Call us now:
الرأي الفقهي
لقاضي التحقيق فعالية متعددة النواحي وهو كإنسان يمكن أن يخطىء… فيلحق خطأه الضرر بارادة الشارع حسين يهتك حرمات النصوص القانونية.. ويلحق الضرر بحقوق الأفراد الذين جاؤوه.. أو جيء بهم لاقامة العدالة عليهم.. أو لهم.. فكان لابد من مرجع يقوم انحرافه ويعيد الأمور إلى جادة الصواب وهذا رأي الكثير من الفقهاء.
ولتبيان هذه الفعاليات لابد من الرجوع إلى نص المادة 73 وهامش الصفحة 295 مروراً بالمواد 52 حتى 138 باستعراض سريع لوظائف قاضي التحقيق… ومعاملات التحقيق وقرارات قاضي التحقيق.
ذهب بعض الفقهاء والشراح إلى تقسيم قرارات قاضي التحقيق إلى فئتين
الأولى قرارات اجرائية يصدرها قاضي التحقيق بصفته الادارية.
والثانية قرارات قضائية يصدرها قاضي التحقيق بصفته القضائية.
أما الفئة الأولى فهي في مجال الفعالية التحقيقية والتي هدفها جمع الأدلة على الفاعل وكشف حقيقة التهمة وفحصها.. لمعرفة صحتها أو اختلافها. وفي سبيل الوصول إلى هذه الغاية.. وأثناء سير التحقيق يتخذ قرارات شتى منها.. انتقاله إلى مكان الجريمة وندب الخبراء وضبط الأشياء الجرمية والمحافظة عليها وتوجيه مذكرة دعوة أو مذكرة احضار.. وإنابة قاضي تحقيق آخر أو أحد رجال الضابطة ببعض أعمال تحقيقية وتفتيش شخص وتفتيش بيت وغير ذلك.
ومجال هذه الفعالية متروك لحسن تقدير قاضي التحقيق ولا يحق لأحد أن يطعن طعناً منفرداً.. وإنما يجوز الطعن فيها مع طعن آخر أجازه القانون. ويحق لقاضي الاحالة ابطالها تلقائياً حين وصول الملف اليه.
أما الفئة الثانية فهي في المجال القضائي.. لأن قاضي التحقيق يعمل فيه كرئيس لمحكمة التحقيق الابتدائية فيصدر قراراته بصفة قضائية كقاض يبت في مصير الدعوى العامة. وقد أجاز القانون استئنافها إلى قاضي الاحالة بوصفه رئيساً لمحكمة التحقيق الاستئنافية.
والواقع أن قاضي التحقيق قد يضطر أثناء تحقيقه إلى الفصل في أمور عارضة تبرز له منها ما يترتب عليه التصدي له دون طلب من أحد.. مثل البحث في اختصاصه أو سقوط الدعوى العامة بأحد أسباب السقوط انظر المواد 434 – 443 أو عدم قبولها لنقص في شروطها القانونية عدم وجود شكوى في قضية لا تسمع بدون شكوى أو لعدم وجود منفعة للمدعي الشخصي أو يرى مصلحة واضحة في توقيف المتهم أو الافراج عنه.. وبعد أن ينهي تحقيقه يتخذ قراره باحالة الفاعل إلى المحكمة.. أو بمنع محاكمته لعدم كفاية الأدلة أو لعدم وجود فعل جزائي.
وهذه كلها قرارات ذات صبغة قضائية لأن قاضي التحقيق يتصرف فيها بوصفه حكماً بين الخصوم. وقد فتح القانون باب الطعن فيها لمن تضرر منها. ولكن حق الخصوم في هذا الطعن تختلف سعة أو ضيقاً بحسب أشخاصهم. وهذه مسألة تصدى لها القانون فنص عليها بصورة قاطعة.
وهنا لابد من استعراض حقوق خصوم الدعوى الجزائية وتعدادهم وهم النائب العام.. والمدعي الشخصي والمدعى عليه والمسؤول بالمال. وممارسة هذه الحقوق تتضمن اشرافاً حقيقياً على تصرفات قاضي التحقيق وتنبيهه إلى أن فوقه سلطة قادرة على ابطال هذه التصرفات واحقاق الحق.
فحق النيابة في استئناف قرارات قاضي التحقيق حق واسع جداً يطال كل ما يتخذه قاضي التحقيق من قرارات قضائيةز ولها حق استئنافها ولو كان القرار اتخذ بناء على طلبها أو موافقتها مثلاً قرار الاحالة إلى محاكم الموضوع.. والقرار القاضي بمنع المحاكمة والقرار القاضي برفض اجراء طلبته لصالح التحقيق والقرار الصادر بتوقيف المدعى عليه انظر القادة 373 بل من حقها استئناف القرارات التي تلحق ضرراً بالمتهم.. لانها تمثل المجتمع وتلتزم بواجبات العدالة واحقاق الحق. وقد حرص القانون المصري بمادته 161 مع المادة 139 سوري ولبناني المتماثلين حين نصت على أن للنيابة العامة أن تستأنف ولو لمصلحة المتهم جميع الأوامر التي يصدرها قاضي التحقيق سواء من تلقاء نفسها أو بناء على طلب الخصوم. (راجع الاجراءات الجنائية المرسفاوي وقاضي الاحالة دركزلي وأصول جزائية حومد وبسيسو).
وفي حق استئناف النيابة العامة قرارات قاضي التحقيق وقد جاء في كتاب قاضي الاحالة رأي للأستاذ دركزلي خالفه فيه الدكتور حومد تنقل القولين كما وردا لأنه في رأينا القولين يمكن العمل بهما راجع القاعدة 289 وما يليها والقاعدة 361 و373 في هذا الكتاب.
قال الأستاذ دركزلي حتى المادة 106 من قانون أصولالمحاكمات الجزائية التي جعلت من قرار قاضي التحقيق المتضمن اصدار مذكرة توقيف بحق المدعى عليه وقراره المتضمن استرداد مذكرة التوقيف هذه غير قابل لأي طريق من طرق المراجعة أفسحت المجال أمام النائب العام لأن يتخذ موقفاً معيناً حين ألزمت المادة المذكورة قاضي التحقيق استطلاع رأي النيابة العامة.
وليس هناك من يجادل في حق النيابة العامة في استئناف قرار قاضي التحقيق الذي يصدر في هذا الصدد دون أن يسبقه استطلاع راي النائب العام أو حين يصدر خلافاً لما يبديه هذا الأخير.
من هذا يمكن تقرير نتيجة قانونية تتلخص في أن الفقرة الأولى من المادة 139 أجاز القانون للنيابة العامة أن تستأنف جميع قرارات قاضي التحقيق مهما كان نوعها.
وفي أية مرحلة من مراحل التحقيق اثر صدور القرار سواء كان هذا نهائياً أم غير نهائي انظر القاعدة 373 في هذا الكتاب.
وذهب الدكتور حومد معدداً الحالات التي يحق للنائب العام استئناف قرارات قاضي التحقيق وقال لكن هناك قرار اختلف في شأنه. هو قرار قاضي التحقيق باسترداد مذكرة التويف بموجب المادة 106 فهذه المادة تجيز له أن يقرر اثناء المعاملات التحقيقية ومهما كان نوع الجريمة استرداد مذكرة التوقيف بموافقة النائب العام.. ولا يقبل قرار قاضي التحقيق باسترداد مذكرة التوقيف أي طريق من طرق المراجعة. وفي رأينا أن هذا المنع جاء استثناء من حق النيابة العامة المطلق باستئناف جميع قرارات قاضي التحقيق القضائية. فهو نص خاص.. والنص الخاص يقدم على النص العام وهذا رأي الأستاذ دونابر ص 776 لذلك ما ذهب اليه الأستاذ دركزلي ص 28 من جواز الاستئناف مخالف لصراحة الاستثناء انظر القاعدة 282 و292 في هذا الكتاب.
كذلك فإنه على الرغم من حق النيابة العامة استئناف قرارات قاضي التحقيق القضائية في مطلق الأحوال فإن استئناف قراره برفع القضية إلى قاضي الاحالة حين تكون ذات طبيعة جنائية لا معنى له.. لأن قاضي التحقيق ملزم حكماً برفعها اليه. انتهى.
وإيضاحاً لاختلاف الرأيين نورد المؤيد القانوني الذي استثنى فيه النيابة العامة من حق الاستئناف في قرارات قاضي التحقيق وهي كما يلي
1 – قرار استردا مذكرة التوقيف من قبل قاضي التحقيق بموافقة النائب العام حيث صرح القانون بالفقرة الثانية من المادة 106 لايقبل قرار قاضي التحقيق باسترداد مذكرة التوقيف أي طريق من طرق الطعن.
2 – القرارات التي نصت عليها الفقرة الثالثة من المادة 70 باجراء التحقيق بمعزل عن المدعى عليه والمسؤول بالمال والمدعي الشخصي ووكلائهم في حالات الاستعجال أو متى رأى القاضي المحقق ضرورة ذلك لاظهار الحقيقة. وقرار قاضي التحقيق بهذا الشأن لا يقبل المراجعة.
3 – القرارات ذات الصفة التحقيقية التي أشرنا اليها مثل تعيين الخبراء أو سماع الشهود.. والكشف على موقع الجرم وغيرها.
4 – قرار احالة القضايا الجنائية بعد انتهاء تحقيقها إلى النائب العام.. لأن استئنافها غير منتج عملياً.. لأنها سترفع حتماً بحكم القانون إلى المرجع الاستئنافي نفسه وهو قاضي الاحالة وهذا ما سنأتي على ذكره بذيل المواد 143 وما يليها.
وأما حق استئناف المدعى عليه فقد أجازت الفقرة الأخيرة من المادة 139 أن يستأنف القرارات الصادرة عن قاضي التحقيق ي حالتين فقط. الأولى القرار الصادر بصدد تخلية السبيل (المادة 118) والثانية القرار الصادر والمتعلق بعدم الاختصاص والتي نصت عليه المادة 73 وزادت على عدم الاختصاص.. عدم سماع الدعوى وكون الفعل لا يستوجب عقاباً.
إلا أن الزيادة الواردة في المادة 73 هذه لا تعني أن للمدعى عليه حق استئناف قرارات التحقيق الصادرة والمتعلقة بسقوط الدعوى أو يكون الفعل لا يستوجب عقاباً.. لأن الفقرة الثالثة من المادة 139 حصرت حق المدعى عليه في الطعن بالقرارات المتعلقة بعدم الاختصاص فقط.
وأما حق استئناف المدعي الشخصي فقد منحته الفقرة الثانية من المادة 139 حق استئناف قرارات قاضي التحقيق. ومكن الشارع الشخص المتضرر من الجريمة إذا أقام نفسه مدعياً شخصياً أمام قاضي التحقيق أن يمارس اشرافاً واسعاً على سير الدعوى.. لأن له أن يستأنف عدداً أوسع من القرارات القضائية التي يحق للمدعى عليه أن يستأنفها.
وقد لجأ قانوننا إلى طريقة التعداد أولاً ثم أطلق النص في الفقرة الثانية من المادة 139 فقال وكل قرار من شأنه أن يضر بحقوقه الشخصية.
والقرارات القضائية التي ذكرها النص المذكور.. أو أحال به على المواد 118 و132 و133 و134 ويملك المدعي الشخصي حق استئنافها هي
أولاً – قرارات اخلاء السبيل. ثانياً – قرارات منع المحاكمة انظر القاعدة 376 ثالثاً – قرارات الاحالة على المحكمة الصلحية. رابعاً- قرارات الاحالة على محكمة بداية الجزاء لكون الفعل المرتكب جنحة. – خامساً – القرارات المتعلقة بعدم الاختصاص. سادساً – كل قرار من شأنه أن يضر بحقوق المدعي الشخصية.
ولعل أقرب مثال في معرض بحث الأضرار بحقوق المدعي الشخصية وبنيانها هو إجراء التحقيق في غيبة المدعي الشخصي أو وكيله على النحو المنصوص عنه في المادة 70 الفقرة الأولى منها إذ للمدعي الشخصي في حال اجراء التحقيق ماعدا سماع الشهود بالطبع دون التقيد بالنص المذكور.. أن يطعن في كل قرار يصدر في هذا الشأن.
وعليه لا يجوز للمدعي الشخصي أن يطعن في أي قرار غير ما ذكر آنفاً تحت طائلة الرد لعدم جواز طعن المدعي الشخصي فيه. انظر قاضي الاحالة دركزلي والأصول الجزائية حومد وبسيسو والاجراءات الجنائية والمرصفاوي وعبيد.