الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 164 من قانون أصول المحاكمات الجزائية

الرأي الفقهي

ذكرنا بالهامش السابق أن قرار منع المحاكمة عندما يكون مبنياً على سبب واقعي أو موضوعي فإنه يتيح الفرصة للمدعى عليه للخلاص من التهمة المنسوبة اليه بصورة مؤقتة إلى أن تظهر أدلة جديدة تسمح.. بل تدعو لمعادوة التحقيق معه وفتحه بحقه مجدداً.. ذلك لأن ظهور الأدلة الجديدة التي تؤيد التهمة بحق المدعى عليه تلزم قاضي الاحالة بوضع يده ثانية على الدعوى ليقوم باجراء تحقيق مجدداً فيها راجع المادة 162 والقاعدة 360 و505 وما يليها وذلك عندما يرى أن الأدلة الجديدة من شأنها أن تؤيد التهمة بحق المدعى عليه. وهذا عائد لتقديره وقاضي الاحالة في تقديره كفاية الأدلة أو عدمها لا يخضع لرقابة محكمة النقض القاعدة 335 469 والمقصود بكفاية الأدلة هو اطمئنان قاضي الاحالة إلى رجحان الحالة الجرمية.. لأن القناعة اليقينية من مستلزمات الحكم في الموضوع وهذا يعود لمحاكم الأساس راجع القاعدة 335 و499 و504.
وعندما يقرر قاضي الاحالة منع محاكمة المدعى عليه فإن عليه أن يضمن قراره الافراج عنه في الحال إذا كان موقوفاً كما سبق وأشرنا وإذا ذهل عن ذلك فإن هذا الذهول يعتبر خطأ مادياً من حقه أن يصححه بنفسه وفقاً لأحكام المادة 214 أصول محاكمات مدنية القاعدة 506.
ويجب على قاضي الاحالة أن يتحرى الوصف الصحيح للمتهم فاعلاً.. أو محرضاً. أو متدخلاً كما أن عليه أن يعطي الوصف الصحيح للفعل نفسه ولو كان أشد من الوصف الذي أعطاه قاضي التحقيق ولو لم يستأنفه وكيل النيابة من هذه الناحية.
وإن هذا الحق ممنوح له بحكم القانون جاء مطلقاً من كل قيد أو شرط جدونما حاجة لوقوع الاستئناف على هذه الناحية انظر القاعدة 246 و474 – 477 و479.
وعليه أن يبحث الأعذار القانونية.. وأسباب التبرير وألأسباب المسقطة للجريمة كالعفو العام والتقادم ولكن ليس له أن يبحث الأسباب المخففة التقديرية القواعد السابقة.
وقرار منع المحاكم الذي يصدره قاضي التحقيق أو قاضي الاحالة ليس له قوة القضية المقضية.. ويجوز فتح تحقيق جديد إذا ما ظهرت أدلة جديدة وهذا ما نصت عليه المادة 163 أصول جزائية والقاعدة 490 و505 وما يليها.
إذن إذا كان قرار منع المحاكمة صادراً عن قاضي الاحالة أو كان قاضي التحقيق أصدر قراره وطعن به لدى قاضي الاحالة.. فإن هذا الأخير هو الذي يضع يده على الدعوى ويجري التحقيقات مجدداً فيها.
إلا أن هذا الأمر يعود لقاضي التحقيق إذا كان قراره بمنع المحاكمة لم يستأنف إلى قاي الاحالة.
عندها يجب أن تقدم الأدلة إلى النيابة العامة لتحيلها بطلب منها إلى المرجع الذي أصدر القرار بمنع المحاكمة.. وعلى هذا المرجع أن يجدد التحقيق وله اصدار مذكرة توقيف جديدة. وليس للنيابة العامة الحق بحفظ الأوراق وعدم احالتها إلى مرجعها انظر القاعدة 370.
وموضوع ظهور الأدلة الجديدة وجواز اجراء التحقيق المجدد مع المدعى عليه الذي تقرر منع محاكمته موضوع خطير ذو شأن بالغ الأهمية يمس شخص وحرية المدعى عليه أكثر من أي طرف آخر من أطراف الدعوى.
وإذا كان القانون أجاز قيام حالة استثناءاً من القواعد العامة والمبادىء المقررة… فإن ما يشفع له ويجعلها مقبولة هو حرصه على تحقيق العدالة وعدم تمكين المجرم من الافلات من قبضة يدها.
ومن امعان النظر بالمادة 163 يستفاد أنه أتى على كل ما من شأنه أن يشكل البينة التي يقوم عليها الحكم في الدعوى العامة بأنه (يعد) من الأدلة افادات الشهود والأوراق والمحاضر التي الخ.. ومن كلمة يعد ند أن الشارع قد ساق هذه الحالات الجديدة وفيها يشمل كل بينة من شأنها البرهنة على جرمية الفاعل.
ومن هذه الأدلة شهادة شهود جدد والوثائق والضبوط التي لم تبرز ليتمكن القاضي من دراستها.. والتي من شأنها تقوية الأدلة التي اعتبرها ضعيفة كأن يكتشف جرم آخر يقوي أدلة الجرم الأول. أو أن تنتقل ألفاظ تفوه بها المدعى عليه منذ منع محاكمته.
ويدخل في الأدلة الجديدة اعتراف المدعى عليه بعد منع محاكمته.
فالشهادات والمحاضر والأوراق التي جاءت عبارتها بنص المادة 163 مطلقة لتشمل كل ما يسمى ورقة هي العماد الأكر في الدعوى الأمر الذ يجعل من الصعوبة بمكان اعتبار الأدلة جديدة.. لأن النص القانوني اشترط في هذه الأدلة أن يكون من شأنها تقوية الأدلة السابقة في الدعوى التي انتهت بقرار منع المحاكمة. وأن يكون من شأنها دفع القضية من جديد في الطريق المفضية إلى ظهور الحقيقة.. باعتبار أن الحقيقة هي الهدف الذي ينشده القضاء بعد الأخذ بعين الاعتبار أن الدعوى العامة لم تسقط.. أو تنقض بسبب من أسباب السقوط أو الانقضاء. وكذلك الأخذ بعين الاعتبار أيضاً أن الأدلة الجديدة هي التي يجهلها ويجهل وجودها قاضي التحقيق أو قاضي الاحالة الذي أصدر قرار منع المحاكمة والتي لم تكن قدمت أو أشير اليها من قبل أحد أطراف الدعوى.
وقد اشترط الدكتور حومد ثلاث شروط لجواز اجراء التحقيق مجدداً أولهما أن يكون قد اكتشف بعد صدور قرار منع المحاكمة وثانيهما أن يكون مرتبطاً بالعناصر المكونة للجرم واشتراك الفاعل في ارتكابه شرطة أن يكمل الأدلة الجديدة وثالثهما أن يكتشف الدليل ويقدم قبل سقوط الجريمة بالتقادم.
وأما الدكتور الفاضل قال إن ما جاء في المادة 163 من الاشارة إلى الأدلة الجديدة. إنما كان على سبيل المثال لا الحصر.. إذ أن القاعدة التي تنظم الأدلة الجديدة مستقاة من التعريف القائل بأن الأدلة الجديدة هي التي تكون مجهولة من المحقق أكثر منها جديدة وهي الصفة المميزة لها انظر القاعدة 360 و390.
إذن الأدلة الجديدة هي كل ما يشمله الثبوت من بينات.. وقرائم وافادات يمكن أن تقضي إلى قيام الشبهة حول المدعى عليه الممنوعة من محاكمته.
والعودة إلى التحقيق انما تتم بعد اكتشاف الدليل الجديد لا قبله. والتحقيق الناقص الذي يؤدي إلى صدور قرار منع المحاكمة لا يجيز المعاودة إلى تحقيق جديد لتدارك أوجه هذا النقص عن طريق الأدلة الجديدة انظر القاعدة 523.
والقاضي الذي يملك حق اجراء تحقيق جديد على ضوء ما يبعثه اليه النائب العام من الأدلة الجديدة هو الذي يملك تقدير ما إذا كانت هذه الأدلة يمكن أن تسمح بالعودة إلى التحقيق من جديد.. وما إذا كانت هناك فائدة يحتمل أن تظهر أم لا انظر الدكتور الفاضل وعبيد والقاعدة السابقة.
ولا بد لقاضي الاحالة حين اصداره قرار منع المحاكمة من مراعاة بعض الأمور في هذا الصدد والتي نصت عليها المادة 149 والتي أتينا على ذكرها بهامش صفحة 546 بكتابنا هذا وقبل أن يكتسب قرار منع المحاكمة الدرجة القطعية سواء أكان اكتسابه عن طريق انقضاء مدة الطعن دون أن يطعن به أحد.. أو عن طريق الطعن به ورد هذا الطعن.
كما أن على قاضي الاحالة أن يعمد إلى اخلاء سبيل الموقوف ورد ما سبق وصودر من أشياء ضبطت أثناء التحقيق بصرف النظر عن الجهة التي قامت بضبطها انظر القاعدة 506.
ومن نص المادة 164 التي حددت الطريقة القانونية التي يتم بها اجراء التحقيق المجدد أن يصدر أثناء هذا التحقيق مذكرة توقيف بحق المدعى عليه ولو كان قد أخي سبيله راجع القاعدة 236.
ولا شك في أن قرار منع المحاكمة يقتضي أن يتضمن الأسباب الداعية له وبيان ما إذا كان قرار منع المحاكمة هذا بني على أساس أن الفعل لا يؤلف جرماً.. أو أن الأدلة غير كافية لاتهام المدعى عليه بما نسب اليه. فضلاً عن وجوب تضمن القرار الأمور التي نص عليها وجوبها القانون في قرارات قاضي الاحالة انظر القاعدة 351 وما يليها و416.
وأما حين يصدر قرار عن قاضي الاحالة بسقوط دعوى الحق العام وكف التتبعات بحق المدعى عليه لابد وأن يكون المستند لهذا القرار احدى الحالات التي حددتها الأصول والتي تنقضي بموجبها الدعوى العامة فجعلت هذه الحالات أسباباً لسقوطها والتي سنأتي على ذكرها في الجزء الثاني الباب الرابع المادة 344 وما يليها ونلخصها بما يلي 1 – وفاة المدعى عليه. 2 – صدور عفو عام يشمل الجرم المسند. 3 – انقضاء الدعوى بالتقادم. 4 – اسقاط الحق الشخصي الذي يسقط بسقوط دعوى الحق العام انظر القاعدة 508.
وعليه يكون منالمقتضى الأصولي حين صدور القرار يوقف الملاحقة أن ينص فيه على توفر احدى هذه الحالات وعلى النص الذي يوجب توقف القاضي عن الاستمرار بالنظر في الأوراق لتقرير احدى النتائج الذي ينتهي قرار قاضي الاحالة بموجبها كقرار الاحالة.. أو التوسيع في التحقيق.. ومنع محاكمة المدعى عليه.. ولا يجوز الاستغناء عن كل تحقيق منتج في الدعوى إلا بعد تمحيصه راجع المواد 149 و152 و159 والقاعدة 257 في هذا الكتاب.
وغني عن البيان أن سقوط دعوى الحق العام لا يغني بحال من الأحوال القول بعدم لزوم التحقيق كما ذهب بعض الفقهاء انظر قضاة التحقيق للدكتور الفاضل فقد جاء في قرار لمحكمة النقض السورية بقرارها رقم 276 جنحة لعام 1967 أن عدم متابعة المدعي الشخصي دعواه الشخصية وعدم حضوره جلسات المحاكمة لا يعني أنه تنازل عن دعواه وفي قرار آخر رقم 2618 لعام 1964 يجوز رؤية دعوى الحق الشخصي والحكم بها بغياب جهة الادعاء الشخصي.
إذن سقوط دعوى الحق العام لا يعني القول بعدم البحث في الدعوى.. لأن القاضي في سبيل التأكد من سقوط الدعوى لابد له من الوقوف على ماهية الجرم المسند إلى المدعى عليه. باعتبار أن انقضاء دعوى الحق العام بالتقادم مثلاً يوجب معرفة نوع الجرم والنصوص القانونية التي تنطبق عليه ولأن الوصف القانوني للجرم ذو تأثير بعيد على تقرير انقضاء دعوى الحق العام بالتقادم.. أو عدم انقضائها. الأمر الذي يوجب البحث في الدعوى ويقتضي لزوم التحقيق وإن لم يتضمن القرار بسقوط دعوى الحق العام لعلة من العلل المشار اليهما بعد التكييف والوصف القانوني وانطباق احدى الحالات التي أدت إلى سقوط الدعوى. فإنه يكون معرضاً للنقض وهذا ما سنأتي على بيانه عند البحث في الطعن بقرارات قاضي الاحالة في الجزء الثاني من هذه المجموعة.
انظر قاضي الاحالة دركزلي والدكتور حومد والفاضل الأصول وعبيد الاجراءات.