Call us now:
الرأي الفقهي
يذهب الفقه في تعليل الدفاع المشروع إلى القول أن دفع الاعتداء لا يعتبر تعدياً وليس هو بخطأ أصغر استغرقه خطأ أكبر منه بل هو عمل مباح مشروع. وتطبيق المقياس المجرد الذي يقاس به ركن التعدي يؤدي إلى هذه النتيجة. فما هو السلوك المألوف للشخص العادي إذا دهمه خطر إنه يدفع بدون شك هذا الخطر بما وسعه من جهة مراعياً في ذلك تناسباً معقولاً بين الخطر الذي يتهدده والوسيلة التي يدفع بها الاعتداء. فإذا لم ينحرف المعتدى عليه عن هذا السلوك لم يكن معتدياً. أما إذا انحرف عنه بأن لم يراع التناسب المعقول بين الخطر والوسيلة لدفعه اعتبر عمله تعدياً يخفف منه الاعتداء الذي بودىء به طبقاً لقواعد الخطأ المشترك (الوسيط للسنهوري ج1 ص895).
وفي تعليل نقص التعويض في حالة تجاوز حدود الدفاع الشرعي ذهب الفقه إلى القول على أن اعتداء المعتدي يعتبر في هذه الحالة مخففاً لمسؤولية الدافع الجزائية نظراً لما ينطوي عليه من استفزاز ويعد فيما يتعلق بالمسؤولية المدنية خطأ مشتركاً مع خطأ المدافع في إحداث الضرر ويستتبع بالتالي نقص التعويض الذي يلزم به المدافع جزاء تجاوزه حدود الدفاع الشرعي ولذلك نصت المادة 166 مدني على أن التعويض الذي يلزم به الدافع في هذه الحالة يجب أن تراعى فيه مقتضيات العدالة. إذ أن العدالة تقتضي في هذه الحالة خفض التعويض عن القدر اللازم لجبر كل الضرر الذي أصاب المعتدي لأن خطأ الأخير هو الذي استفز المدافع وجره إلى الخطأ. ويعتبر نص المادة 166 مدني على ذلك تطبيقاً لحكم الخطأ المشترك المنصوص عليه في المادة 216 مدني. وتتفق حالة الدفاع الشرعي وحالة الضرورة في أنهما من الناحية المدنية تفترضان وجود خطر حال على النفس أو على المال أو على نفس الغير أو ماله وفي أن إلحاق الأذى بالغير بمجاوزة حدود الدفاع الشرعي يكون حكمه لحكم حالة الضرورة من حيث أنه لا يترتب عليه إلا مسؤولية مخففة بالقدر الذي يراه القاضي مناسباً أو تقتضيه العدالة (المسؤولية المدني في تقنيات البلاد العربية للدكتور سليمان مرقس – القسم الأول ص182 وما بعدها).
وأما الأستاذين حسين عامر وعبد الرحيم عامر فقد ذهبا إلى القول بأن من يقوم بالدفاع الشرعي في الحالة التي توجبه فيحدث ضرراً بمن وجه إليه الدفاع لا يعتبر ما وقع منه خطأ يوجب المساءلة. وقد انتهت في لجنة المراجعة للمشروع التمهيدي للقانون المدني إلى أن الدفاع الشرعي هو المحدد بشروطه في القانون الجنائي.
ويشترط في حق الدفاع الشرعي
1 – أن يكون ثمة خطر بالاعتداء وينشأ حق الدفاع بخشية الخطر فيما وقع من فعل فإذا لم يقع أي فعل ايجابي يخشى منه حصول اعتدار إرادي فلا يقوم حق الدفاع الشرعي. والاعتداء الذي يحتمل وقوع جريمة إنما يبيح القانون الدفاع الشرعي كيفما كانت درجة الاعتداء من البساطة أو الجسامة.
2 – أن يكون الخطر حالاً أو على وشك الوقوع أي أن يكون الخطر داهماً بحيث لا يستطاع الحماية بالسلطة العامة ويكتفى في هذا أن يكون الخطر على وشك الوقوع. ولكن الخطر المحتمل لا يبرر الدفاع. كما أن حق الدفاع ينتهي بزوال الخطر.
3 – أن يتعذر الالتجاء إلى السلطة العامة. وليس ثمة ما يوجب على الشخص أن يهرب من مكان الاعتداء أو أن يحاول الهروب منه كوسيلة لمنع الخطر. وإن الحكم الذي ينفي ما دفع به المتهم من أنه كان في حالة دفاع شرعي بمقولة أنه كان بمقدوره أن يهرب ويتجنب وقوع اعتداء منه أو عليه يكون مؤسساً على خطأ في تطبيق القانون (محكمة النقض المصري في 6 أكتوبر سنة 1925 المجموعة السنة الرابعة ص1 رقم 1).
4 – أن يتناسب الدفاع وما يقع من اعتداء. والقياس في هذا بالشخص العادي في نفس الظروف التي أحاطت بالمدافع وبالاعتداء وملابساته الدقيقة التي كان عليه أن يقدرها في الحرج الذي وقعت فيه.
والمسائلة المدنية لا تنتفي في حالة الدفاع الشرعي أو إذا كان المدافع قد اقتصر على القدر اللازم لدفع الخطر فإذا ما تجاوزه فإن ما يقع من ذلك يعتبر خطأ مشتركاً بينه وبين المعتدي وعليهما أن يتقاسما تبعته.
وينتهي البحث إلى أن إذا كان قد قضي بانتفاء المسؤولية الجنائية لما رأته المحكمة الجنائية من أن الفعل لا يعاقب عليه القانون فإن هذا لا يمنع من إمكان قيام المسؤولية المدنية إذا ثبت خطأ من جانب المدعى عليه الذي كان في حالة دفاع. والدفاع الشرعي هو من المسائل الموضوعية فيخضع لسلطة محكمة الموضوع في تقديره وتقريره بغير رقابة من محكمة النقض عليها في هذا إلا إذا تنافر ما تستخلصه محكمة الموضوع في ذلك مع الوقائع الثابتة وهكذا الشأن في تقدير التجاوز عن حدود الدفاع (محكمة النقض المصري في 18 مايو سنة 1953 مجموعة أحكام النقض – السنة الرابعة ص 820 رقم 298 وفي 21 ديسمبر 1953 مجموعة أحكام النقض – السنة الرابعة ص176 رقم 59).
(المسؤولية المدنية التقصيرية والعقدية للأستاذين حسين عامر وعبد الرحيم عامر بحث الدفاع الشرعي – ص167 وما بعد).