الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 137 من قانون أصول المحاكمات السوري

الرأي الفقهي
1 – أجاز القانون للخصوم أن يطلبوا إلى المحكمة في أية حالة تكون عليها الدعوى تدوين ما اتفقوا عليه في حضر المحاكمة. فلو رفعت القضية للتدقيق وقفل باب المرافعة ثم اتفق الخصوم على إجراء تحكيم في الدعوى يحق لهم طلب تسجيل الصلح في محضر الجلسة ولو كانت الدعوى مؤجلة للحكم. وباعتبار أنه أكثر مما يصدف من تدوينات تتم بين الخصوم في هذه الأحوال هي حالة المصالحة التي تتم بين الأطراف ولذلك سوف نبحث في الصلح القضائي وآثاره القانونية وأصول الطعن فيه.
فالصلح القضائي هو عقد يتفق عليه الخصوم بأنفسهم ويطرحونه على المحكمة لتثبيته كما هو.
فإذا أثبتت المحكمة الصلح بالمصادقة عليه أو اعتماده أو جعله في قوة سند واجب التنفيذ لا يكون عملها حكماً بالمعنى القانوني العام ولذا لا يكون قابلاً للطعن بالطرق المعروفة كالمعارضة أو الاستئناف بل بطريقة رفع دعوى أصلية أمام المحكمة التي صدقت عليه. وعلى المحكمة أن تعتمد الصلح المتفق عليه بين الخصوم في أثناء الدعوى ما دام هذا الصلح ممكن التنفيذ… والمحكمة في ذلك إنما تقوم بوظيفة الموثق الذي يثبت هذا الصلح أمامه بصفة رسمية. ولا يجوز بحال من الأحوال أن يصدق على صلح لم يحصل أمامها بحجة أنه موقع من الطرفين من قبل لأن هذا الصلح عرفي ولا يكون رسمياً إلا بالاقرار عليه من الطرفين بايجاب وقبول جديدين أمام المحكمة. وليس للمحكمة أن تثبت صلحاً رسمياً بين شخصين غير حاضرين أمامها أو حضر أحدهما فقط وغاب الآخر أو حضر الاثنان ولكنهما رفضا أو رفض أحدهما الصلح أمامها لأن التصديق على الصلح معناه أن المحكمة تشهد بأن الخصمين اتفقا أمامها على الصلح وهذا التصديق لا يخرج عن كونه عقداً ولا يحوله إلى حكم وإنما يعطيه الصفة الرسمية فيصير رسمياً بعد أن كان عرفياً وتكون له قوة العقود الرسمية. ولا يزيل تصديق المحكمة على الصلح ما يشوبه من نقض أو بطلان فإنه كسائر العقود خاضع لجميع أوجه البطلان القانونية وما التصديق عليه إلا لجعله نافذاً.
وإذا فالقاضي وهو يصدق على الصلح لا يقوم بوظيفة الفصل في خصومه وإنما يثبت ما حصل الاتفاق عليه أمامه وهذا الاتفاق وإن كان بعد اثباته يعطى شكل الأحكام إلا أن ذلك لا ينفي كونه عقداً ليست له حجية الشيء المقضي به.
ومن ثم هناك من يقول إذا تغيب أحد الخصوم استحال التصديق على الصلح المحرر بينهما قبل الجلسة حتى ولو كان قد نص فيه على أن غياب أحد الطرفين لا يمنع من التصديق عليه وحتى لو كان الطرف الآخر قد أعلن بالحضور للتصديق على الصلح ونبه عليه بأنه في حالة عدم حضوره يصدق عليه في غيبته طبقاً لنص العقد. ولا يكون للطرف الآخر في هذه الحالة إلا طلب الحكم بما يتضمنه العقد العرفي الذي بين يديه حتى يستطيع تنفيذ ما جاء به ولا يعتبر الحكم الصادر إجابة لطلبه تصديقاً على صلح بل حكماً غيابياً صادراً في دعوى لم يحضر فيها أحد خصومها.
2 – وقد أورد أبو الوفا في نظرية الأحكام وما بعدها ما ننقله فيما يلي لأهميته
تنص المادة 124 مرافعات مصري على أنه للخصوم أن يطلوا الى المحكمة في أية حال تكون عليها الدعوى اثبات ما اتفقوا عليه في محضر الجلسة ويوقع عليه منهم أو من وكلائهم. فإذا كانوا قد كتبروا ما اتفقوا عليه ألحق المكتوب بمحضر الجلسة وأثبت محتواه فيه ويكون لمحضر الجلسة في الحالتين قوة السند التنفيذي واعتباره وتعطى صورته وفقاً للقواعد المقررة لاعطاء صور الأحكام.
وقصد بالنص المتقدم تبسيط الاجراءات فتنتهي الخصومة بصلح بغير حاجة الى اصدار حكم بالتصديق عليه ويعمل به في أية حالة تكون عليها الدعوى وسواء أكانت في المعارضة أمالاستئناف بل ولو بعد قفل باب المرافعة. وليس هنا ما يمنع من إثبات صلح جزئي عملاً بالمادة المتقدمة سواءتعلق ببعض الخصوم دون البعض الآخر وأنهى النزاع بينهم أم تعلق بشق من طلبات الخصوم دون الشق الآخر وهذا الصلح الجزئي يخفف العبء على المحكمة وإن كان لا ينهى الخصومة برمتها.
ومن الجائز أن يدرج في محضر الصلح كل منازعات الخصوم ولو كانت خارجة عن نطاق الخصومة القائمة أمام المحكمة ولم تتضمنها بشرط ألا تخالف النظام العام وحسن الآداب.
ولا يجوز للمحكمة أن تصدق إلا على الصلح الحاصل أمامها باقرار الطرفين وهي في هذا إنما تقوم بوظيفة الموثق الذي يثبت هذا الصلح بصيغة رسمية ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تصدق على صلح لم يحصل أمامها بحجة أنه موقع عليه من الطرفين من قبل لأن هذا الصلح عرفي ولا يكون رسمياً إلا بالاقرار عليه من الطرفين بايجاب وقبول جديدين أمام المحكمة وليس للمحكمة أن تثبت صلحاً رسمياً بين شخصين غير حاضرين أمامها أو حضر أحدهما فقط وتخلف الآخر أو حضر الاثنان ولكنهما رفضا أو رفض أحدهما الصلح أمامها لأن التصديق على الصلح معناه أن المحكمة تشهد بأن الخصمين اتفقا أمامها على الصلح وهذا التصديق لا يخرج عن كونه عقداً ولا يحوله الى حكم وإنما يعطيه الصفة الرسمية فيصير رسمياً بعد أن كان عرفياً وتكون له قوة العقود الرسمية ولا يطعن عليه إلا بالطرق المقررة للطعن في العقود الرسمية على وجه العموم لا بالطرق المقررة للطعن في الأحكام.
وإذا تم الصلح في حضور وكلاء الخصوم وجب أن يكون كل منهم مفوضاً بمقتضى تفويض خاص لاجراء هذا الصلح عملاً بالمادة 811 من قانون المرافعات المصري المادة 500 أصول سوري وإلا جاز التنصل منه عملاً بالمادة 812 وما يليها من قانون المرافعات المصري المادة 501 أصول سوري وإذا تم التصديق على صلح في غياب أحد الخصوم بمجرد إبراز ورقة عرفية موقع عليها منه فإنه لا يكتسب صفته الرسمية عملاً بالمادة 390 من القانون المدني المصري المادة 520 مدني سوري ولا تعد المحكمة قد أجرت عقداً رسمياً يكتسب القوة التنفيذية عملاً بالمادة 124 من قانون المرافعات.
وحتى إذا لم ينكر الخصم الغائب توقيعه على الورقة العرفية المتقدمة فإن عقد الصلح لا يكتسب صفة الرسمية التي لا تثبت له إلا بحضور طرفيه أمام المحكمة ولا يكون لعقد الصلح الذي صدقت عليه المحكمة إلا قيمة الورقة العرفية متى كان ذوو الشأن قد وقعوها بإمضاءاتهم أو بأختامهم أو ببصمات أصابعهم.
ويجوز للخصم الغائب أن يكتفي بانكار توقيعه على الورقة العرفية التي قدمها خصمه الى المحكمة ولا يلزم بالادعاء بتزويرها وهو بإنكارها يهدر أية قوة لتصديق المحكمة عليها.
ويجوز لصاحب المصلحة من الخصوم أن يتمسك بكل ما تقدم بطريق رفع دعوى أصلية.
وإذن محضر الصلح المتقدم لا يعتبر حكماً ومن ثم لا يجوز الطعن فيه بطريق الطعن المقررة بالنسبة الى الأحكام وإن كان يجوز رفع دعوى أصلية بطلب بطلان الاتفاق عملاً بقواعد القانون المدني أو التجاري بحسب الأحوال كما يجوز الادعاء بتزويره. والدعوى الأصلية بطلب بطلان الاتفاق ترفع الى محكمة الدرجة الأولى المختصة عملاً بالقواعد العامة. كما أن الدعوى بطلب تزوير محضر الصلح فإنها هي الأخرى ترفع الى المحكمة المختصة بها عملاً بالقواعد العامة وإن كان قد يقال باختصاص المحكمة التي صدقت على محضر الصلح ولو كانت محكمة من محاكم الدرجة الثانية على اعتبار أنها هي الأدرى بظروف الادعاء بالتزوير. وهذا الاتجاه الأخير قد يحرم الخصوم من درجة من درجات التقاضي دون الاستناد الى نص خاص يقرر ذلك. والقاعدة أن استناد درجات التقاضي أمر يوجبه النظام العام.
ولا يعيب الرأي المتقدم أن تفصل في الدعاوى سالفة الذكر محكمة أقل درجة من تلك التي صدقت على الصلح أو في ذات درجتها وذلك لأنها لا تراقب قضاء المحكمة الموضوعي بل لا تمس حجية قضاء ما صدر منها.
وإذا خالفت المحكمة المادة 124 وأثبتت الصلح في حكم أصدرته اتخذ الشكل المقرر بالنسبة للأحكام فهل تصح الإجراءات وما طبيعة ذلك الحكم
ترى أن مخالفة المادة 124 لا ترتب أي بطلان لأن المقصود من المادة – كما قدمنا – هو تبسيط الاجراءات وإعفاء المحكمة من إصدار حكمها في القضية أو حكمها بإقرار الصلح. وإذن لا يعيب الاجراءات صدور حكم يثبت الصلح دون اثباته في محضر الجلسة عملاً بالمادة 124 .
وهذا الحكم الصادر باقرار الصلح لا يعد حكماً وليست له طبيعته طالما أنه اقتصر على مجرد اثبات ذلك الصلح ويعد بمثابة محضر صلح عملاً بالمادة 124 فلا يطعن فيه بطريق الطعن المقررة بالنسبة الى الأحكام ولا يستمد قوته الا من ذات اتفاق الخصوم وإنما يجوز التمسك ببطلانه برفع دعوى مبتدأة للأسباب الموضوعية التي يقررها القانون المدني أو التجاري بحسب الأحوال. وعلى اتجاه الرأي المتقدم أن الحكم بمعناه الخاص لا تكون صفته إلا إذا وضح جهدالمحكمة بصدده أي قضت بالفعل في الخصومة المطروحة أمامها.
ويجوز الحصول على حق اختصاص بمقتضى الحكم المتقدم عملاً بالمادة 1087 من القانون المدني.
وإذا فرض جدلاً أن تقدم خصم الى المحكمة بصلح موقع عليه من جانب خصمه الغائب فأصدرت المحكمة حكمها وبنته على أسبابه كما أسنتدته الى الصلح المتقدم فإن هذا الحكم تكون له كل صفاته متى وضح منه قضاء في الخصومة القائمة.
وإذا صدقت المحكمة – خطأ – على صلح في غيبة أحد أطراف الخصومة أو أصدرت حكمها مستنداً إلى مثل هذا الصلح وحده فإن تصرفها الولائي يكون مشوباً ويفقد الصلح صفته الرسمية ولصاحب المصلحة من الخصوم أن يرفع دعوى مبتدأة بطلب انكار رسمية.
ويحدث أن يقر خصم بحق يدعيه خصمه أو يتنازل عن حق يدعيه هو دون أن يترتب على ذلك إنهاء الخصومة القائمة فهل يثبت هذا الاقرار أو التنازل في محضر الجلسة عملاً بالمادة 124 ويكون لصاحب المصلحة أن يستخرج منه صورة تنفيذية أم أن هذا وذاك لا يعد صلحاً بكل معنى الكلمة وإذن يتعين اصدار حكم يثبت فيه الاقرار أو التنازل ليقوم الخصم بتنفيذه.
نرى أن المادة 124 قصد بها التيسير على ما قدمناه ومن ثم يجز إثبات الاقرار والتنازل بمحضر الجلسة واستخراج صورة تنفيذية منه ومن ناحية أخرى إذا ما صدر حكم يثبت هذا أو ذاك فإنه يكون صحيحاً ويعد بمثابة عمل ولائي للمحكمة يخضع للشكل المقرر للأحكام وإنما لا يطعن فيه بطرقها المقررة بل يجوز التمسك ببطلان التنازل أو الاقرار من الناحية الموضوعية على صورة دعوى مبتدأة ترفع الى المحكمة المختصة عملاً بالقواعد العامة وهذه الدعوى لا تمس حجية قضاء ما ولا تمس ثمة قوة للشيء المقضى به – أي أن هذه الدعوى لا تجرح أي قضاء موضوعي قطعي كما لا تجرح أي حكم حائز لقوة الشيء المحكوم به لأن الحكم المتقدم يعد بمثابة عمل ولائي ولا يقبل الطعن فيه بطرق الطعن المقررة بالنسبة الى الأحكام.
وإذا بدر الاقرار أو التنازل من جانب شخص غير مفوض بذلك بمقتضى تفويض خاص عملاً بالمادة 500 فإنه يجوز التنصل من عمله باتخاذ الاجراءات المقررة في المادة 501 وما يليها.
على أن الاجتهاد فرق بين حالة صدور الحكم بتصديق المصالحة كما وردت في ضبط الجلسة أو كما وردت في المذكرة المشتركة المقدمة من الخصوم وإلزام الطرفين بتنفيذه ويبين حالة صدور الحكم بتثبيت عقد الصلح والقضاء بذات الوقت بالزامات معينة استناداً إلى ما اتفق عليه الخصوم وفي الحالة الأولى اعتبر الاجتهاد حكم تصديق المصالحة عقداً رسمياً لا يقبل الحكم الصادر فيها بالطعن بالطرق المقررة في القانون. بينما في الحالة الثانية اعتبره الاجتهاد حكماً وأبقاه خاضعاً لكافة طرق الطعن المقررة في القانون للأحكام.