Call us now:
الرأي الفقهي
صانت الشريعة الإسلامية الأنساب من الضياع والكذب والتزييف وجعلت ثبوت النسب حقاً للولد ويدفع به عن نفسه المعرة والضياع وحقاً لأمه تدرأ به الفضيحة والاتهام بالفحشاء وحقاً لأبيه يحفظ به نسبه وولده أن يضيع أن ينسب لغيره. وجعلت أحكامه من النظام العام المعبر عنه بحق الله صيانة له عن كل دنس وريبة وحتى تنبني الأسرة وتوجد القرابات على أساس متين مكين يربط أفرادها برباط قوي محكم فيه قوة الحق وتجاذب ذوي الدم الواحد والأصل المشترك.
وجعلت النسب يثبت بأحد أسباب ثلاثة الأول الفراش. الثاني الإقرار. الثالث البينة.
ويتحقق الفراش الذي يتحقق به النسب بدون حاجة إلى شيء آخر في الزواج الصحيح بنفس العقد. ولهذا تحسب مدة الحمل في الزواج الصحيح من وقت العقد لا من وقت الدخول الحقيقي بالزوجة.
ويتحقق الزواج الفاسد بالدخول الحقيقي لا بنفس العقد الفاسد. ولهذا تحتسب مدة الحمل في الزواج الفاسد من وقت الدخول الحقيقي لا من وقت العقد.
والفراش في الزواج الصحيح عبارة عن الزوجية القائمة بين الرجل والمرأة وقت ابتداء الحمل. ويشترط حتى يكون صحيحاً لنسب صحيح شروط أربعة
أولاً أن يكون حمل الزوجة من زوجها ممكناً بأن يكون الزوج بالغاً أو مراهقاً قارب البلوغ فإذا كان الزوج صغيراً لا يتصور الحمل منه لم يكن الولد ثابت النسب منه.
وإن كان الزوج بالغاً ولكنه لم يلتق بزوجته أصلاً حيث تزوجها بالمراسلة وبين مكان إقامتها ومكان إقامته مسافة بعيدة ثبت ولدها منه في المذهب الحنفي ذهاباً إلى أمور غير عادية تدخل في باب الولاية والكرامة ونحوها. وقد خالفهم في ذلك المالكية والشافعية وأحمد بن حنبل في قوله وقرروا أن الفراش الثابت بالعقد الصحيح يكون سبباً لثبوت النسب إذا كان الاتصال بين الزوجين ممكناً وإذا كانا بعيدين بحيث لا يمكن تلاقيهما لم يثبت نسب ولدها منه.
ثانياً أن تأتي الزوجة بالولد لستة أشهر على الأقل من تاريخ العقد عليها وذلك أن أقل مدة للحمل شرعاً هي ستة أشهر باتفاق الفقهاء استنباطاً من قوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً وحمله وفصاله ثلاثون شهراً – الأحقاف 15. وقوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين لقمان 14. فقد قررت الآية الأولى أن الحمل والفصال وهو الفطام يتمان معاً في ثلاثين شهراً وقررت الآية الثانية أن الفطام وحده يكون في عامين فيبقى للحمل وحده أخذاً من مجموع الآيتين ستة أشهر.
ثالثاً أن تأتي بالولد في مدة أقل من سنتين من تاريخ الفرقة بينهما وذلك أن أقصى مدة للحمل في المذهب الحنفي سنتان استدلالاً بما روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها من قولها ما تزيد المرأة في الحمل على سنتين قدر ما يتحول ظل عمود المغزل.
فإذا جاءت بولد لسنتين فأكثر من تاريخ الفرقة بالطلاق البائن أو الوفاة لم يكن هذا الولد ثابت النسب بالفراش السابق لأنه قد نشأ بعد انتهائه يقيناً حيث ولد لسنتين فأكثر بعد انتهاء ذلك الفراش.
وإذا جاءت بولد بعد أن طلقها زوجها طلاقاً رجعياً ثبت نسبه منه في أي وقت تجيء به ولو مضى على طلاقها سنتان فأكثر ما لم تقر بانقضاء عدتها بعد طلاقها منه فجاءت بهذا الولد من الفراش التي استدامته الرجعة.
رابعاً ألا ينفي الزوج هذا السبب. فإذا نفاه انتفى نسبه منه بعد أن يلاعن زوجته اللعان الشرعي الذي قررته الآية القرآنية والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين – النور الآيات 1 – 9. والأمر واضح في هذا الشرط الأخير إذ أنه ما دام النسب يثبت بالفراش دون توقف على إقرار الزوج تقديراً للاعتبارات التي أسلفناها. وقد اتفق الفقهاء على أن اللعان لا يكون إلا بين الزوجين في زواج صحيح شرعاً مع قيام الزوجية بينهما حقيقة أو حكماً كما في عدة الطلاق الرجعي.
ونرى مما سلف في نسب الفراش الصحيح أن للمذاهب الإسلامية اختلافاً واسع المدى في تقدير أقصر مدة الحمل لعدم وجود نص لا من الكتاب ولا من السنة يدل على أقصى مدة الحمل.
ولما كان رأي الفقهاء في ثبوت النسب مبنياً على رأيهم في أقصر مدة الحمل ولم يبني أغلبهم رأيه في ذلك إلا على أخبار بعض النساء.
فإذاً لا مانع من أخذ رأي الأطباء في المدة التي يمكنها الحمل.
وقد جاء في المذكرة الإيضاحية لمشروع قانون الأحوال الشخصية السوري ما يلي
ج – في النسب أما النسب فكان في رأي معظم الفقهاء في ثبوته… وإنما هي مسألة اجتهادية استقرائية. فأخذ المشروع بقانون مصر الذي بني على استقراء بعض الأطباء الشرعيين وجعلت المدة فيه سنة شمسية احتياطاً وشمولاً للأحوال النادرة.. الخ.
ومما تجدر الإشارة إليه حكم التلقيح الاصطناعي الذي ظهر أمره في بعض البلاد العربية هل هو جائز شرعاً ويترتب عليه ثبوت النسب من الزواج أم لا
والتلقيح الاصطناعي جائز شرعاً إن كان بماء الزوج ودعت إليه داعية كأن يكون بأحد الزوجين الراغبين في إنجاب الأولاد مانع يمنع الحمل من طريق الاتصال العادي ومحرم شرعاً إذا كان بماء غير الزوج لما فيه من معنى الزنا والاختلاف في الأنساب والنسب في الحالة الأولى يكون ثابتاً من الزوج فإن ولده قد خلق من مائه ولهذا الولد كل حقوق الأولاد.
أما النسب في الحالة الثانية المحرمة فإنه يأخذ حكم الولد الذي ينشأ من زنا الزوجة فينفيه الزوج فينتفي نسبه على الوجه الذي سبق ذكره.
وأما الإقرار بالنسب نوعان
النوع الأول إقرار بنسب على المقر وهو الإقرار بأصل النسب وبالبنوة المباشرة يعني الإقرار بالأبوة والأمومة وينحصر هذا الإقرار بالابن والبنت والأب والأم.
ويثبت بهذا النوع من الإقرار نسب المقر له من المقر أولاً ويستتبع ذلك ثبوت نسب المقر له من غير المقر ممن لهم صلات نسبية بالمقر متى توافرت في هذا الإقرار الشروط لصحته.
ويشترط لصحة الإقرار بالنسبة حتى يثبت النسب بهذا النوع من الإقرار أربعة شروط
1 – أن يكون المقر له بالبنوة مجهول النسب. فلو كان معروف النسب لغير المقر لا يصح الإقرار بغير هذا النسب المعروف لأن نسب المقر له ثابت والنسب متى ثبت لا يقبل التحويل والإبطال وصحة الإقرار تقتضي إبطال نسبه المعروف إذ لا يمكن ثبوت بنوة شخص من رجلين.
ب – ان يكون المقر له بالبنوة ممن يولد مثله لمثل المقر. فإن لم يكن كذلك كما إذا كانا متساويين أو متقاربين في السن لا يصح الإقرار لأن المقر كاذب في إقراره بحسب الواقع وشهادة العقل.
ج – أن لا يصرح المقر بأن هذه البنوة نشأت من الزنا. فإن صرح بذلك لم يثبت نسبه ورد عليه قصده وأهدر ماؤه الحرام فإن النسبة نعمة امتن الله بها على عباده في قوله تعالى والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة – النحل 73. والنعم لا تترتب على الجرائم إذ لا يثبت النسب بجريمة الزنا. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول للعاهر الحجر فلا نسب له بل له الخيبة والعقوبة ولا يسأل المقر عما وراء إقراره من سبب لثبوت البنوة إذا لم يصرح بسببها.
ه- – أن يصادق المقر له بالبنوة على إقراره بالنسب إذا كان أهلاً للمصادقة بأن يكون مميزاً لأن الإقرار بالبنوة مثلاً يتضمن أن المقر يدعي على المقر له أنه ابنه ودعوى الإنسان على الغير لا تثبت إلا بالبينة أو المصادقة. فإذا لم يصادقه لم يصح الإقرار فلا يستتبع أثره وإن كان المقر له غير مميز اعتبر مصادقاً.
فإذا تحققت هذه الشروط في الإقرار بالنسب على نفس المقر ثبت بهذا الإقرار النسب معاملة للمقر بإقراره وللمصادق بمصادقته. ولا يجوز الرجوع بهذا الإقرار بعد صحته. ويترتب عليه جميع الحقوق والأحكام الثابتة بين الأبناء والآباء وبين الأبناء والأمهات ولا يترتب زوجية المقر بأم المقر له لاحتمال أن يكون الولد من دخول بشبهة أو من دخول بها في عقد زواج فاسد.
(من كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس زكريا أحمد البري ص1 وعمر عبد الله ص457 وعلي حسب الله ص257 والابياني ص1 ج2).