الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 162 من قانون الأحوال الشخصية

الرأي الفقهي
جاء في المذكرة الإيضاحية لقانون الأحوال الشخصية السوري ما يلي
ه- – في الأهلية
أخذ المشروع بالقانون المصري للأهلية مع تعديلات يسيرة وهو أحد قانون في موضوعه في العالم وأكمله وهو موافق لأحكام الشريعة الإسلامية ومستمد من أدلتها وقواعد الاستصلاح فيها.
إلا أنه يلاحظ من نص المادة 162 أحوال شخصية والمادة 46 من القانون المدني السوري أنها جاءت مخالفة للقانون المدني المصري في تحديد سن الرشد إذ أنزلها إلى ثمانية عشر سنة. ووجهته في ذلك أن قانون الموظفين العام المعمول به في القطر العربي السوري يعتبر سن الثامنة عشر مؤهلاً لتولي الوظائف العامة في الدولة فلا يعقل أن يتولى شخص عملاً من أعمال الدولة العامة وهو لا يزال قاصراً محجوراً عن التصرف في حقوقه وأمواله الخاصة.
ومع ذلك يتضح أن جعل سن الرشد مرحلة بعد البلوغ يستند إلى أصل تشريعي في القرآن الكريم. وأما تحديده ثمانية عشر أو أكثر أو أقل فهذا مما يتركه التشريع الإسلامي للفقهاء في كل عصر بحسب ما يرونه متفقاً مع مصلحة القاصرين وضامناً لأحوالهم.
ونصت المادة 46 من القانون المدني على ما يلي
1 – كل شخص بلغ سن الرشد متمتعاً بقواه العقلية ولم يحجر عليه يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه المدنية.
2 – وسن الرشد هي ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة.
فمما تقدم نرى أن الولاية في الأهلية هي من أحكام الزواج. وذلك ما نصت عليه بعض المواد من 15 حتى 171 أحوال منها ما اشترط الأهلية في الزواج والعقل والبلوغ. وولاية القاضي بزواج المجنون والمعتوه إذا ثبت شفاؤه. والولي في الزواج هو العصبة بنفسه على ترتيب الإرث بشرط أن يكون محرماً. واشترط الكفاءة في الزواج. واشترط في صحة المخالعة أن يكون الزوج أهلاً لإيقاع الطلاق والمرأة محلاً له. والمرأة التي لم تبلغ سن الرشد لا تلتزم ببدل الخلع إلا بموافقة الولي. كما اشترط الأهلية وحق التفريق بزوالها كجنون الزوج بعد العقد والتفريق للعلة وللغيبة وعدم الإنفاق. كما اشترط لأهلية الحاضن البلوغ والعقل والقدرة على صيانة الولد صحة وخلقاً وأن القاضي ولي من لا ولي له.
فعن كل ذلك نرى أن كل إنسان ناقص الأهلية تجب عليه النيابة الشرعية. والنيابة الشرعية تنقسم إلى أربعة أقسام إما ولاية أو وصاية أو قوامة أو وكالة قضائية. فالولاية للأقارب من أب أو غيره والوصاية على الأيتام والقوامة على المجانين والمغفلين والسفهاء والوكالة القضائية على المفقودين.
والولاية بصفة عامة تبنى على الحجر ولها أسبابها وحكمتها ومدتها التي تنتهي فيها. وتنقسم أيضاً إلى ثلاثة أقسام أولاً الحجر ثانياً الولاية على النفس ثالثاً الولاية على المال.
فلنبدأ بالحجر. والحجر في اللغة المنع ومنه حجر القاضي على الصغير والسفيه ومنعهما من التصرف في مالهما. ومن هذا تسمية العقد حجراً. وبهذا المعنى قوله تعالى هلل في ذلك قسم لذي حجر – 5 الفجر أي لذي عقل. والأشخاص الذين يحجر عليهم هم 1 – الصغير. 2 – المجنون. 3 – المعتوه. والحجر على هؤلاء متفق عليه عند جمهور الفقهاء.
1 – الصغير
فالصغير إما أن يكون مميزاً وإما أن يكون غير مميز. والصغير غير المميز هو الذي لم يبلغ السابعة من عمره فهو لا يفهم معاني ألفاظ العقود والتصرفات ولا يدرك أغراض الناس منها وتصرفاته كلها باطلة لأنه فاقد الأهلية وعديم التمييز والحكم. وهذا ما عناه القانون المدني بنص المادة 112 منه وموافق لما قرره الفقه الإسلامي إذ أن سن السابعة هي الحد الأدنى لسن التمييز.
نص المادة 112
1 – إذا كان الصبي مميزاً كانت تصرفاته المالية صحيحة متى كانت نافعة نفعاً محضاً وباطلة متى كانت ضارة ضرراً محضاً.
2 – أما التصرفات المالية الدائرة بين النفع والضرر فتكون قابلة للإبطال لمصلحة القاصر ويزول حق التمسك بالإبطال إذا أجاز القاصر التصرف بعد بلوغه سن الرشد أو إذا صدرت الإجازة من وليه أو من المحكمة بحسب الأحوال وفقاً للقانون.
فالصغير المميز ناقص الأهلية ناقص العقل لوجود أصل التمييز وعدم كمال العقل والإدراك. يعقل مثل أن البيع مزيل للملك وأن الشراء جالب له كما يفهم معنى الربح والخسارة.
وإن أهلية الأداء تنقسم إلى قسمين قاصرة وكاملة.
أ – قاصرة بحيث تصح من صاحبها العبادات ولكنه لا يطالب بها وتصح منه بعض التصرفات التي هي محض النفع له وذلك في الصبي المميز وهو من بلغ من الإدراك فلا يفرق فيه معنى الأخذ والعطاء وبين معنى البيع والشراء.
ومنذ يدخل الصبي في طور التمييز يصبح في مرحلة انتقالية بين مرحلتي الطفولة والرجولة. فأداؤه للعبادات صحيح لوجود مبدأ التمييز عنده ولكنه لا يطالب بها مطالبة وجوب أو تكليف لأنه لم يصل بعد إلى طول اكتمال العقل والبلوغ وتصرفه ما كان منها نفعاً خالصاً له صحت كقبوله الهبة والصدقة وتملك الأموال المباحة فهذه تصح منه من غير إذن الولي. وما كان منها ضاراً به ضرراً خالصاً لا تصح منه كهبته لغيره وتصدقه ووقفه وإعارته. وما كان محتملاً بين الضرر والنفع توقف على إجازة وليه فإن أجازها صحت وإن ردها بطلب.
وأما المعتوه وهو من يشتبه فعله بأفعال العقلاء تارة وبأفعال المجانين أخرى ألحقه القانون بالمجنون.
ب – كاملة وهي أن يصبح الشخص مكلفاً بالعبادات والأحكام الشرعية قابلاً لكل أنواع الالتزامات ذلك باكتمال العقل الذي جعل البلوغ علاقة له. ذلك أن الأصل بالتكليف أن يتوقف على وجود العقل الكامل في الإنسان غير أن وجوده لا يكون في الإنسان دفعة واحدة فهو ينمو بنمو جسمه ولذلك أقيم البلوغ دليلاً من اكتمال العقل فيه.
والبلوغ إما طبيعي وإما تقديري. أما الطبيعي فقد ذكر له علامات في الفتى كالاحتلام وما أشبهه وكلامات الفتاة كالحيض وما أشبهه. وأما التقديري فذلك عند عدم التحقق من البلوغ الطبيعي فيقدر عند ذلك بالسن. فأكثر الفقهاء على أن مبدأ البلوغ يكون عند الفتى في سن الثانية عشر وعند الفتاة في سن التاسعة. أما نهايته فأكثرهم على أنه في الخامسة عشر للذكور والإناث. وجاء في البدائع ج7 ص172 لأبي حنيفة أن نهاية سن البلوغ ثمانية عشر عاماً في الفتى وسبعة عشر في الفتاة.
وهذه الأهلية الكاملة للفتى والفتاة حين يبلغان هذا السن هي غير أهلية الرشد الحالي. وتنقسم مراحل حياة الإنسان في الأهلية إلى خمس مراحل
المرحلة الأولى طور الإنسان وهو جنين وله أهلية الوجوب ناقصة.
المرحلة الثانية طور الطفولة قبل التمييز وله أهلية الوجوب كاملة.
المرحلة الثالث طور التمييز إلى البلوغ وله أهلية الأداء ناقصة.
المرحلة الرابعة طور البلوغ إلى سن الرشد الحالي وله أهلية الأداء كاملة فيما عدا التصرفات المالية.
المرحلة الخامسة طور الرشد المالي وله أهلية الأداء كاملة في كل الأحكام.
وبعد أن نتيح له الفرصة للتجربة بين هذه المراحل حتى ما كان منها متردداً بين النفع والضرر تقضي بها ضرورة تربيته وتعويده السير في الحياة وبذلك يمكن أن نحكم له أو عليه متى بلغ سن الرشد. وفي ذلك قال تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن أنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم – النساء 6.
ومدلول الآية الكريمة قد جعلت تسليم المال إليهم مقيداً بإيناس الرشد منهم وهذا يقتضي استمرار الحجر على البالغ إذا لم يثبت رشده مهما بلغ من العمر عتياً.
وعند عدم الايناس التي دلت عليه الآية الكريمة عدم جواز الإذن من الولي ويكون تصرفه في هذه الحالة باطلاً لأن وليه أصلاً لا يملك هذا التصرف إلا بقانون فبالأولى من يتصرف بإذن منه بطلان تصرفه.
2 – الجنون
هو اختلال العقل بحيث يخرج صاحبه عن النهج الطبيعي في الأعمال المعتادة وهو مسقط لأهلية الأداء.
والجنون نوعان ممتد وقاصر. أما الممتد فهو الجنون المتصل سواء كان أصلياً بأن جن منذ عهد الصغر أو عارضاً بأن جن بعد البلوغ. وأما الجنون القاصر فهو الذي يغيب وقتاً ويحضر وقتاً وكلاهما يحجر عليه متفق عليها عند الفقهاء قاطبة. والمجنون كالصبي غير المميز في عجزه عن الاهتداء إلى التصرفات النافعة له فيمنع من التصرف في ماله رعاية لمصلحته. وقد قلنا أن الجنون نوعان ممتد وهو يسمى عند الفقهاء بالجنون المطبق ويسمى المجنون في هذه الصفة مقلوباً لا يفيق من جنونه. والنوع الثاني جنون قاصر أو متقطع وهو الذي ينقطع فيه الجنون أحياناً عن صاحبه فيكون مفيقاً ولا يفيق حيناً وحكم هذا المجنون أنه في حالة إفاقته تنفذ تصرفاته فيما إذا كان لجنونه وإفاقته وقت معلوم. أما إذا كان غير منتظم الإفاقة والجنون فيكون حكمه في حال إفاقته كالصبي المميز لا تنفذ تصرفاته إلا إذا أجازها وليه القيم عليه وهذا تفصيل حسن. أما الجنون المغلوب فهو كالصبي غير المميز لا يخاطب بالتكاليف الشرعية ولا تصح منه العبادات ولا تنفذ تصرفاته ولو أجازها وليه ويكون في ماله ضمان ما أتلفه على سبيل العدوان (مادة 200 – 201 أحوال).
3 – العته
عرفت المادة 945 أحكام المجلة المعتوه هو الذي اختل شعوره بحيث يكون فهمه قليلاً وكلامه مختلطاً وتدبيره فاسداً.
فالمعتوه هو الذي تشبه تصرفاته تصرفات العقلاء أحياناً وتصرفات المجانين أحياناً. وقد قال الزيلمي في تبين الحقائق 5 / 191 واختلفوا في تفسير (المعتوه) اختلافاً كثيراً وأحسن ما قيل فيه هو من كان قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير إلا أنه لا يضرب ولا يشتم كما يفعل المجنون.
وقد تبين لنا أنه كالصبي المميز لدى الفقهاء فينفذ من تصرفاته ما كان محض النفع له من غير توقف على إجازة وليه ويبطل ما كان منها محتملاً الضرر والنفع على إجازة وليه.
4 – السفه
السفيه هو الذي يتصرف في ماله خلاف ما يقتضيه الشرع والعقل وهو الذي يبذر في ماله تبذيراً لا يقع من العقلاء الراشدين عادة. ولا خلاف في أن وصف السفه يشمل الإسراف في الفقه بما يخرج من المعتاد وعن الحاجة. كما يشمل الإسراف في إنفاق المال في الطرق المحرمة كالشراب واللهو والحرام. أما التبذير في الطاعات كإنفاق ماله في بناء المساجد فقد جرى الخلاف فيه هل هو سفه أم لا. والمعتمد أنه من السفه.
وقد جرى الخلاف في الحجر بسبب السفه. فجمهور الفقهاء ومنهم أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة على أن السفه موجب للحجر لقوله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً – النساء 5. ولأن السفيه مضيع لماله فكان كالصبي في قصور النظر فيجب الحجر عليه نظراً له وحفظاً لماله.
وجاء في البدائع ج7 ص170 ورد المختار ج5 ص664 و 162 قال أبو حنيفة لا يحجر على السفيه إلا أنه إذا بلغ سفيهاً يمنع عنه ماله فقط كما سبق لأنه عاقل مخاطب بالتكاليف الشرعية ولأن في الحجر عليه إهدار لآدميته وذلك أشد ضرراً من إتلاف ماله بالتبذير إذ المال دون الكرامة الإنسانية ولا يحتمل الضرر إلا على الدفع الأدنى وأن الحجر تعرض على النفس والنفس أعظم خطراً من المال.
وخلاصة ما تقدم أن جمهور الفقهاء أخذ على الحجر بسبب السفه مطلقاً وهذا الصحيح والمعتمد في الاجتهاد الحنفي وبه أخذ القانون السوري. وتكون مجمل أحكام السفيه كما يلي
1 – تصح تصرفاته في مثل الزواج والطلاق مما يصح في الجد والهزل على أن يتقيد مهر النكاح بمهر المثل.
2 – توقف تصرفاته فيما عدا ذلك على إجازة وليه كالبيع والشراء والرهن والإعارة.
3 – يصح إقراره بالعقوبات على نفسه كما لو أقر بالسرقة.
4 – يعاقب على الجنايات التي يجنيها على غيره من نفس أو مال.
5 – تجب عليه نفقة زوجته وولده ومن تجب عليه نفقته.
6 – تصح وصيته في وجوه الخير مع خلاف قبل الحجر وبعده.
7 – تجب عليه العبادات كالصلاة والصوم والحج.
ومما يلاحظ أن الفقهاء لم تشترط حضور من أراد الحاكم حجره ويصح حجره غياباً أيضاً ولكن يجب وصول خبر الحجر إلى ذلك المحجور ولا ينحجر ما لم يصل إليه خبر الحجر وتكون عقوده وأقاريره إقرار معتوه إلى ذلك الوقت. وعند أبي يوسف فلا يكون محجوراً عليه إلا بقضاء القاضي فتنفذ تصرفاته كلها بعد وجود السفه منه قبل القضاء بالحجر عليه.
ولم يشترط الفقهاء حضور من أراد الحاكم حجره ويصح حجره غياباً أيضاً ولكن يجب وصول خبر الحجر إلى ذلك المحجور ولا ينحجر ما لم يصل إليه خبر الحجر وتكون عقوده وأقاريره (إقرار) معتوه إلى ذلك الوقت.
5 – الغفلة
المغفل هو الذي لا يفسد ماله ولا يقصد إفساده ولكنه لا يهتدي إلى التصرفات فيغبن في المعاملات لسلامة قلبه.
وذو الغفلة كالسفيه في جميع الأحكام الثابتة للسفيه من حيث الحجر عليه وحكم تصرفاته والخلاف في الحجر وعدم الحجر وفي مبدأ ثبوت الحجر عليه وفي وقت انتهائه ورفعه عنه. فتطبق على ذي الغفلة كل الأحكام التي تطبق على السفيه. وهذا ما أخذ به الفقه والقانون.
(من كتاب أحكام الأحوال الشخصية – محمد يوسف موسى ص421 وما يليها والأهلية والوصية والزكاة – صابوني وسباعي ص3 وما يليها والأحكام الشرعية – للابياني ص199 وما يليها وأحكام الشريعة الإسلامية – عمر عبد الله ص518 وما يليها).