اجتهادات جمركية 11

ان المشرع حجب عن القضاء صلاحية اللجوء إلى الخبرة القضائية لتقدير قيمة البضاعة المخالفة وأناط ذلك بمرجع خاص هو مرجع التحكيم الجمركي.
ما يدل على ان القول الفصل بتقدير قيمة البضاعة في حال الخلاف عليها هو للجنة التحكيم الجمركية وان قرارها ملزم للطرفين وللمحكمة على حد سواء. ولا يجوز اللجوء إلى الخبرة القضائية لتحديد قيمة البضاعة المخالفة. فالقاعدة العامة هي تقدير القيمة عن طريق التحكيم ولجميع أنواع المخالفات الجمركية. ويتعين الفصل في الدعوى على أساسه.

المناقشة
حيث أن المدعي المطعون ضده نفعاً للقانون تقدم في دعوى الأساس الجمركية بطلب مستعجل ادعى فيه أن الجمارك قدرت قيمة السجاد موضوع الدعوى بمبلغ مبالغ فيه جداً لذلك فهو يطلب وصف الحالة الراهنة للسجاد وتقدير قيمته من قبل خبراء مختصين.
وحيث أن الحكم المطعون فيه نفعاً للقانون ذهب إلى فسخ الحكم المستأنف لجهة رده طلب تقدير قيمة البضاعة المستوردة والحكم بتثبيت تقدير هذه القيمة كما وردت في الخبرة القضائية على أساس أن التحكيم من أجل تقدير قيمة البضاعة المنصوص عنه بالمادة 74 من قانون الجمارك إنما يندرج تحت باب التخليص الجمركي. لذلك فهو يطبق على قيمة البضاعة المستوردة بموجب بيانات جمركية أصولية ولا يطبق على تقدير قيمة البضاعة المستوردة تهريباً دون بيانات جمركية هذا بالإضافة إلى أن تقدير قيمة البضاعة من قبل منظمي الضبط الجمركي ليس من الوقائع المادية الثابتة إلى أن يثبت تزويرها وانما هو عبارة عن معلومات تقديرية واستنتاجات شخصية قابلة لإثبات عكسها بكافة الوسائل بما فيها الخبرة القضائية.
وحيث أن المحامي العام بحمص ينعي على الحكم المطعون فيه انتهاءه إلى هذه النتيجة للأسباب التي بينها في طعنه.
وحيث أنه بحسب الظاهر من الأوراق فإن المخالفة الجمركية المسندة إلى المطعون ضده هي استيراد البضاعة موضوع الدعوى تهريباً.
وحيث أن قانون الجمارك قانون خاص يرسم طرقاً خاصة لتحديد قيمة البضاعة.
فأوجب في حال الاستيراد أو التصدير بصورة نظامية بالمواد 35 و 36 و 37 منه على أصحاب البضاعة التصريح في البيانات الجمركية عن قيمة بضائعهم.
وأعطى الجمارك حق عدم الأخذ بالقيمة المصرح بها وتقدير القيمة من قبلها.
وفي معرض تحقيق المخالفة فقد ألزم الجمارك بالمادة 191 منه بتحديد قيمة البضاعة المحجوزة في ضبط المخالفة كلما كان ذلك ممكناً.
فإذا حددت الجمارك هذه القيمة في ضبط المخالفة فإن ذلك يدل على أن تقدير القيمة مما يدخل في حدود الإمكان.
وإذا لم يقم خلاف بين أصحاب البضاعة والجمارك حول تقدير القيمة فإنه يؤخذ بالقيمة المقدرة من قبل الجمارك.
وفضلاً عن ذلك فقد أجاز القانون بالمادة 267 منه الجمارك ببيع البضاعة المحجوزة القابلة للضرر أو الإضرار دون انتظار الفصل بالدعوى وذهب إلى انه في حال الحكم برد البضاعة المبيعة فإنه يعاد إلى صاحب البضاعة رصيد ثمن المبيع المتبقي بعد حسم النفقات منه.
إلا ان قانون الجمارك أعلن – مع ذلك – في فصل التحكيم بالمواد 74 وحتى 78 منه على انه في حال قيام خلاف بين صاحب البضاعة والجمارك حول قيمة البضاعة فإن قرار مدير الدائرة الجمركية يكون معللاً قطعياً إلا في الحالتين اللتين نوه عنهما وحينئذ يثبت الخلاف في محضر يحال حكماً إلى لجنة تحكيمية ثنائية وتبت هذه اللجنة بالخلاف بقرار قابل للطعن أمام لجنة تحكيمية استئنافية ثلاثية ضمن مواعيد وإجراءات محددة بالقانون. وقرار هذه اللجنة بتقدير القيمة مبرم يتمتع بقوة القضية المقضية.
مما يدل على ان القول الفصل بتقدير القيمة في حال الخلاف عليها هو للجنة التحكيم الجمركية وأن قرارها هذا ملزم للطرفين والمحكمة على حد سواء. ويتعين الفصل بالدعوى على أساسه.
وحيث أنه لا يوجد في قانون الجمارك فصل آخر لتقدير قيمة البضاعة سوى هذا الفصل. لذلك فإنه يمكن اعتبار أحكام تقدير القيمة الواردة فيه هي القاعدة العامة لتقدير قيمة البضاعة.
وان انضواء فصل التحكيم تحت باب التخليص الجمركي لا يقطع بأن التحكيم قاصر على البضاعة المستوردة بموجب بيانات جمركية وبصورة نظامية. وانما يمتد ليشمل البضاعة المحجوزة المستوردة أو المصدرة بصورة غير نظامية سواء بموجب بيانات جمركية أو بدون بيانات جمركية. لأن تقرير ما إذا كانت هنالك مخالفة جمركية أم لا لا يتم إلا بعد صدور حكم مبرم بالقضية قد يستغرق ردحاً طويلاً من الزمن أو بالإقرار بالمخالفة والمصالحة عليها.
لذلك فإن مصلحة العدالة تقتضي تحديد هذه القيمة مسبقاً لكي يتحدد على ضوئها مقدار الغرامة والرسوم التي سيحكم بها على صاحب البضاعة في حال المساءلة أو المبلغ الواجب رده إلى صاحب البضاعة في حال الحكم بعدم المساءلة.
وحيث أن وضع قاعدة عامة لتقدير القيمة عن طريق التحكيم تشمل جميع أنواع المخالفات الجمركية إنما يؤدي بالواقع إلى منع التعسف أو المحاباة كليهما في تقدير القيمة ويحيط هذا التقدير بالضمانات القانونية والعملية المتاحة.
وحيث نخلص من ذلك إلى أن المشرع حجب عن القضاء صلاحية اللجوء إلى الخبرة القضائية لتقدير قيمة البضاعة المخالفة وأناط ذلك بمرجع خاص هو مرجع التحكيم الجمركي.
لذلك فإنه لا يجوز اللجوء إلى الخبرة القضائية لتحديد قيمة البضاعة المخالفة.
وحيث أن الحكم المطعون فيه نفعاً للقانون الذي ذهب إلى تقدير قيمة البضاعة المحجوزة المدعى بتهريبها بواسطة الخبرة القضائية إنما يكون قد قام بإجراء في الدعوى خارج عن حدود صلاحيته مما يجعل هذا الإجراء باطلاً غير صالح لبناء حكم عليه.
وحيث ان الطعن من هذه الجهة يغدو وارداً على الحكم المطعون فيه ويرتب نقضه نفعاً للقانون.
لذلك تقرر بالاتفاق الحكم بما يلي
1 – نقض الحكم المطعون فيه نفعاً للقانون.
2 – عدم صلاحية القضاء لإجراء الخبرة الفنية لتقدير قيمة البضاعة المحجوزة من قبل الجمارك لأن هذا التقدير يتم في حال الخلاف على القيمة من قبل لجنة التحكيم الجمركية وفق الإجراءات والأصول المحددة بقانون الجمارك.
(نقض رقم 943 أساس 1770 تاريخ 11 / 5 / 1983 مجلة المحامون 1014 لعام 1983 والطعن واقع نفعاً للقانون)