الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 100 من قانون أصول المحاكمات الجزائية

الرأي الفقهي

ومن الرجوع إلى المواد 89 حتى 101 ترى أن قانون الأصول قد أوجب على قاضي التحقيق بوصفه قاضياً محققاً.. أن يحترم أحكام النصوص القانونية السالفة الذكر. والتي أتينا على ذكرها بذيل المواد 28 وما يليها من باب الجرم المشهود وهامش الصفحة 167 .
ومع مراعاة هذه الأحكام يحق لقاضي التحق أن يقوم بالتحريات في جميع الأمكنة التي يحتمل وجود أشياء فيها يساعد اكتشافها على ظهور الحقيقة – الفقرة الثانية من المادة 89. وعلى ذلك يجوز له اجراء التفتيش في منزل المدعى عليه سواء كان فاعلاً أصلياً.. أو شريكاً.. أو متدخلاً أو حائزاً للأشياء الجرمية أو في منزل شخص غيره. ويجب أن تكون هناك فائدة يحتمل الحصول عليها بالتفتيش وإلا كان التفتيش تعسفياً.. وذلك أمر متروك تقديره للمحقق تحت اشراف نمحكمة الموضوع ومراقبتها فلها الحق بعدم الأخذ بالدليل المستمد من محضر التفتيش كلما تبين لها أنه جاء مخالفاً للشرائط التي أوجبها القانون لصحتها. انظر بسيسو صفحة 226 وما يليها.
اذن وفق ما نصت عليه المادتان 92 و93 أصول جزائية يجري تفتيش البيت بحضور الفاعل إذا كان موقوفاً أو بحضور وكيله إذا كان موقوفاً خارج دائرته القضائية.
وإذا لم يكن موقوفاً وجب على قاضي التحقيق أن يدعوه.. فإذا لم يحضر كان له أن يرسل وكيلاً عنه فإن لم يفعل.. عين القاضي وكيلاً عنه.
وإذا أراد قاضي التحقيق تفتيش بيت غير بيت المدعى عليه.. فعليه أن يجري التفتيش بحضوره أيضاً وإلا فبحضور شاهدين يختارهما قاضي التحقيق بنفسه انظر القاعدة 272 و276.
والمحكمة من اشتراط وجود صاحب العلاقة أو وكيله أن يكون مطمئناً إلى سلامة الاجراء. فإذا لاحظ أن القاضي ارتكب مخالفة.. لفت نظره اليها فإن أغفل ما طلبه منه.. كان له أن يطعن أمام قاضي الاحالة.. أو محكمة الموضوع.
وما دام التفتيش في هذه الحالة عملاً تحقيقياً فإن من حق قاضي التحقيق أن يجريه في غياب المدعى عليه.. أو وكيله في حالتين فقط وهما
1 – حالة الاستعجال.
2 – حالة ما إذا كانت مصلحة التحقيق تقتضي ذلك الكشف الحقيقة.
وكما سلف وذكرنا فقاضي التحقيق هو الذي يقدر هاتين الحالتين.. ولكن تقديره خاضع لاشراف محكمة الموضوع.. التي لها أن تقرر أنه لم يكن له حق في تقديره وتبطل الاجراء. وتهدر الدليل المستمد منه. انظر الفقرة الثانية من المادة 89 والقاعدة 272 و276.
ومن الملاحظ بأنه لم يرد في القانون السوري نص يمنع التفتيش ليلاً. وقد صدر عن وزارة العدل بلاغ يجيز التفتيش ليلاً.. إذا بدأه نهاراً.
وبعد انتهاء التفتيش.. يضع الضابط العدلي محضراً بشهادته وهو ملزم بكتمان معلوماته ومشاهداته عن كل شخص ليس له صفة الاطلاع عليها وإن فعل عوقب بعقوبة افشاء السر.. لأن وضعه ملزم بذلك وفقاً لأحكام المادة 565 عقوبات. وقد أتيح لمحكمة النقض السورية أن تنظر في قضية إفشاء سر المهنة من قبل محامي استشير في قضية تزوير ثم شهد بها أمام القضاء فاعتبرته محكمة النقض مسؤولاً جزائياً.. وهدرت شهادته. انظر القاعدة 270.
وسواء أكانت الجناية مشهودة أم غير مشهودة ووفق ما نصت عليه المادتان 55 و95 أصول جزائية فقاضي التحقيق ملزم بأن يخبر النائب العام أو ممثله بانتقاله إلى موقع الجريمة. أو بقيامه بالتفتيش. ولكنه لا يكون ملزماً بانتظاره المادة 29 / 2 ولأنه صاحب اختصاص أصيل وعليه أن يصطحب كاتبه معه.. أو كاتباً مستناباً في حالة الجناية غير المشهودة. ولكن في حالة الجناية المشهودة لا يشترط وجود الكاتب أصلاً.. لأن قاضي التحقيق يقوم عندئذ بعمل الضابطة العدلية فقط بل وليس عليه في هذه الحال أن يقبل محامي المتهم. انظر صفحة 119 الدكتور حومد والمواد 55 و95.
واجراء التفتيش خلافاً للقواعد التي رسمها القانون يترتب عليها بالبداهة البطلان.. بل بطلان كل أثر يترتب عليه. وتعليل ذلك أن هذه القواعد وضعت لضمان حرمات البيوت.. فلا ينتهكها أحد إلا في حالات الضرورة القصوى والتي ذكرها المشرع حصراً انظر هامش صفحة 167 والقاعدة 278.
فالدستور السوري لعام 1973 بالمادة 21 منه نص على أن المساكن مصنوة ولا يجوز دخلوها أو تفتيشها إلا في الأحوال المبينة في القانون. كذلك الدساتير كلها تصون حرمة البيوت. وقوانين العقوبات تعاقب كل من يدخل بيوت الناس بدون اذنهم انظر المادتان 557 و558 عقوبات سوري. وكل انسان في الأصل بريء إلى أن يدان بحكم قضائيز لذلك لا يحق للضابط العدلي.. ومن في حكمه أن يتخطى القواعد التي فرضها الدستور.. صيانة للحريات العامة وكرامة الانسان وحرمة مسكنه الذي هو مستودع سره. بل يجب أن يعاقب.. لأن قواعد الاجراءات ليست لغواً ولم يعضها المشرع إلا لحكمة.. ألا وهي ضمان راحة الناس وحمايتهم من نزوات المتسرعين المتهورين من الموظفين. وفي أقل الحالات يجب أن تعتبر الاجراءات المذكورة ما دامت مخالفة للقانون باطلة واعتبار الدليل المستمد منها باطلاً..
ويحق للضابط الذي يقوم بالتفتيش أن يصطحب قوة كافية من أفراد القوة العامة وعليه أن يقف بالباب ويعرف عن نفسه ومهمته ويستأذن بالدخول.. فإذا لم يؤذن له جاز له اقتحام البيت بالقوة.. بواسطة التسلق أو كسر الباب.
وبما أن التفتيش في البيوت اجراء خطير.. فإنه لا يحق للضابط العدلي أن يلجأ اليه إلا إذا كان على قناعة بوجود أشياء في البيت تنفع في كشف الحقيقة.. مثل وجود أدوات جرمية.. أو أسلحة. وحين العثور عليها يجب أن ينظم محضراً بحفظها وفقاً لأحكام الفقرة الأولى من المادة 35 .
وتتوقف أهمية المواد الجرمية في الأعم الأغلب.. على الزمان والمكان اللذين تكشف هذه المواد فيها. ولقد وضع قانون الأصول الجزائية عدداً من الضمانات التي تؤول إلى صيانة. بل وسلامة المواد الجرمية والأشياء الأخرى المضبوطة ومن هذه الضمانات أن المواد المضبوطة ينبغي عرضها على المشتبه به.. أو على من يمثله حين اكتشافها انظر المواد 28 – 41 وكما سلف وذكرنا حين غياب المدعى عليه.. أو غياب موكله.. وجب حضور شاهدين للوقوف على سلامة الاجراءات المتخذة وصحتها. ويوقع هذان الشاهدان على المحاضر والضبوط المحررة بهذا الصدد.. ويحرر بها قائمة وتوضع في حرز مختوم ولا يعود من الجائز فض الختم عنها إلا بحضور من صودرت لديه وحضور وكيله.. أو بعد تبليغها الدعوة للحضور قانونياً. ولا يجوز ايداع المواد المضبوطة إلى الخبراء بأختام جديدة إلا بعد التعرف اليها من أصحابها.
ويجب على الخبير أن ينوه في تقريره بوضع الحرز المختوم عندما استلمه والمرات التي فض بها. وإذا كانت المواد المضبوطة ما يتلف منها بمرور الزمن أو يستلزم نفقات تستغرق القيمة جاز لقاضي التحقيق بيعه بطريق المزاد العلني متى سمحت بذلك مقتضيات التحقيق المادة 100.
وأما البينة الخطية لا تلعب في التشريع الجزائي دوراً هاماً كالدور الذي تلعبه في القانون المدني أو التجاري مثلاً. ومع ذلك فقد يحدث أن يكون ثمة محررات.. أو وثائق مكتوبة تساعد على كشف جانب من جوانب الحقيقة. فإذا وجدت كان لابد من ضبطها ومصادرتها وضمها إلى ملف الدعوى في مرحلة التحقيق أو في مرحلة المحاكمة.
وقد تكون الوثيقة المكتوبة أو الدليل الخطي. أو المحرر هو ذاته المادة التي تجسدت فيها الجريمة ( ) كما هي الحال في جرائم التزوير والافتراء (البلاغ الكاذب) والذم والمدح والتهديد الخطي وجرائم المضبوعات والجرائم الماسة بأمن الدولة الخارجي كالتجسس مثلاً والمحرر قد يكون مخطوطاً باليد.. أو منسوخاً على الآلة الكاتبة أو مطبوعاً والأمر في ذلك سواء.
والواقع أن البحث عن الوقائع والمحررات يجب أن يتم في قدر معين منحذر والاحتياط والحرص على عدم المساس بمبدأ سرية المراسلات أو التعرض لخفايا الحياة الخاصة من جهة.. وعدم خرق المبدأ القاضي بالحفاظ على السر المسلكي من جهة أخرى. فإذا اقتصر البحث عنها التفتيش.. فليس لأحد أن يطلع على الأوراق والوثائق قبل ضبطها إلا السلطة صاحبة حق التفتيش.. ولا المدعى عليه ومن يمثله وعلى أن يجري كل ذلك في نطاق احترام حقوق الدفاع وصيانة السر المسلكي. وكل خرق لهذه المبادىء. أو افشاء يعاقب عليه. ولما كانت الأصول الجزائية تتيح للقاضي المحقق أن يضبط لدى مكاتب البريد والبرق جميع الخطابات والرسائل والجرائم والمطبوعات والطرود والبرقيات فإن ذلك يحتم أن ترسل أصول هذه الرسائل والبرقيات المضبوطة جميعها أو بعضها.. أو صور عنها إلى المدعى عليه أو إلى الشخص الموجهة اليه في أقرب مهلة مستطاعة إلا إذا كان أمر اتصالها بهما مضراً بمصلحة التحقيق انظر المادة 96.
ومن المسلم به أن الوثائق الخطية المضبوطة قد يشك في صحتها.. وقد ينكر المدعى عليه اسنادها اليه ولا مناص حين ذلك من اللجوء إلى الخبرة الفنية. انظر هامش صفحة 182 والقواعد المدرجة بذيل المواد 39 – 41 في هذا الكتاب.
ولا جدال في أن المحاضر والضبوط التي يضعها رجال الأمن لا يمكن اعتبارها في عداد الموواد الجرمية التي تصلح لتوليد القناعة الوجدانيةز إذ أن هذه المحاضر والضبوط تقتصر على تدوين الاستقراءات والتحريات التي أجراها بعض مساعدي القاضي وليس لها أي قوة ثبوتية.. إلا في بعض الحالات الاستثنائية النادرة التي يفصح عنها المشرع في نص قانوني خاص كنواطير القرى.. وخفراء الحراج والجمارك ومراقبي الشركات والصحة والتموين والخطوط الحديدية والمقاييس والموازين والضرائب المباشرة وغير المباشرة وسواها انظر مجموعة القوانين الجزائية الخاصة بجزئها لمعد هذا الكتاب.
– انظر الدكتور الفاضل صفحة 490 والدكتور حومد صفحة 116 والدكتور بسيسو صفحة 266 وعبيد صفحة 312 وما يليهما