الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 176 من قانون الأحوال الشخصية

الرأي الفقهي
أوضح لنا القانون السوري في المادة 172 أن للأب وللجد الولاية على وضع اليد على نفس ومال القاصر على أن لا يكون لغيرهما وهذا الحق وفق المذهب الشافعي ثم عاد فبين في المادة 176 ما يلي
يجوز للأب وللجد عند فقدان الأب أن يقيم وصياً مختاراً لولده القاصر أو الحمل وله أن يرجع عن إيصائه.
وهذه المادة تتفق مع المذهب الحنفي بإعطاء الأب الحق بتعيين وصي مع وجود الجد لأن النص جاء مطلقاً بحق الأب بتعيين الوصي دون أن يقيد ذلك بفقدان الجد.
وبهذا أجاز القانون السوري لكل من الأب والجد أن يقيم وصياً كما أعطى كل منهما الحق بالرجوع عن هذا الإيصاء لأن الإيصاء عقد غير لازم بالنسبة للموصي فله حق العدول متى شاء وفق ما يرى من المصلحة.
ويمكننا ان نلاحظ على القانون السوري أيضاً أنه لم ينص على حق وصي الأب بتعيين وصي بعد وفاته فهل يطبق في حال هذا السكوت المذهب الحنفي وفق المادة 305 منه التي توجب الرجوع إلى الراجح من المذهب الحنفي في مثل هذه الحالة أن نطبق المذهب الشافعي.
إن الموضوع يحتاج لتوضيح من واضع القانون لأنه من الأمور المختلف فيها بين الفقهاء ولأن القانون لم يلتزم في موضوع الولاية المذهب الحنفي حتى يسد هذا النقص. لقد جاء في قرار محكمة النقض أن للأب والجد عند عدم وجود الأب الولاية على مال القاصر ما لم تثبت خيانته أو سوء تصرفاته فيه.
ونرى من نص المادتين 172 و 176 والفارق بينهما أن مذهب الأحناف وسط بين الفريقين فالولاية عندهم للأب فوصيه فوصي وصيه ثم للجد فوصيه فوصي وصيه ثم للقاضي فمن يجعله من قبله وصياً.
والسبب في هذا الترتيب واضح إذا ما لاحظنا الأساس الذي تنبني عليه الولاية.
إن الأب أوفر الناس شفقة على ولده وأحبهم له ولما فيه مصلحته وخيره ووصيه الذي اختاره بنفسه أحق الناس في رأيه بالقيام مقامه بعد موته فإنه ما اختاره وصياً على صغاره من بين سائر الناس إلا ليقينه أنه يتحرى الخير لهم مثله. وكذلك الجد وافر الشفقة على حفيده إلا أنه في هذا دون الأب طبعاً ولهذا يتأخر في الولاية عن الأب كما يتأخر عن وصيه أيضاً لأن ولاية الوصي هي ولاية الأب من حيث المعنى. وقال الزيلمي في هذا إن ولاية الأب تنتقل إليه بالإيصاء فكأن ولايته قائمة بمعنى يقدم عليه (أي على الجد) كالأب نفسه. وهذا لأن اختياره الوصي مع علمه بوجود الجد يدل على أن تصرفه لأولاده أنظر من تصرف الجد. وبما أن الجد جعل قبل وفاته وصياً يلي أمر الصغير بعده فتكون مرتبته في الولاية تالية له لأنه خلفه فيقوم مقامه كما يقوم وصي الأب مقام الأب بعد موته.
والقاضي أمين وخاصة على اليتامى ومن في حكمهم وفي تحقيق العدالة بين الناس فكان له لذلك أن يكون ولياً فإنه ولي من لا ولي له. إلا أنه في الشفقة دون الأب والجد طبعاً فجاء هو ووصيه بعدهما وبعد وصي كل منهما.
وجاء في البدائع ج5 ص155 ليس لأحد سوى هؤلاء من الأم والأخ والعم وغيرهم من الأقارب ولاية التصرف على الصغير من الناحية المالية لأن شفقة كل منهم أقل من شفقة الأب على صغيره والأم ليس لها كمال الرأي والخبرة في الشؤون المالية وإن كانت شفقتها على صغيرها لا تقل عن أبيه إن لم تكن تفوقها.
ولهذا فقد قسم الفقهاء الآباء بهذا الاعتبار إلى حالات ثلاثة
1 – الأب المبذر المعروف بالإسراف وإتلاف الأموال.
2 – الأب السيء التصرف المعروف بفساد الرأي وسوء التدبير.
3 – الأب المعروف بالعدالة وحسن التصرف أو المستور الحال الذي لا يعرف عنه شيء.
أما القانون السوري فلم يصنف الآباء إلى الأنواع التي ذكرها الفقهاء لصعوبة التفرقة بين الأوصاف المحددة.
وإذا كان المولى عليه صغيراً فإن كان بالغاً وبه من الأسباب ما يحجر عليه من أجله كالجنون والعته مثلاً فإن الولاية عليه تكون لمن كان وليه قبول البلوغ من أب أو جد أو وصي بالاتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة. وكذلك إذا بلغ سفيها في رأي أبي يوسف للحجر عليه في قضاء القاضي وحينئذ تكون الولاية عليه ينصبه القاضي كما لا يرفع الحجر عليه إلا بقضاء القاضي أيضاً.
ولكن لو بلغ رشيداً وانقطعت عنه ولاية من كان ولياً عليه ثم أصيب بآفة من الآفات التي تجيز الحجر فإن الولاية عليه تكون للقاضي في مذهب مالك وابن حنبل والأمر كذلك في قول عند الأحناف والشافعية. وفي آخر وهو الراجح ترجح الولاية لمن كانت له قبل البلوغ. راجع عند المالكية الشرح الكبير للدردير ج3 وعند الحنابلة كشاف القناع ج2 وشرح الزيلمي وعند الشافعية شرح المنهج وحاشية البجيرمي ج2.
(من كتاب أحكام الأحوال الشخصية – للدكتور محمد يوسف موسى ص449 وما يليها وأحكام الشريعة الإسلامية – الأستاذ عمر عبد الله ص545 وما يليها والأهلية والوصية والتركات – للدكتور صابوني وسباعي ص98 وما يليها وشرح الأحكام الشرعية للابياني ص118 وما يليها).