223 إلى 532 سلسلة متصلة الحلقات من الأحكام تتناول تعيين أحوال ارتفاع المسؤولية والتخفيف منها، وقد درج الفقه على التفريق بين أحوال ارتفاع المسؤولية لانعدام رابطة السببية كما هو الشأن في السبب الأجنبي وأحوال ارتفاعها بسبب انتفاء الخطأ كما يقع ذلك في حال الدفاع الشرعي. وحالة صدور أمر من رئيس وحالة الضرورة. ومهما يكن من شأن هذه التفرقة فمن الأنسب من الناحية العملية أن تحشد هذه الأحوال المختلفة في صعيد واحد. باعتبار أن فكرة انتفاء المسؤولية تنتظمها جميعاً.
2 ـ ويقع عبء إثبات الخطأ على المضرور. وتكون القرائن القضائية عادة سبيله إلى التماس الدليل. بل إنه يسوغ لمن أحدث الضرر أن يثبت وجود السبب الأجنبي وينفي بذلك مسؤوليته، باستبعاد كل قرينة عليها. وللمحدثين من القضاء تحليل أدق في هذا الشأن. فمن رأيهم أن المضرور إذا أقام الدليل على المسؤولية بإثبات الخطأ والضرر وعلاقة السببية بينهما فلمن أحدث الضرر عندئذ أن يسقط الدليل على علاقة السببية هذه بإثبات السبب الأجنبي. ويكون هذا السبب بوجه عام حادثاً فجائياً أو قوة قاهرة ـ وليس ثمة محل للتفريق بينهما ـ أو خطأ وقع من المضرور أو من الغير. على أن هذا البيان غير وارد على سبيل الحصر. فقد يكون السبب الأجنبي عيباً لاصقاً بالشيء المتلف أو مرضاً خامر المضرور. هذا وقد يقضي نص في القانون بأن تبقى المسؤولية قائمة رغم القوة القاهرة كما هو الشأن في قانون سنة 1936 الخاص بحوادث العمل. وقد يقبل المدين بقاءه مسؤولاً مع وجود هذه القوة بمقتضى اتفاق خاص وبهذا قضت المادة 290 فقرة أولى من المشروع.
3 ـ ولمن أحدث الضرر كذلك أن يتنصل من تبعة عمله ويدفع المسؤولية عن نفسه رغم قيام الدليل على اجتماع عناصرها الثلاثة ـ وهي الخطأ والضرر ورابطة السببية ـ إذا أثبت توافر سبب من أسباب الإباحة وهي ثلاثة: الدفاع الشرعي، وصدور أمر من رئيس، والضرورة. أما حالة الدفاع الشرعي فقد عرفها التقنينان التونسي والمراكشي في المادة 104/95 بأنها «حالة يجبر فيها الشخص على العمل لدرء اعتداء حالّ غير مشروع موجه إلى شخصه أو ماله، أو موجه إلى شخص الغير أو ماله». فمن يقوم بالدفاع الشرعي، في مثل هذه الحالة، فأحدث ضرراً للمعتدي لا يكون مسؤولاً ولا يعتبر ما وقع منه خطأ يوجب المساءلة.
وقد نص التقنين الألماني صراحة على ذلك، فقضى في المادة 227 بأن «كل عمل يفرض على الشخص جبراً في سبيل الدفاع عن النفس، لا يعتبر مخالفاً للقانون». ولم يقتصر القانون البرتغالي على تخويل الشخص حق الدفاع عن نفسه فحسب بل جاوز هذه الحدود، وجعل من ذاك الدفاع واجباً يقع على عاتق من يشهد الاعتداء، وليس هذا الواجب مجرد واجب أدبي وإنما هو واجب قانوني تترتب عليه تبعات قانونية، وقد نصت المادة 2368 من هذا التقنين على أن «كل من يمتنع عن مقاومة عمل غير مشروع، وكان لا يعرض نفسه لخطر لو أنه قاومه، يسأل عن التعويض مسؤولية احتياطية». وبديهي أن المسؤولية لا ترتفع في حالة الدفاع الشرعي، إلا إذا كان من ألجىء إليه قد اقتصر على القدر اللازم لدفع الخطر في غير إفراط. فإذا جاوز هذا القدر، اعتبر ما وقع منه من قبيل الخطأ وقاسم المعتدي بذلك تبعة خطأ مشترك يتردد بينهما. وفي هذه الصورة يقضي للمضرور بتعويض عادل ولكنه تعويض مخفف، يقدره القاضي وفقاً لقواعد الخطأ المشترك.
4 ـ وترتفع المسؤولية كذلك إذا كان العمل الضار قد وقع تنفيذاً لأمر من رئيس إداري، لانتفاء الخطأ في هذه الصورة. ويشترط لإعمال هذا الحكم شرطان: فيجب أولاً، أن يكون محدث الضرر موظفتاً عاماً. ويجب ثانياً أن يكون العمل الضار قد وقع تنفيذاً لأمر صادر من رئيس إداري، ولو لم يكن الرئيس المباشر. وعلى من أحدث الضرر أن يقيم الدليل، لا على اعتقاده وجوب طاعة هذا الرئيس فحسب، بل وكذلك على اعتقاده وجوب تنفيذ الأمر الصادر عنه. وعليه كذلك أن يقيم الدليل على أن اعتقاده هذا كان مبنياً على أسباب معقولة وأنه راعى جانب الحيطة فيما وقع منه.
5 ـ ويراعى أخيراً، أن حالة الضرورة قد تستتبع التخفيف من المسؤولية أو نفيها، فهي تؤدي إلى التخفيف، إذا لم يكن للمضرور نصيب في قيامها. ويظل محدث الضرر مسؤولاً في هذه الحالة ولكنه لا يكون ملزماً إلا بالتعويض الذي يراه القاضي مناسباً، باعتبار أنه ألجىء إلى ارتكاب العمل الضار، وقاية لنفسه أو لغيره من ضرر محدث أشد خطراً، فهو من هذه الناحية أسير تبعة وأخف وزيراً. أما الغير الذي وقع الضرر وقاية له، فيكون مسؤولاً قبل محدث الضرر أو قبل المضرور وفقاً لقواعد الإثراء بلا سبب. وينبغي التحرز في هذا المقام في التفريق بين حالة الضرورة وبين القوة القاهرة من ناحية، وبين هذه الحالة وحالة الدفاع الشرعي من ناحية أخرى. ففي حالة الضرورة يكون لمحدث الضرر مندوحة عن إحداثه، لو أنه وطن النفس على تحمل الضرر الذي كان يتهدده. أما القوة القاهرة فهي على النقيض من ذلك تلجىء إلى الإضرار إلجاء لا قِبَل للفاعل بدفعه. ثم إن الخطر الداهم الذي يقصد إلى توقيه في حالة الضرورة، لا يكون للمضرور يد في إحداثه ويختلف عن ذلك وضع المضرور في حالة الدفاع الشرعي فهو بذاته محدث ذلك الخطر. ويتفرع على ما تقدم أن حالة الضرورة قد تختلط بحالة الدفاع الشرعي إذا كان العمل الضار لم يدفع إليه خطر خارجي، وإنما استلزمه خطر صادر عن المضرور نفسه. ففي هذه الحالة تنتفي المسؤولية بتاتاً، ويكون للضرورة حكم الدفاع الشرعي من هذا الوجه. وقد لمح التقنين الألماني إلى هذه التفرقة فنص في المادة 228 على أن «كل من أتلف أو خرب شيئاً مملوكاً للغير لدرء خطر يتهدده أو يتهدد غير من جراء هذا الشيء لا يعد بذلك مخالفاً للقانون متى كان الإتلاف أو التخريب قد استلزمه دفع الخطر وكان الضرر متناسباً مع هذا الخطر، فإذا كان الفاعل قد أحدث الخطر بفعله سئل عن تعويض الضرر». وقد اتبع التقنين البولوني هذه التفرقة نفسها مع اختلاف في التعبير فنص في المادة 140 على أن «كل من ضرب أو أتلف شيئاً مملوكاً للغير، أو قتل أو جرح حيواناً مملوكاً للغير وقاية لنفسه أو لغيره من خطر يتهدده أو يتهدد هذا الغير مباشرة من جراء هذا الشيء أو ذاك الحيوان، لا يسأل عما يحدث من ضرر إذا كان لم يستجلب هذا الخطر وكان الفعل الذي ترتب عليه الضرر لازماً». ويلاحظ أن التقنينين المتقدم ذكرهما يفرقان بين حالة إحداث الخطر من جراء شيء يملكه المضرور، وبين حالة إحداث الخطر بخطأ من وقع الضرر منه. ففي الحالة الأولى تنتفي المسؤولية بتاتاً، في حين أنها تظل في الحالة الثانية كاملة غير منقوصة. على أن المشروع قد عرض لحالة أدق من الحالتين السابقتين فواجه صورة من صور الخطر تنجم عن ظروف خارجية لا يكون لمحدث الضرر أو المضرور يد فيها، وقضى بتخفيف المسؤولية في هذه الصورة عوضاً عن الإبقاء عليها أو نفيها في جملتها.