الأعمال التحضيرية للقانون المدني المتعلقة بالمادة 1

الاعمال التحضيرية:
ورد نص المادة 1 في المشروع التمهيدي على الشكل التالي:
1ـ تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو في فحواها.
2ـ فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه، حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يوجد، فمبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة.
3ـ ويستلهم في ذلك الأحكام التي أقرها القضاء والفقه، مصرياً كان أو أجنبياً. وكذلك يستلهم مبادئ الشريعة الإسلامية.

المشروع في لجنة المراجعة:
اقترح معالي السنهوري باشا، في لجنة المراجعة، تعديلاً يجعل مبادئ الشريعة الإسلامية مصدراً رسمياً ملزماً ويوضع في الترتيب قبل مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة حتى يجد مجالا عند التطبيق. فوافقت اللجنة على ذلك. وهكذا أصبح نص الفقرة الثانية على الشكل التالي:
«2ـ فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية الأكثر ملاءمة لنصوص هذا القانون دون تقيد بمذهب معين. فإذا لم توجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة».
وحذفت عبارة «وكذلك يستلهم مبادئ الشريعة الإسلامية» من نص الفقرة الثالثة.

المشروع في مجلس الشيوخ:
وفي مجلس الشيوخ أقرت اللجنة حذف عبارة «الأكثر ملاءمة لنصوص هذا القانون دون تقيد بمذهب معين» من الفقرة الثانية لأنها تزيد.
كما قررت اللجنة حذف الفقرة الثالثة من نص المادة. ثم وافق المجلس على المادة كما عدلتها اللجنة.

مذكرة المشروع التمهيدي:
1ـ جمع المشروع في هذه المادة مايعرف في اصطلاح الفقه بمصادر القانون. واسترشد في ذلك بالتقنينات المدنية، وبالتقنين السويسري بوجه خاص. وليس يقصد من جمع المصادر، على هذا النحو، مجرد تعدادها، بل يراد، بوجه خاص، بيان تدرجها من حيث الأولوية في التطبيق. ولا يتضمن التشريع المصري الوضعي فيما يتعلق بهذه المصادر إلا نصوصاً مبعثرة، أهمها المادة 29 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية، والمادة 52 من لائحة التنظيم القضائي للمحاكم المختلطة. بيد أن هاتين المادتين يشوبهما اضطراب في الصياغة، وهما بعد لا تنزلان العرف منزلة تتناسب مع أهميته كمصدر تكميلي مرن يسد جانباً من نقص التشريع ويدأب على مسايرة التطور الدائم في نطاق الروابط الإجتماعية. فالمادة 29 تحيل القاضي إلى قواعد العدالة «إن لم يوجد نص صريح بالقانون»، مع أن الصراحة قد تعوز النص، ومع ذلك ينطوي فيه الحكم التشريعي ويتيسر استخلاصه من طريق التفسير. وهي لا تعرض لتطبيق العرف، إلا أن يتخذ صورة «العادات التجارية» في مواد التجارة. والمادة 52 تحيل القاضي إلى قواعد العدل والقانون الطبيعي: «إذا لم يوجد في القانون نص… أو كان النص قاصراً أو غامضاً» وتغفل العرف إغفالاً تاماً. وهي إذ تفرق بين عدم وجود النص وقصوره وغموضه، لا تقصد إلا مواجهة حالة نقص التشريع، ولم يعدم هذا التفريق أثراً فيما خالط آراء الفقه والقضاء من لبس وإبهام.
2ـ وتقتصر الفقرة الأولى على رسم حدود سريان التشريع من حيث الموضوع وهي تطابق في عبارتها الفقرة الأولى من المادة1 من التقنين المدني السويسري. وليس للتشريع في حكم هذه الفقرة ذلك السلطان الجامع المانع الذي آمن به فقهاء الشرح على المتون في مطلع القرن التاسع عشر، وإنما هو من أهم مصادر القانون دون منازع، ولا سيما في ظل التقنين. ولذلك يخلق بالقاضي أن يلتمس الحكم الذي يطبق على النزاع في نصوص التشريع أولاً متى وجد الحكم فيه أو استخلصه منه، تعين أن يمضيه وامتنع عليه الأخذ بأسباب الاجتهاد.
ونصوص التشريع تسري على جميع المسائل التي ينسحب عليها حكمه، سواء استخلص هذا الحكم من عبارة النص، أم من روحه. وليس أدعى إلى إسلاس تطبيق القواعد التشريعية وتيسير أسباب المرونة لها، من تقصي روح النص، إما بالرجوع إلى مصادره التاريخية، أو أعماله التحضيرية، وإما باستنباط لوازمه، أو بالكشف عن حقيقة مفهومه أو دلالته بطرق التفسير المختلفة. والإشارة إلى روح النص أو فحواه أفضل، في هذا المقام، من إشارة المادة 3 من التقنين المدني الإيطالي الصادر في سنة 1938 إلى نية المشرع. فهذه النية أمر مستتر، فيفترض وجوده في الغالب، قد لايطابق الحقيقة في كثير من الأحيان، وقد لا يتاح الوقف عليه في أحيان أخرى.
فالواقع أن النص، متى خرج من يد واضعه، اتصل بالحياة وتفاعل معها، وأصبح للظروف الإجتماعية قي تحديد نطاقه ومراميه شأنٌ يجاوز في خطره تلك النية التي تقدم ذكرها.
3ـ وتعرض الفقرة الثانية لحالة نقص التشريع، فتحيل القاضي مبدئياً إلى العرف. وهي في ذلك تتفق مع الفقرة 2 من المادة 1 من التقنين المدني السويسري. والواقع أن العرف هو المصدر الذي يلي التشريع في المرتبة. فمن الواجب أن يلجأ إليه القاضي مباشرة إن افتقد النص. وإذا كانت المادة 29 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية قد اقتصرت على ذكر «العادات التجارية»، فأكبر الظن أنها قصدت بذلك إلى استظهار ما للعرف من أهمية خاصة في المعاملات دون غيرها. فالعرف هو المصدر الشعبي الأصيل الذي يتصل اتصالاً مباشراً بالجماعة، ويعتبرونها وسيلتها الفطرية لتنظيم تفاصيل المعاملات ومقومات المعايير التي يعجز التشريع عن تناولها بسبب تشعبها أو استعصائها على النص. ولذلك، ظل هذا المصدر، وسيظل إلى جانب التشريع، مصدراً تكميلياً خصباً لايقف إنتاجه عند حدود المعاملات التجارية، بل يتناول المعاملات التي تسري في شأنها قواعد القانون المدني وسائر فروع القانون الخاص والعام على السواء.
4ـ فإذا لم يجد القاضي في التشريع، أو العرف، حكماً يمكن تطبيقه، وجب أن يلجأ إلى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة، وفقاً لنص الشق الثاني من الفقرة الثانية. وهذا الشق لا يستحدث جديداً، وإنما ينقل العبارة الواردة في المادة 52 من لائحة التنظيم القضائي للمحاكم المختلطة دون تحريف. ولم يشأ المشروع أن يجاري التقنين المدني السويسري فيأذن للقاضي بأن يطبق في هذه الحالة ماكان يضع هو من القواعد لو عهد إليه بأمر التشريع (فقرة 2 من المادة 1)، بعد أن أخذ على هذه الصيغة، من ناحية الشكل، أنها تخول القضاء حق إنشاء الأحكام القانونية، مع أن عمله ينحصر في تطبيق هذه الأحكام فحسب. ولم يشأ المشروع، كذلك، أن يحيل القاضي إلى مبادئ القانون العامة فحسب (مادة 1 من التقنين الصيني)، بل احتفظ بعبارتي القانون الطبيعي والعدالة. وإذا كانت عبارة التقنينات الحديثة تفضل هاتين العبارتين، في بعض الوجوه، بسبب ما يؤخذ عليها عادة من الإبهام، إلا أن الواقع أن هذه العبارات جميعاً لا تردّ القاضي إلى ضابط يقيني، وإنما هي تلزمه أن يجتهد رأيه حتى يقطع عليه سبيل النكول عن القضاء. وهي تقتضيه في اجتهاده هذا، أن يصدر عن اعتبارات موضوعية عامة، لا عن تفكير ذاتي خاص، فتحمله إلى مبادئ أو قواعد كلية، تنسبها تارة إلى القانون الطبيعي، وتارة إلى العدالة، وتارة إلى قانون الدولة، أو إلى القانون بوجه عام، دون نعت أو تخصيص.
5ـ وإزاء ذلك، آثر المشروع أن يبقي على التعبير الذي استعمل في نصوص التشريع القائم ويسّر للقضاء أسباب الاجتهاد في أرحب نطاق. ففي كنف مبادىء القانون الطبيعي وقواعد العدالة، طبقت المحاكم المبادىء العامة في القانون المصري، وأخذت ببعض أحكام الشريعة الإسلامية، واتبعت بعض القواعد المقررة في تشريعات أجنبية أو معاهدات دولية، بل وعمدت إلى استحداث أحكام اقتضتها طبيعة الروابط الإجتماعية دون أن يكون لها سند في سوابق التشريع أو العرف. وعلى هذا النحو، لم يتقيد القضاء بضرورة التزام المبادىء العامة في القانون المصري فحسب، وإنما استعان بهذه المبادىء، كما استعان بغيرها، متوخياً اختيار أصلح القواعد وأكثرها ملاءمة لطبيعة الأوضاع التي قصّر القانون عن تنظيمها.
6ـ على أن المصادر المتقدمة جميعاً، مصادر ملزمة. بمعنى أن القاضي يلزم بتطبيق القواعد التي تستقر منها وفقاً للترتيب المتقدم. وقد شفع المشروع تلك المصادر ببيان العناصر التي يستأنس بها في استخلاص هذه القواعد وتقصي مفهومها دون أن يكون لها قوة في الإلزام. فنصت الفقرة الثالثة على أن القاضي يستلهم في هذا الشأن الأحكام التي أقرها القضاء والفقه، مصرياً كان أو أجنبياً، وكذلك مبادىء الشريعة الإسلامية. الإشارة إلى القضاء والفقه بهذا التعميم لا تعدو أن تكون تقنيناً لما جرت عليه المحاكم المصرية منذ عهد بعيد. فهي تستشهد بآراء المصريين والأجانب من الفقهاء، وبالقضاء الوطني والأجنبي على حد سواء. أما التنويه بمبادىء الشريعة الإسلامية، فهو تجديد قصد به قضاء حق هذه الشريعة، لا بوصفها مصدراً تاريخياً لشقٍّ من قواعد المشروع فحسب، بل بوصفها مثالاً فريداً من مثل الصياغة الفنية الرفيعة. وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد ظفرت بمكانة بارزة في فقه القانون المقارن وسبقت أرقى التقنينات الحديثة إلى الكشف عن نظرية التعسف في استعمال الحق، وغيرها من النظريات الخلقية النزعة، فما أحراها أن تكون مصدراً يستلهمه القضاء المصري، ولا سيما أن أكثر أحكام المشروع يمكن تخريجه على أحكام الشريعة في مذاهبها المختلفة دون عناء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *