الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 149 من قانون العقوبات

الرأي الفقهي

من البديهي أن العقوبة تنقضي عادة بتنفيذها فذلك هو الأسلوب العادي لتحقيق أغراضها.. بحيث لا يبقى لها بعد ذلك محل.
إلا أنه ثمة أسباب أخرى تنقضي بها العقوبة على الرغم من عدم تنفيذها وتقوم هذه الأسباب على أحد اعتبارين تقدير الشارع أن أغراض العقوبة يمكن أن تتحقق على الرغم من عدم تنفيذها.. أو تقديره أن مصلحة المجتمع تملي في ظروف خاصة العدول عن السعي إلى هذه الأغراض وأهم مثال على ذلك. أسباب الانقضاء يقوم على الاعتبار الأول ألا وهو مرور الزمن – التقادم ومن أسباب الانقضاء التي تقوم على الاعتبار الثاني العفو.
وقد عدد الشارع أسباب انقضاء العقوبة في المادة / 147 / عقوبات التي نصت على أن الأسباب في سقوط الأحكام الجزائية وهي ثمانية حالات.
وقد جمع الشارع في نص المادة / 147 / بين أسباب سقوط الأحكام الجزائية.. وأخرى لتعليق تنفيذها كما في جمع بين أسباب تؤثر على تنفيذ العقوبة.. وأخرى تؤثر على تنفيذ التدبير الاحترازي.
ومن نص المادة 148 نلحظ أن الشارع أراد أن يؤكد بذلك الطابع الجزائي لأسباب انقضاء العقوبة.. أو التدبير الاحترازي. فهي إن أثرت على هذين النظاميين الجزائيين. فتأثيرها يقتصر عليهما ولا يمتد إلى سواهما كالتعويض المدني.. أو الجزاء المسلكي. لأنها ليست بذات الطابع الجزائي والسبب في ذلك أنها تخضع لقانون المدني وفق ما نصت عليه المادة / 148 / عقوبات.
وقد ذهب الفقهاء والشراح إلى تقسيم ما نصت عليه المادة / 147 / إلى قسمين الأول يقتصره على الالتزام بتنفيذ العقوبة فينهيه. ومن ثم لا يمس الوجود القانوني لحكم الإدانة فيظل قائماً منتجاً جميع آثاره عدا الالتزام السابق. أما القسم الثاني من هذه الأسباب فيزول به حكم الإدانة هذا فيغدو المحكوم عليه في وضع شخص لم يجرم ولم يحاكم ولم يدن وزوال حكم الإدانة يعني أن تزول معه جميع آثاره. ومن بينها الالتزام بتنفيذ العقوبة. ويتضح ذلك من عبارة المادة 157 عقوبات التي حددت أثره بأنه سبب (لإسقاط الحق العام) ويعني ذلك أن محل توضيحه ودراسته هو في شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية – لذلك يرجى الرجوع إلى الشروحات المعينة ومجموعة قانون أصول المحاكمات الجزائية لمعد هذا الكتاب.
وأسباب انقضاء العقوبة التي تنتمي إلى القسم الأول من تقسيم الفقهاء والشراح هي وفاة المحكوم عليه والعفو الخاص والتقادم – والأسباب تنتمي إلى القسم الثاني هي العفو العام وإعادة الاعتبار – ووقف التنفيذ ووقف الحكم النافذ – وتركت موضوع صفح المتضرر يحكمها القانون المدني.
إلا أننا وباعتبار أن نهجنا بهذا الكتاب هو الشرح على المتن.. لابد من أن نتبع تقسيمات المروع لنص المادة / 147 / وتسلسل موضوعها ونبدأ بوفاة المحكوم عليه فتقول من استقراء نص المادة 149 لا يجوز أن يتبادر إلى الذهب أن الشارع قرر زوال جميع نتائج الحكم الجزائي بوفاة المحكوم عليه يعني زوال حكم الإدانة ذاته بل أن عبارة الشارع صريح في تقرير أن ما يزول هو نتائج الحكم فحسب مما يعني بالاستنتاج العكسي بقاء الحكم ذاته. وما تتميز به الوفاة عن سائر أسباب انقضاء الالتزام بتنفيذ العقوبة.. أنها تنتهي حتماً الالتزام بجميع العقوبات سواء أكانت أصلية.. أم إضافية.. أم فرعية. وغني عن البيان أن الوفاة تنتهي كذلك أثر الحكم كسابقه في التكرار أو اعتياد الإجرام. فلا يقتصر تأثيرها على الالتزام بتنفيذ العقوبة الأصلية كبعض الأسباب الأخرى مثلاً – التقادم – وذلك تأويل قول الشارع أنها تزيل جميع نتائج الحكم. فوفاة المجرم تنتهي الخطر الذي يهدد المجتمع وتجعل ردع الغير عن طريق إيلامه مستحيلاً عقلاً. فإذا مات استحال تنفيذ العقوبة ولا يجوز تنفيذها في سواه مهما كانت صلته به.
إذا تنقضي بوفاة المحكوم عليه العقوبات البدنية والعقوبات الماسة بالحرية سواء أكانت مانعة أو مقيدة لها. وتنقضي بها كذلك العقوبات الماسة بالاعتبار وقد صرح الشارع – بالمادة 149 عقوبات – بذلك بالنسبة لنشر وإلصاق الحكم. أما إذا كانت العقوبة مالية.. فإنه مما لاشك فيه أن الوفاة الطارئة قبل صيرورة الحكم بالغرامة والمصادرة مبرماً… تنهي الدعوى وفق ما نصت عليه المادة 435 / أصول جزائية فيستحيل تبعاً لنص المادة الملمع إليها القضاء بهاتين العقوبتين.
إلا أنه إذا طرأت بعد صيرورة ذلك الحكم المبرم يجب تنفيذهما على تركة المحكوم عليه. ورأينا بالنسبة للغرامة. أن الالتزام بها يتحول إلى دين مدني بصيرورة الحكم مبرماً ويحتل هذا الدين مكانه بين العناصر السلبية للتركة فيجوز التقيد به عليها. وبالإضافة إلى ذلك أن المادة / 453 / من قانون أصول المحاكمات الجزائية نقدم حجة لتدعيم هذا القول. لذا نورد نص المادة 453 / أصول جزائية كما جاءت وذلك تسهيلاً للباحث 1 – بحال غيبة المحكوم عليه أو قصره تحصل الغرامة والرسوم والنفقات القضائية بمعرفة وزارة المالية كما تحصل الأموال الأميرية. 2 – وتحصل بالطريقة نفسها الرسوم والنفقات القضائية في حال وفاة المحكوم عليه.
أما بالنسبة للمصادرة فغن الحكم المبرم بها ناقل بذاته لملكية المال المصادر. فإن كان قد صار مبرماً في حال حياة المحكوم عليه فمؤدى ذلك أن المال المصادر لم يكن بين أصول التركة التي خلفها وإن كان عند وفاته لا يزال في حيازته فإن ملكيته قد صارت للدولة ومن ثم ليس للوفاة تأثير على تنفيذ المصادرة. أنظر هامش المادة 98 ص 94 في هذا الكتاب.
وقد قرر الشارع أنه لا مفعول للوفاة على المصادرة الشخصية إذا كانت تعويضاً للمدعي الشخصي ويتفق ذلك مع القاعدة المقررة ضمان أصول التركة ديونها.
ومن ثم يتعين أن تكون الوفاة سبباً لانقضاء التدابير الاحترازية. وهذا القول صحيح بالنسبة للتدابير الشخصية سواء أكانت مانعة للحرية.. أم مقيدة لها أم مانعة للحقوق. ولكن هذا القول محل بالنسبة للتدابير العينية… إذ تفترض هذه التدابير كمون الخطورة في شيء فهو بذاته خطر على المجتمع ولا تزول خطورته إلا بإعدامه.. أو سجه من التداول وهو ما يهدف التدبير العيني إلى تحقيقه. وغني عن البيان أن خطورة الشيء تستمر على الرغم من وفاة مالكه.. أو جائزة. ويعني ذلك القول بأن الوفاة لا تنقضي بها التدابير الاحترازية العينية. وقد أقرت ذلك المادة / 149 / عقوبات إلا أنه نجد في استقراء نص المادة / 345 / أصول جزائية أن الوفاة السابقة على صدور الحكم بالمصادرة العينية لا تحول دون القضاء بها في مواجهة الورثة.. وغني عن البيان أو وفاة مدير الشخص الاعتباري أو أحد ممثليه لا يؤثر على تدبير وقف هذا الشخص.. أو حله وفق ما نصت عليه المادة 104 عقوبات. إلا أن الكفالة الاحتياطية تنقضي بالوفاة. إذ أن موضوعها هو ضمان السلوك الحسن للمحكوم عليه.. وهذا مما لم يعد له محل بعد الوفاة.
أنظر المبادئ العامة الدكتور الفاضل والتشريع الجزائي عبود السراج وشرح العقوبات محمود نجيب حسني والدكتور سعيد ومصطفى السعيد