قانون الايجارات ج1ج2ج3 شفيق طعمة 1094

عقد استثمار – محل العقد – عقار أو منقول مادي – عناصر مادية أو معنوية

إن الفرق بين عقد الإيجار وعقد الاستثمار يكون في محل العقد إذ بينما يكون محل العقد في الإيجار على إطلاقه عقاراً أو منقولاً مادياً أو حقاً ما يكون محل العقد في الاستثمار مؤسسة صناعية أو تجارية أو ما شابهها بجميع عناصرها المادية والمعنوية المنصوص عليها في المادة 40 من قانون التجارة.

في القانون
عن السببين الأول والثاني.
حيث أن المستأنف يأخذ على الحكم البدائي تحت السبب الاستئنافي الأول أنه لم يعط صفة الحق العيني للحق الناشىء عن عقد 18 / 6 / 1949 ثم يأخذ عليه استطراداً تحت السبب الاستئنافي الثاني أنه لم يعط صفة حق الاستثمار بل صفة حق الإيجار للحق الناشىء عن عقد 18 / 6 / 1949 .
وحيث أنه لابد قبل تحديد طبيعة الحق الناشىء عن عقد 18 / 6 / 1949 من أن تحدد طبيعة العقد ذاته باعتبار مصدر هذا الحق والسبب القانوني لنشوئه.
وحيث أن العقد هو شريعة المتعاقدين فإن إرادة المتعاقدين هي التي تحدد طبيعة هذا العقد وتعين نطاقه.
لذلك يجب تحري الإرادة المشتركة للمتعاقدين عند البحث عن طبيعة العقد ونطاقه.
وهذه الإرادة قد تكون ظاهرة لا تحتاج إلى توضيح فيعمل بها وقد لا تكون كذلك فيجب البحث عنها عن طريق التفسير فتجاوز القاضي حرفية النص لينفذ منه إلى المعنى الحقيقي الذي أراده المتعاقدان ووضوح الإرادة لا يرتبط دائماً بوضوح العبارة. فقد تكون العبارة في ذاتها واضحة ولكن الظروف تدل على أن المتعاقدين أساءا استعمال هذا التعبير الواضح فقصدا معنى وعبرا عنه بلفظ لا يستقيم له هذا المعنى بل هو واضح في معنى آخر. ففي هذه الحال لا يأخذ القاضي بالمعنى الواضح للفظ بل يعدل عنه كما في حال عدم وضوح اللفظ إلى المعنى الذي قصد إليه المتعاقدان.
وفي القضية الحاضرة نلاحظ أن عقد 18 / 6 / 1949 الحاصل بين السيدة حنة … كفريق أول وبين هيكل … كفريق ثان قد سمي عقد إيجار. وأما محل العقد فهما العقاران 98 و 871 الصيفي. وقد جاء في البند الثاني منه أن الفريق الأول أجر من الفريق الثاني كامل العقار.
وجاء في البند الرابع منه أن مدة هذا الإيجار هي اثنتا عشرة سنة.
وجاء في البند الخامس منه أيضاً والعشر سنوات الباقية بعد مدة الإيجار فيتعهد الفريق الثاني بأن يدفع للفريق الأول خمسماية ليرة لبنانية بدل إيجار عن كل سنة..
ثم جاء في البند السادس من العقد ذاته لا يحق له أن يؤجر العقارين المأجورين.. أو أن يتنازل عن هذا الإيجار….
كما جاء في البند السابع أيضاً للفريق الثاني عند انتهاء مدة الإيجار.
وأخيراً جاء في البند الثامن وهو البند قبل الأخير يجب على الفريق الثاني عند تركه للمأجور ….
وحيث أن هذه العبارات وكلها تفيد التأجير ما كانت لتترك مجالاً لتفسير أو تأويل لولا أن المتعاقدين قد استعملا إلى جانب عبارات أجر وبدل إيجار ومدة الإيجار والمأجور عبارة استثمار. فقد جاء في البند الخامس من العقد أنه يحق للفريق الثاني أن يستثمر العقارين الموجودين دون أن يدفع للفريق الأول أي بدل عن هذا الاستثمار… وذلك لمدة سنتين. والعشر سنوات الباقية بعد مدة الإيجار فيتعهد الفريق الثاني بأن يدفع للفريق الأول خمسماية ليرة لبنانية بدل إيجار عن كل سنة.
وجاء في البند السادس على أنه لا يحق للفريق الثاني بأن يدخل معه شركاء في استثمار الفرق أو الطاحون … كما أنه يحق له أن يؤجر العقارين المأجورين.
وأخيراً جاء في البند السابع للفريق الثاني عند انتهاء مدة الإيجار المحدود في البند الرابع من هذا العقد الأفضلية باستثمار العقارين.
وحيث أن بنود الاتفاق الواحد تنسق وتفسر بعضها ببعض بالنظر إلى مجمل العقد فإن كلمة استثمار يجب أن تفسر على ضوء جميع ما ورد في بنود العقد.
وحيث أن الفريق بين عقد الإيجار وعقد الاستثمار يكمن في محل العقد. إذ بينما يكون محل العقد في الإيجار على إطلاقه عقاراً أو منقولاً مادياً أو حقاً ما نجد أن محل العقد في الاستثمار مؤسسة صناعية أو تجارية أو ما شابهها بجميع عناصرها المادية والمعنوية المنصوص عنها في المادة / 40 / من قانون التجارة.
وحيث أن محل عقد 18 / 6 / 1949 هما العقار رقم / 871 / الصيفي الذي يحتوي على قطعة أرض فيها بناء من حجر يحتوي على قبوين مسدودين يعلوهما عليتان وقبوين من حجر فوقهما سطح تصعد إليه بسلم من حجر وقد أجيز للسيد هيكل العلم أن يهدم القبوين القديمين وأن يبني فرناً ومحلاً للطاحون على الطرز الحديث والعقار رقم / 98 / الصيفي ويحتوي على بيت مؤلف من طابقين السفلي مؤلف من سبع قطع والعلوي مؤلف من ست قطع وثلاثة أقبية.
وحيث أن هذين العقارين يشكلان محلاً للإيجار وليس للاستثمار لعدم وجود أية مؤسسة فيهما. وإذا كانت المالكة قد أجازت للفريق الثاني أي اليد علم أن يهدم قبوين وينشىء مكانهما فرناً ومحلاً للطاحون فإن هذا لا يعني أنها هي صاحبة هاتين المؤسستين لأن منشئهما وصاحبهما هو السيد علم بدليل أن الاتفاق يقضي بأن تستلم المالكة بنهاية أجل العقد البناء الذي يكون قد أنشأه السيد علم وليس المؤسستين والبناء لا يشكل عنصراً من عناصر المؤسسة.
وحيث انه بمقتضى عقد 18 / 6 / 1949 أولت المالكة حق الانتفاع بالعقارين الموصوفين أعلاه إلى السيد هيكل لمدة اثنتي عشرة سنة. ببدل سنوي قدره خمسماية ليرة عن العشر سنوات الباقية من العقد فإن جميع عناصر الإيجار كما حددتها المادة / 533 / موجبات تكون متوفرة في هذا العقد أي عقد 18 / 6 / 1949 فإننا نجد أن كلمة استثمار رغم وضوحها لا تعبر عن إرادة المتعاقدين الحقيقية لأنها لا تستقيم بمعناها القانوني وهو الإدارة الحرة مع ما قصده المتعاقدان من الانتفاع بعقارين وما فيهما من أبنية. وهكذا فإن المتعاقدين استعملا كلمة استثمار التعبير عن انتفاع المستأجر بالمأجور.
وحيث أن العقد الحاصل إذن في 18 / 6 / 1949 يكون عقد إيجار وليس عقد استثمار.
وحيث أن الحق بالإجارة هو حق شخصي وليس حقاً عينياً. ولا يغير من طبيعة هذا الحق أن المالكة أجازت للمستأجر إقامة بناء جديد واستثمار العقار واستيفاء غلته النقدية والتنازل عن الحق للغير والتسجيل في السجل العقاري وذلك لأن البناء الجديد قد حسبت قيمته من أصل البدل لأن المالكة أعفت المستأجر من بدل سنتين مقابل هذا البناء كما أنه يلاحظ أن البدل السنوي هو أقل من بدل مثل العقارين محل العقد. أما استثمار العقد واستيفاء غلته النقدية أو التنازل عن الحق للغير فلا يتعارض مع طبيعة حق الإيجار كما يتبين من نص المادتين 533 و 584 موجبات. وأما التسجيل في السجل العقاري فليس شرطاً لنشوء الحق ذاته أو عنصراً من عناصر وجوده ولكنه شرط لنفاذ الإيجار الذي تتجاوز مدته ثلاث سنوات بالنظر إلى شخص ثالث عملاً بنص المادة 543 موجبات.
وهكذا فإن القول بأن الحق الناشىء عن عقد 18 / 6 / 1949 هو حق عيني يكون في غير محله القانوني ويكون القاضي البدائي قد أحسن باعتباره هذا الحق حق إجارة.

(محكمة استئناف بيروت المدنية السادسة رقم 1437 تاريخ 28 / 11 / 1962 النشرة القضائية اللبنانية ص 638 لعام 1962)
(كتاب التقنين المدني السوري – ملحق الجزء الخامس – قانون الايجارات – القسم الثاني – دعاوى التخمين – شفيق طعمة وأديب استانبولي – من الصفحة 1563 إلى 1567)