الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 130 من قانون أصول المحاكمات الجزائية

الرأي الفقهي

إن القاعدة العامة في طلب اخلاء السبيل بعد التحقيق يعود إلى المرجع الذي وضع يده على الدعوى وأنه لابد من الاشارة إلى بعض الصعوبات التي أشار اليها القانون نلخصها بما يلي
1 – في كل أدوار التحقيق والمحاكمة.. أي أمام قاضي التحقيق وقاضي الاحالة وأمام جميع المحاكم صلحاً وبداية واستئنافاً يحق للموقوف أن يطلب إلى المرجع الذي يضع يده على قضيته اخلاء السبيل وتناولنا موضوع الاخلاء بحق أو بكفالة.. إلا أن للجنايات وضعاً خاصاً نصت عليه المادة 130 أصول جزائية المعدلة فالمتهم .. أي الذي قرر قاضي الاحالة اتهامه بالجناية واحالته إلى محكمة الجنايات يحال موقوفاً بموجب مذكرة قبض. ولكن المتهم الذي لم يكن قد تقرر توقيفه أثناء التحقيق.. يبقى طليقاً ولا تنفذ مذكرة القبض بحقه.. وإنما يجب عليه أن يسلم نفسه قبل موعد الجلسة بيوم واحد على الأقل ويبقى موقوفاً حتى صدور الحكم.
ويفقد منحه.. عدم القبض عليه هذه إذا طلب إلى قلم المحكمة بالطرق الادارية وتخلف بدون عذر مشروع عن الحضور في اليوم المعين لاتمام المعاملات المنصوص عليها في المادة 273 وما يليها.
وقبل تعديل المادة 130 بالمرسوم التشريعي 68 لعام 1966 كان الوضع ثقيلاً على المتهمين بالجناية.. لأن المادة الملمع اليها كانت قاطعة بأن المتهم يجب أن يبقى موقوفاً حتى صدور الحكم في موضوع الدعوى.
غير أن المرسوم التشريعي 68 لعام 1966 أضاف للمادة 130 الفقرة الرابعة وكان هذا الادخال فيه كثيراً من الانسانية والمرونة إلى صراحة المادة المذكورة ذهاباً من الشارع إلى أن أموراً جديدة قد تجد أثناء رؤية القضية أمام محكمة الجنايات.. وخلال وجودها أمام محكمة النقض تستدعي الافراج عن المتهم.. وكان هذا التعديل موفقاً جداً ومنسجماً مع أهداف القانون بعدم التوقيف إلى حين الضرورة التامة.
ويشترط لهذا الافراج ما يلي
أ – أن يطلب المتهم هذا الافراج باستدعاء يقدمه إلى المحكمة التي ترى قضيته وللمحكمة أن ترى رأيها فيه سلباً أو ايجاباً.
ب – تطبق على هذا الطلب القواعد التي تطبق على قاضي التحقيق وقاضي الاحالة.
ج- – يشترط حتماً أن يقدم المتهم كفالة نقدية أو مصرفية. وتقدر المحكمة مقدارها.
د – لا يجوز الافراج عن المتهم الفار الذي قبض عليه.. والذي سلم نفسه بعد صدور حكم غيابي بحقه.
ه- – لا يجوز منح هذا الافراج لمن أحيل إلى القضاء بارتكابه جناية من جنايات قانون العقوبات الاقتصادية الصادر بالمرسوم التشريعي 27 لعام 1966 المعدل وبالتخصيص الجرائم التي ينص عليها القانون صراحة كجرائم التهريب والتعامل بالعملة بدون وجه مشروع والمرسوم التشريعي رقم 24 لعام 1986 (تهريب العملة).
2 – لا بد من الرجوع إلى المادة 120 وما نصت عليه الفقرة الرابعة منها وفيها يقرر المرجع قاضي التحقيق أو الاحالة أو عن أي محكمة أساس أنه غير مختص للنظر في الجرم.. فإن الشارع رأى أن يرفق بالمدعى عليه.. خشية أن يطول أمر البت في الاختصاص.. فقرر أن يترك للمرجع الذي أصدر القرار حق البت في أمر اخلاء السبيل حتى يفصل في قضية الاختصاص القاعدة 318.
وقرار القاضي بشأن طلب تخلية السبيل سلباً.. أو ايجاباً تابع للاستئناف إلى قاضي الاحالة من قبل الذي يدعي الضرر منه القاعدة 62 و316 – انظر هامش المادة 139 .
فللنائب العام أن يستأنف خلال 24 ساعة تبدأ من وصول القرار إلى قلمه للمشاهدة وللمدعي الشخصي إذا تقرر اخلاء السبيل وللمدعى عليه إذا رد القاضي طلبه.. خلال 24 ساعة منذ وقوع التبليغ انظر القاعدة 301 و306 و308 .
فإذا كان القرار صادراً عن قاضي التحقيق.. فإن الاستئناف يقدم بواسطته إلى قاضي الاحالة. وإذا كان صادراً عن قاضي الاحالة فإنه لا يجوز لأحد أن يطعن فيه. انظر المادة 341 والقاعدة 309 و335.
وإذا كان القرار صادراً عن محكمة صلحية في مادة جنحية أو محكمة بدائية فإن الاستئناف يقدم بواسطتهما إلى محكمة الاستئناف وهذا ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 122 انظر القاعدة 306.
ويعتبر قرار رد اخلاء السبيل.. وكذلك قرار اخلاء السبيل من القرارات الموضوعية التي يعود تقديرها إلى قاضي التحقيق وقاضي الاحالة ومحاكم الموضوع القاعدة 299. وبالتالي إن استئنافها جائز. غير أن الطعن فيها أمام النقض لا يجوز.. لأنها محكمة قانون انظر القاعدة 318 و319 و335 و347.
وإذا رد القاضي طلب الموقوف باخلاء سبيلهن فإن عليه أن يعلل سبب الرد حتى يقنع المرجع الأعلى بسلامة الرفض وأنه مبني على سبب معقول القاعدة 346. وإذا قرر الموافقة على اخلاء السبيل فيجب أيضاً أن يكون التعليل مقبولاً. فلو قال في تسبيب قراره أنه وافق على الافراج عن الموقوف خشية أن تطول الاجراءات فإن محكمة النقض لا ترى هذا التعليل قانونياً القادة 346.
ويتضمن مذكرة اخلاء السبيل انهاء مذكرة التوقيف حكماً وهذا رأي محكمة النقض بالكثير من قراراتها قاعدة 300 و301 و317 وغيرها.
وأما ما نصت عليه الفقرة الأخيرة من المادة 130 ووضع المتهم الفار تساءل السيد المستشار سعدي أبو جيب بمقال له نشر في مجلة المحامون صفحة 36 لعام 1973 ما يلي
والسؤال الآن كيف السبيل إلى انصاف هذا المتهم
المادة 130 من الأصول تحريم اخلاء سبيله والمنطق والعدالة والانصاف على خلال ذلك.
والاجتهاد القضائي يقول بأنه لا يجوز للمحكمة أن تزيد العقوبة فوق سنة.. لأن ذلك حق مكتسب للمتهم القاعدة 348. وقد جعل المشرع اعادة محاكمة المتهم الفار مجدداً طريقة منها لحق المحكوم عليه ومبالغة في الدفاع عن الحرية وافساح المجال أمامه واسعاً لبيان ما لديه من أدلة وأقوال وإظهار براءته وما يحيط بالجريمة من معاذير وأسباب مخففة وكل ذلك في مصلحته ولا يجوز أن يضار به قاعدة 340 و341.
هنا يبدو لنا ظلم النص وحيفه. ومهما قلنا في تبريره فليس بشيئاً لأن الحرية من أقدس ما يعتز به الانسان وتسهر على رعايتها القوانين ولولاها لما كان لوجود الدولة معنى. وقد يقول قائل إن على محكمة الجنايات أن تسرع في فصل هذه الدعوى وأمثالها.
ونحن نقول بأن من عاش الواقع أدرك الأسباب الكثيرة المتشابكة التي تطيل أمد التقاضي في وطننا الحبيب وإلى أن نصل إلى المرحلة التي يريدها القائل ماذا نفعل بهؤلاء الذين سيحويهم السجن بين جدرانه. الأشهر ذوات العدد دون سبب
ولئن قال بعض الفقهاء بأن قانون العقوبات هو قانون المجرمين وإن قانون الأصول هو قانون الشرفاء وأما أنا فأقول بأنه قانون العدالة أيضاً. وما دام كذلك فإنه لا مجال للابقاء على نص في ثناياه يفضي إلى حجز الحرية بدون وجه مشروع انتهى.
ونرى أيضاً من الرجوع إلى نص المواد 1 و2 و119 و122 و139 و140 أن استرداد مذكرة التوقيف من قبل قاضي التحقيق لا يعتبر حقاً مكتسباً للمدعى عليه بعد اطلاق سراحه وكذلك هو الحال فيما إذا تقرر اخلاء سبيله بكفالة أو بدونها وفي كلتا الحالتين يجوز لقاضي التحقيق.. أو للمحكمة الرجوع عنه كلما رأوا ذلك ضرورياً. ذلك لأنه ليس بحق مكتسب للمدعى عليه كما سبق وذكر.. بل هو منحة من القاضي له أن يرجع عنها متى شاء ومتى وجد أدلة جديدة تستلزم ذلك.
ونرى بأن هناك وضعاً خاصاً أشارت اليه المادة 119 بأنه قرر قاضي التحقيق رفض طلب اخلاء السبيل بناء على طلب الموقوف ويستأنف هذا الموقوف إلى قاضي الاحالة في مدة 24 ساعة منذ تبليغه قرار الرفض. فيرى قاضي الاحالة أن قرار الرفض لا يستند إلى أسباب وجيهة فيفسخه.. ويقرر اخلاء سبيل الموقوف ويعيد الأوراق إلى قاضي التحقيق لاستكمال التحقيق وفي هذه الحال أيضاً لقاضي التحقيق أن يقرر توقيفه مجدداً وينقذ المذكرة بواسطة النائب العام.
إلا أن القانون أوجب على قاضي التحقيق والحال هذه حرمة لقاضي الدرجة الثانية قاضي الاحالة أن يرفع الأوراق بلا ابطاء اليه. فعندها يدرس قاضي الاحالة الأسباب الطارئة الهامة فيثبت التوقيف.. أو يلغيه. ولكن التوقيف ينفذ إلى أن يقول قاضي الاحالة كلمته ولا يمنع التوقيف المحدد الافراج عن الموقوف بناء على طلبه.. أو بموجب استرداد مذكرة التوقيف. انظر حومد 746 ودركزلي 280 وبسيسو 253 والفاضل 468 وما يليهما.