الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 138 من قانون أصول المحاكمات الجزائية

الرأي الفقهي

عددت المواد 57 – 73 و102 و116 وما أدرج بهامش صفحة 295 و376 في معاملات قاضي التحقيق ومذكرات الاحضار والتوقيف والاسترداد وتخلية السبيل.
وعلى ما نصت عليه المادة 131 متى أكمل قاضي التحقيق معاملاته وجمع ما يلزمه من المعلومات والوقائع والحقائق المتعلقة بالدعوى وانتهى التحقيق الذي أوكل اليه أمره فإنه يحيل الملف إلى وكيل النيابة العامة.. فيبدي مطالبته خلال ثلاثة أيام.. ويعيد الملف إلى قاضي التحقيق فإن هذا القاضي يعود إلى نفسه لاتخاذ قراره.
والعادة أن التحقيق في قضايا الجنحة البسيطة لا يكون عميقاً ولا طويلاً وتقتصر في الأغلب على تعيين ماهية الجريمة.. وسماع أقوال المدعي الشخصي والمدعى عليه وبعض الشهود. أما في قضايا الجنح الهامة أو المعقدة والقضايا الجنائية فلا بد من تمحيص الوقائع وجمع الأدلة واستكمال ما يستوجبه التحقيق بمنابة ودقة القاعدة 356.
ولم يعين القانون صورة خاصة معينة لمطالبة النائب العام ولكنها تكون عادة مكتوبة وتتضمن ما يلي
1 – شرح الفعل الجرمي وذكر جميع ظروفه المشددة أو الأعذار القانونية.
2 – ذكر الأدلة الواردة في التحقيق.
3 – ذكر المادة القانونية التي تنطبق على الفعل الجرمي.
كما يحق للنائب العام أن يطلب استكمال بعض لوازم التحقيق إذا وجدها ناقصة.
وهذا شيء معقول لأن وكيل النيابة حين يدعي.. فمعنى ذلك أنه يعرف ما يريد وأنه تفهم الواقعة.. ووجد من واجبه كممثل للمجتمع أن يلاحق رجلاً قامت عليه أدلة ذات شأن وإذا لم يفعل فإنه يكون قد أخل بواجبه.. ولو اخلالاً معنوياً وأساء إلى العدالة التي هو حارسها.
إلا أنه لا يطلب منه التوسع في القضايا غير الجوهرية.. فإذا ذكر في ادعائه الأولي أسماء الفاعلين وشركائهم.. أو وردت هذه الأسماء في شكوى المدعي الشخصي.. فله أن يكتفي بذكر اسم واحد فقط فيقول فلاناً وشركاه.
وعلى ما نصت عليه المادة 131 لا يجوز له أن يتأخر أكثر من ثلاثة ايام.. لأن بتأخره هذا مخالفة للنص صراحة ومن الممكن الحاق الضرر بالمدعى عليه.. وخاصة إذا كان موقوفاً.
إلا أنه إذا تأخرت المطالبة أكثر من هذه المدة التي حددها نص الماة 131 لا تكون المطالبة باطلة وذلك لعدم تصريح النص بذلك. غير أنه يمكن للمدعى عليه اقامة الدعوى عليه بطريق مخاصمة القضاة. وهذا نادر الوقوع طبعاً القاعدة 367 وترى محكمة النقض أن مطالبة النيابة هو اطلاعها على الأوراق فقط.. فإذا لم تبد مطالبتها فليس ما يمنع قاضي التحقيق من اصدار قراره النهائي شريطة عرضه على النيابة للمشاهدة. القاعدة 365 كذلك انظر بسيسو صفحة 267 وحومد صفحة 752 وقاضي التحقيق دركزلي والفاضل الأصول الجزائية.
وفي رأي الدكتور حومد أنه يحق للخصوم تقديم طلبات جديدة إلى قاضي التحقيق بعد انتهاء التحقيق.. خلال ثلاثة أيام الممنوحة للنيابة العامة لتبدي مطالبتها وهذا أمر نادر الوقوع ولكنه ممكن.
غير أنه إذا لم يكن هناك موقوف في الدعوى.. فإن من حق الخصوم تقديم الطلبات الجديدة طيلة بقاء الاضبارة عند قاضي التحقيق بعد اعادتها اليه من النيابة العامة. ولكن القاضي غير ملزم باتخاذ قرار بشأنها.. إذ يكفيه أن يضمها إلى الاضبارة.. غير أنه إذا وجد فيها ما يستحق اعادة التحقيق أمكنه ذلك.. شريطة ملاحظة عدم الاضرار بالموقوف. والغالب في هذه الطلبات إما سماع شاهد جديد أو اجراء معاينة لحادثة قد تزول آثارها بمضي الوقت. وما دامت هذه الطلبات قد قدمت بعد انتهاء التحقيق فإن الطعن فيها غير جائز وللمطالب أن يلتمس تحقيق طلبه أمام المرجع الذي سترسل اليه الاضبارة.
فإذا وجد ممثل النيابة أن التحقيق ناقص.. فله أن يطلب إلى قاضي التحقيق اكماله وإذا وجد كاملاً قدم مطالبته بالدعوى.
وهنا لابد من تمحيص أمر هام.. وهو هل يجب على قاضي التحقيق اطلاع المدعى عليه على ملف القضية قبل احالته إلى النيابة العامة لابداء مطالبتها
إن قانوننا ساكت حول هذا الموضوع الهام.. والمادة 131 لم توجب تبليغ القرار القاضي باحالة الملف إلى النيابة العامة للمدعى عليه. ولكن لما كان الغرض من التحقيق التي هي غاية العدالة.. كان من سبل كشف الحقيقة هذه تبليغ المدعى عليه نتيجة التحقيقات وما قام ضده من أدلة ليتمكن من الرد عليها ويناقشها بمجموعها. ومن حقه أن يقدم مذكرة بملاحظاته ودفوعه التي من الجائز أن تفتح عين العدالة على قضايا حبكت بصورة غير واضحة أو أن تهدم بعض الفرضيات التي قامت في ذهن المحقق بصورة خاطئة. وما يقال عن المدعى عليه.. يقال عن المدعي الشخصي لأن من الجائز أن تحول ملاحظاته دون اتخاذ قرار بمنع المحاكمة انظر القاعدة 372. وقد صرح بهذه الوجيبة القانون الفرنسي الجديد بمادته 175 والقانون المغربي بمادته 202 ولم يتعرض القانون المصري لهذه المسألة لأن التحقيق أصلاً من اختصاص النيابة العامة التي تتصرف بالتحقيق بوصفها سلطة تحقيق أيضاً. (انظر حومد صفحة 753 والمرصفاوي ص 487 وما يليهما).
وبعد أن يبدي النائب العام مطالبته يعود قاضي التحقيق فيدرس موضوع الدعوى من جديد ويقرر بصورة نهائية ما يراه لازماً بشأنها. أي أن يقرر إما منع المحاكمة المدعى عليه أو لزومها واحالته على المحكمة المختصة دون التقيد برأي النيابة. إلا أنه إذا لم يرى الصواب في طلب النيابة العامة وقرر التوسع بالتحقيق بعد انجازه يقدم الأوراق إلى النيابة مرة أخرى لبيان مطالبتها ثانية في ضوء التحقيقات التي استجدت أخيراً القاعدة 365.
ويستدل من نص المواد 132 و133 و134 و135 أن قاضي التحقيق يقرر بعد انتهاء التحقيق إما منع محاكمة المدعى عليه.. وإما احالته على المحكمة المختصة.
ويقرر القاضي المحقق منع المحاكمة كلما ثبت له أن الفعل المسند إلى المتهم لا يشكل جرماً.. أو أنه لم يرد من الأدلة ما يؤيد ارتكابه اياه. وفي هذه الحال يطلق سراحه فوراً إن لم يكن موقوفاً لسبب آخر.
ولقد خول القانون قاضي التحقيق اصدار قرار منع المحاكمة في جميع الأحوال أياً كانت الواقعة المدعى بها جناية أو جنحة أو مخالفة سواء لأسباب قانونية أو موضوعية انظر القاعدة 360.
فمن الأسباب القانونية الموجبة لمنع المحاكمة وعدم احالة الدعوى على المحكمة المختصة فقدان ركن من أركان الجريمة.. أو وجود سبب من الاباحة أو التبريرن أو مانع من موانع العقاب أو سقوط الدعوى العامة بالتقادم.. أو بالعفو العام أو الوفاة وغيرها.
والأسباب الموضوعية التي تستلزم منع المحاكمة هي فقدان الدليل ضد المتهم على اقترافه الجرم المنسوب اليه وكذلك عدم معرفة الفاعل.. أو عدم صحة الواقعة أصلاً.
وجاء في قرار لمحكمة النقض المصرية تاريخ 20 / 10 / 1921 نشر في المجموعة الرسمية سنة 22 ص 149 أن سلطة التحقيق تقتصر على البحث في المدلول الظاهر للدليل الوارد أمامها. أما المبحث في المدلول الحقيقي لذلك الدليل فهو من اختصاص محكمة الموضوع. ويعني هذا القول أن سلطة التحقيق لا تحكم في الدعوى وإنما تقتصر وظيفتها على البحث في احتمال صحة الدعوى.. أو عدم احتمالها. ولهذا فإن الشك الذي يفسر لصالح المتهم أمام محاكم الأساس… يفسر ضد المتهم في قضايا التحقيق..
ويشير جارو في مطول التحقيق الجنائي جزء 2 صفحة 294 . أن هناك فارقاً بين الاتهام والحكم. هو الفارق بين الاحتمال واليقين. وإذ يكفي في قرار الاتهام وجود أسباب معقولة للمحاكمة يجب وجود أدلة قاطعة على الأدلة.
ويضاف إلى حالات منع المحاكمة للأسباب القانونية حالة عدم قيام المسؤولية الجزائية في شخص الفاعل.. وذلك حين تثبت الخبرة الطبية جنون الفاعل قارن بين القاعدة 351 و352 و353.
إلا أنه غذا كان هناك دليل بين يدي قاضي التحقيق بثبوت اقتراف المتهم للجريمة والخبرة الطبية أثبتت جنونه فيعود أمر تقرير عدم مسؤوليته لمحاكم الأساس وحدها وهي صاحبة الاختصاص بتطبيق أحكام المادتين 230 و231 عقوبات المتعلقتين بحالة الجنون ولا يملك قاضياً التحقيق والاحالة حق تقرير منع المحاكمة لمن يثبت اقترافه الجريمة وهو بحالة الجنون القانون 351.
ويتضح جلياً بأن امعان النظر بنصوص القانون نجد أنه فرق في السلطة بين قاضي التحقيق.. وقاضي الاحالة. فقاضي التحقيق لا يقرر منع المحاكمة إلا.. إذا لم يقم دليل على ارتكاب المدعى عليه الفعل المسند اليه المادة 132.
أما قاضي الاحالة فإنه يستطيع أن يقرر منع المحاكمة.. إذا تبين له أن الأدلة غير كافية للاتهام المادة 148 و149 وهذا ما سنأتي على ذكره.
وعن حجية قرار منع المحاكمة أمام قاضي التحقيق أو قاضي الاحالة سنأتي على ذكره مفصلاً بهامش الباب الخامس المواد 143 – 165 .
وأما الاحالة على المحكمة المختصة فقد صرح الشارع بنص المواد 133 – 138 بأنه إذا تبين لقاضي التحقيق أن الفعل مخالفة – وهذا نادر الحدوث جداً – أحال المدعى عليه على المحكمة الصلحية.. وأمر باطلاق سراحه إذا كان موقوفاً.. لأن المخالفة جرم بسيط على المحكمة الصلحية.. وأمر باطلاق سراحه إذا كان موقوفاً.. لأن المخالفة جرم بسيط لا يبرر التوقيف. والواقع أن قاضي التحقيق غير مختص للتحقيق في المخالفات ولكن قد يوصف الفعل خطأ بأنه جنحة ويرفع اليه ثم يتبين له أنه مخالفة فيقرر احالته على محكمة الصلح المختصة.
وإن كان الفعل جنحة نظر القاضي فيها فإن كانت من اختصاص قاضي الصلح أحالها اليه. وإن كانت من اختصاص محكمة البداية أحالها اليها. فإن كان الظنين غير موقوف أحيل غير موقوف. وإن كان موقوفاً. نظر قاضي التحقيق في العقوبة فإن كانت غرامة قرر اطلاق سراحه شريطة أن يتخذ موطناً (أي محل اقامة) في مركز المحكمة. إذا كان مقيماً خارج هذا المركز حتى يسهل تبليغه أوراق المحاكمة. وإن كانت حبساً أبقاه قيد التوقيف وأحاله إلى المحكمة المختصة إلا إذا كان جرمه مما يستدعي اخلاء سبيله بحق.. أو إذا أطلق قاضي التحقيق من نفسه سراحه بكفالة أو بدونها.
وسواء أكان الفعل مخالفة أو جنحة.. فإن الاضبارة ترسل إلى النيابة العامة وعلى وكيل النيابة أن يرسلها إلى المحكمة المختصة خلال يومين منذ وصوفها اليه مرفقة بقائمة مفردات تشمل على الأوراق الموجودة فيها.. والوثائق الجرمية..
أما إذا كان الفعل جناية.. فإنه يقرر ايداع الأوراق النائب العام في الحال ليقوم بالاجراءات المذكورة في المادة 144 وما يليها أي ليهيىء الدعوى خلال خمسة ايام وينظم تقريره عنها خلال خمسة أيام أخرى على الأكثر ويقدمها إلى قاضي الاحالة.
ويجب أن يتضمن التقرير جميع قرارات قاضي التحقيق المشار اليها.. أي قرارات منع المحاكمة أو لزومها أو اسم الظنين وشهرته وعمره ومحل ولادته وموطنه وبياناً موجزاً للفعل المسند اليه ووصفه القانوني وهل قامت أدلة كافية أم لا على ارتكابه الجرم المذكور المادة 138 ونلاحظ من رجوعنا لنص المادة 144 أنه يظل من حق الطنين والمدعي الشخصي .. والمسؤول بالمال كذلك تقديم كل ما يريدان من لوائح وطلبات خلال هذه الأيام العشرة إلا أنه يشترط عدم التسبب في تأخير وضع التقرير.
ولابد من الاشارة إلى أن القانون أعطى قانون الصلح (المناطق) جانباً من اختصاص قاضي التحقيق نظراً لأن قضاة التحقيق لا يوجدون إلا في مراكز المحكمة البدائية فأراد الشارع أن يسهل أعمال العدالة بإعطاء قضاة الصلح في المراكز التي لايوجد فيها قضاة تحقيق صلاحية القيام بوظائف الضابطة العدلية. وهذا ما سنأتي على ذكره في هامش الباب الخامس بذيل المواد 143 – 164 .
انظر بسيسو صفحة 267 وحومد صفحة 752 ودركزلي قاضي التحقيق والمرصفاوي صفحة 487 وما يليها