الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 126 من قانون أصول المحاكمات الجزائية

الرأي الفقهي

لم يحدد القانون السوري مدة معينة لتوقيف المتهم بمذكرة التوقيف وإن هذا التوقيف يستمر مبدئياً حتى نهاية المحاكمة واكتساب الحكم الدرجة القطعية.
غير أن هذا الاجراء الذي يستوجب حجز حرية الانسان قبل ادانته يجب أن لا يطول أكثر مما توجبه ضرورات التحقيق.. ومقتضيات العدالة ويلزم أن يلغى مفعوله ويطلق صراح المتهم عند زوال موجباته.. وبمقتضياته. سواء باسترداد مذكرة التوقيف على النحو الذي أوضحناه بذيل المواد 102 – 116 أو بتخلية سبيل لامتهم بحق ويكون ذلك بقرار من المرجع المختص أو بطلب اخلاء السبيل بناء على طلب من الوقوف والافراج عنه مؤقتاً بكفالة أو بدونها وفقاً للشروط والقيود التي حددها القانون.
إذن لتخلية السبيل صورتان.. الأولى تخلية السبيل بحق والثانية تخلية السبيل بكفالة.. أو بدونها حسب رأي القاضي واختياره. وهذا ما نأتي على ايضاحه وفق ما يلي
أولاً – تخلية السبيل بحق وهي التي يتعين على القاضي أن يأمر بها بحكم القانون متى توافرت شروطها.. وليس له خيار في الامتناع عنها وابقاء المتهم موقوفاً. وهذه الشروط حكمتها المادة 117 وهي كما يلي
أ) – أن تكون الجريمة جنحية الوصف ولا تزيد عقوبتها القصوى عن الحبس سنة.
ب) – أن يكون للمدعى عليه موطن في سورية.
ج) – أن يكون قد انقضى على استجوابه من قاضي التحقيق خمسة أيام.
د) – أن لا يكون قد حكم عليه قبلاً بجناية.. أو بالحبس أكثر من ثلاثة أشهر بدون وقف التنفيذ. وهذا الشرط يستدعي بالضرورة عدم اخلاء السبيل قبل وصول السجل العدلي.. ولو تأخر وصوله إلى ما بعد الخمسة أيام.
وهكذا فإننا نرى بأنه حين يستجوب قاضي التحقيق المدعى عليه ويقرر اصدار مذكرة توقيف بحقه.. فإن اخلاء سبيله يكون واجباً بعد خمسة أيام إذا تحققت الشروط التي ذكرناها. ووفق ما نصت عليه المادة 117 أصول جزائية ونرى من ذلك.. أن الشارع نفسه قد قدر بأن استمرار التوقيف في مثل هذه الحالة لا موجب له.. ولا يلزم القاضي عندئذ استطلاع رأي النيابة.. لأن الافراج عن المتهم أمر أوجبه القانون ولا أهمية لموافقة النيابة أو معارضتها بشأنها انظر الدكتور بسيسو – صفحة 254 أصول جزائية. إلا أن رأي وزارة العدل أنه لابد من أخذ رأي النيابة العامة.. ثم مشاهدة قرار الاخلاء من قبلها عملاً بالمادة 122 أصول جزائية القاعدتان 302 و303 وهذا الاخلاء بحق لا يحتاج إلى طلب. إلا أنه على المدعى عليه الموقوف يجب أن يتعهد بحضور جميع المعاملات كلما طلب منه ذلك وبانفاذ الحكم عند صدوره.
ومن ناحية ثانية أنه يجب على قاضي التحقيق أن يأمر باطلاق سراح المتهم بحكم القانون في الحالات الأخرى التالية
1 – إذا قرر منع محاكمته 2 – إذا تبين له أن الفعل المسند إلى المدعى عليه مخالفة 3 – إذا تبين له أن الفعل جنحة لا تستلزم الحبس على أن يتخذ الظنين موطناً في مركز المحكمة إذا كان مقيماً خارجاً عنه.
وكذلك الحال إذا كان المدعى عليه قد أحيل إلى المحكمة وكان موقوفاً عند صدور الحكم عليه.. فإنه يجب الافراج عنه فوراً وبالرغم من استئناف هذا الحكم إذا قضى ببراءته.. أو بحبسه مع وقف التنفيذ.. أو بتغريمه انظر المادة 215 – كذلك رأي الأستاذ نصرت منلا حيدر في بحث النفاذ المعجل بهامش الملادة الملع اليها والقاعدة 301.
ثانياً – تخلية السبيل بناء على طلب الموقوف بكفالة أو بدونها
وحكم هذه التخلية هو أنه إذا لم يقم قاضي التحقيق باسترداد مذكرة التوقيف.. أو لم يخلى سبيل المتهم بحق انظر رأي الدكتور حومد بتعديل هذا النص هامش 10 صفحة 736 أصول جزائية فإن لقاضي التحقيق في كل وقت يطلب فيه المتهم تخلية سبيله أن يقرر بعد سماع أقوال النيابة العامة الافراج عن المتهم واطلاق سراحه بكفالة أو بدونها ثم يبت فيه في غرفة المذاكرة. وقاضي التحقيق غير مرتبط بهذا الرأي.. فله أن يوافق عليه أو يقرر خلافه انظر المادة 122 ولوكيل النيابة حق استئنافه إذا شاء. وهذا الطلب المقدم من المدعى عليه الموقوف معفى من رسم الطابع انظر القاعدة 311.
والمدعى عليه الموقوف في حال تقديمه طلب اخلاء السبيل بكفالة أو بدونها يجب أن يتعهد بحضور جميع المعاملات التحقيقية كلما طلب منه ذلك. كما يتعهد بانفاذ الحكم فيما إذا حكم عليه من قبل محاكم الموضوع.
وأن يختار موطناً له يبلغ فيه القرارات الصادرة عن المحقق (انظر المادة 124 والقاعدة 315).
وأوضح الدكتور حومد هذا الشرط بقوله إنه يشترط في اخلاء السبيل بحق فمن باب أولى أن يشترط في اخلاء السبيل بناء على طلب. والحكمة في اشتراطه في الحالين تسهيل الأعمال التحقيقية.
وأما إذا كان الشخص أجنبياً لا موطن له.. فالقانون سكت عن هذه الحال. والأفضل أن يحدد له قاضي التحقيق مكاناً لا يبارحه إلا بإذنه لكي يبلغه أوراق التحقيق فيه.
وعلى ما نصت عليه المادة 118 يجوز اطلاق سراح المدعى عليه بكفالة أو بدونها فالقاضي حر إذن في طلب الكفالة.. وحر في مقدارها. وحر في صرف النظر عن طلبها. لذلك لا يجوز استئناف القرار الذي يحدد مقدار الكفالة.. أو الطعن فيه.
وقد جاء في قرار محكمة النقض جنحة رقم 1403 تاريخ 31 / 12 / 1950 ما يلي العبرة في قابلية الحكم للاستئناف أو التمييز في أحكام بدلات الكفالة هي لنوع الجريمة المسندة إلى المكفول إذا كان من النوع المقابل للاستئناف. فالحكم بالبدل الذي هو فرع الدعوى يجب أن يكون تابعاً للطريق المذكور الخاص بالأصل. (انظر هامش 12 صفحة 738 للدكتور حومد) انتهى.
وقد حددت المادة سالفة الذكر طبيعة هذه الكفالة إلى قسمين
الأول – حضور المدعى عليه معاملات التحقيق والمحاكمة الخ.. كما سبق وأسلفنا.
الثاني – تأدية المبالغ التي نصت عليها الفقرة (ب) من ذات المادة وهي كما يلي
1 – الرسوم والنفقات التي عجلها المدعي الشخصي.
2 – الرسوم والنفقات المترتبة للدولة.
3 – الغرامات ويكون لأرباب الاستحقاق الأولوية بالمبالغ المبينة آنفاً.
ويعين في القرار القاضي بتخلية السبيل مقدار الكفالة والمبلغ المخصص منه لكل من قسميها القاعدة 307.
والكفالة.. إما أن تكون عينية.. أي أن المبالغ تدفع من طالب اخلاء السبيل شخصياً أو من شخص يدفعها عنه فتكون عملة سورية. أو اسناداً على الدولة أو اسناداً مضمونة وإما تكون كفالة شخصية فيتقدم شخص مليء بكفالته.
وتقبل الكفالة إذا كانت مصرفية أو عقارية أو تجارية انظر المادة 123 والقاعدتين 312 و314.
ويجب على الكفيل جلب المكفول إذا طلبت اليه المحكمة ذلك فإذا لم يقع الطلب فلا يجوز تضمين الكفيل كما يجب تبليغ الكفيل جلب مكفوله المتغيب إلى المحكمة في موعد تحدده.. قبل تغريمه بدل الكفالة القاعدة 321 و324.
وقد حدد مصير الكفالة إلى قسمين – القسم الأول إذا تخلف المدعى عليه عن حضور احدى معاملات التحقيق أو جلسات المحاكمة أو لم يمتثل لانفاذ الحكم الصادر عليه أصبح المقدم الأول ملكاً للخزينة. ولكن القانون اشترط أن يكون التخلف بسبب عذر غير مشروع. انظر القاعدة 323 ولنفترض أنه تقرر منع محاكمته على الرغم من تخلفه أو ثبت ان الدعوى قد سقطت بالتقادم.. وكذلك إذا أحيل إلى محاكم الحكم.. وتقرر عدم مسؤوليته أو براءته أو سقوط الدعوى بالتقادم ففي هذه الأحوال يحق للقاضي الذي أصدر القرار أن يقرر اعادة هذا القسم الأول الذي أصبح في الأصل ملكاً للخزينة. إلا أنه غير مجبر على ذلك.. والأمر متروك لحكمته انظر القاعدتان 323 و325.
أما القسم الثاني من الكفالة فيقرر مصيره على الشكل التالي إذا منعت محاكمة المدعى عليه.. أو سقطت الدعوى العامة أو تقرر عدم مسؤوليته أو براءته فإن هذا القسم يعاد اليه أو إلى الذي كفله. وهذا بدهي.. لأن هذا القسم قد ضمن أشياء لم تقع على عاتق المدعى عليه القواعد الثابتة.
أما إذا حكم عليه فيقطع من القسم الثاني ما يكفي لتأدية الرسوم والنفقات والغرامات وفق ترتيب الماد 118 وإذا بقي شيء منه رد إلى صاحبه القواعد السابقة.
وقد عينت المادة 127 كيفية مصادرة القسم الأول وتحصيل القسم الثاني وكل خلاف ينشأ حول تطبيق أحكام المادتين 126 و127 بيت فيه المرجع الذي ينظر في القضية أو الذي حكم فيها بناء على استدعاء من صاحب العلاقة ويصدر القرار في غرفة المذاكرة. القاعدة 322 ومهما يكن من شيء فإن مصادرة الكفالة لا تعفي المدعى عليه من المثول أمام قاضي التحقيق أو المحكمة لأن القضاء الجزائي لا يبحث عن الأرباح المادية من وراء الغرامات ومصادرة الكفالات.
لذلك يحق لهما إصدار مذكرة إحضار توقيف بحقه تنفذ كباقي المذكرات. ولا بد هنا أن نبدي ملاحظتين أساسيتين
الأولى أن قانوننا لم يحدد مهلة قصيرة يترتب على قاضي التحقيق أن يبت خلالها بطلب الاخلاء المقدم من الموقوف احتياطياً. وهذا نقص يجب تلافيه خشية ان يهمل المحقق النظر في الطلب من وقت ناسب وتطول إقامة الشخص الموقوف في مكان التوقيف.
الثانية إن القانون لم يذكر صراحة أو ضمناً وجوب تبليغ المدعي الشخصي طلب اخلاء السبيل المقدم من المدعى عليه لبيان وجهة نظره. وهذا التبليغ بالقطع من شأنه أن يفيد المحقق لأنه قد يجد في رد المتضرر على طلب الاخلاء ما قد يساعده على اتخاذ قراره بعد أن يكون أحاط بوجهات نظر الخصوم المختلفة خاصة وأن القانون أعطى لهذا المتضرر حقاً باستئناف القرار الصادر باخلاء السبيل (المادة 122).
ومن باب احقاق الحق.. يجب على قاضي التحقيق أن يقوم بتبليغ المدعي الشخصي طلب الاخلاء المقدم من الموقوف.. في نفس الوقت الذي يبلغه إلى وكيل النيابة ثم يمعن النظر في الأجوبة ويتخذ قراره بكل تجرد.
ولا يوجد ما يمنع ذلك.. ما دام القانون اعترف للمدعي الشخصي بدور بارز أثناء التحقيق. فهو صاحب حق من جهة.. وعون للعدالة من جهة ثانية. ويقتضي العدل أن تتكافأ حقوق الخصوم. ولكنه غير مضطر إلى الاصرار بالموقف إذا كان المدعي الشخصي سيء النية.
ومن الضروري أن نشير إلى أن بعض القوانين عندنا تمنع اخلاء سبيل المتهم الموقوف اثناء نظر قضيته أمام قاضي التحقيق أو أمام محكمة الموضوع. والمثل على ذلك المادة 9 من المرسوم التشريعي 13 لعام 1974 الخاص بمكافحة التهريب وكذلك المادة 7 من المرسوم التشريعي رقم 24 لعام 1986 المعدلة بشأن تهريب العملة انظر حومد صفحة 741.
والمرحلة الثانية من اخلاء السبيل تأتي بعد ختام التحقيق وذلك بعد أن يقرر قاضي التحقيق لزوم محاكمة الفاعل.
ففي هذه الحال لا يعود من حقه أن ينظر في طلب اخلاء السبيل لأن يده تكون قد رفعت عن الدعوى بعد أن أصدر قراره فيها وهذا مبدأ عام نصت عليه الفقرة الثالثة من المادة 120 . فكل قاضي للتحقيق أو الاحالة أو أي محكمة موضوع فصلت في القضية لا يعود من حقها أن تنظر في اخلاء السبيل. لأن ولايتها على الدعوى تكون قد انتهت. وفي هذا الحال يعود هذا الحق إلى المرجع الذي يضع يده على الدعوى القاعدة 318 فإن كان الفعل جنحة وأحيل الفاعل إلى المحكمة الابتدائية.. فإن أمر النظر في اخلاء السبيل يعود إلى هذه المحكمة وإن كان الفعل جناية وقرر قاضي التحقيق رفع الاضبارة إلى قاضي الاحالة.. أصبح البت ي طلب اخلال السبيل من حق قاضي الاحالة وإذا وصلت القضية إلى محكمة النقض فإنها تبت في أمر الاخراج المؤقت لأن محكمة النقض حسب التشريع الأخير قد أصبحت في جملة محاكم الأساس حينما تفصل في الدعوى للمرة الثانية وصار لديها غرفة مذاكرة وغرفة محاكمة ولا مانع في القانون أو الأصول ما يحول بينها وبين ممارسة هذا الحق واتخاذ قرار في طلب اخلاء السبيل القاعدة 318 و319 – كذلك انظر المادة 130 و358.
والقاعدة العامة أن طلب اخلاء السبيل يعود بعد ختام التحقيق إلى المرجع الذي وضع يده على الدعوى. وهنا لابد من الاشارة إلى بعض الصعوبات التي أشار اليها القانون. وهذا ما سنأتي على ذكره بذيل المادة 130 – انظر حومد صفحة 738 وما يليها وبسيسو صفحة 253 والأستاذ دركزلي صفحة 280 وما يليها.