الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 18 من قانون العقوبات

الرأي الفقهي

نصت المادة الأولى من الدستور السوري لعام 1973 الفقرة / 1 / على أن الجمهورية العربية السورية دولة ديموقراطية شعبية واشتراكية ذات سيادة لا يجوز التنازل عن أي جزء من أراضيها وهي عضو في دولة اتحاد الجمهوريات العربية. إلا أنه يذهب بعض الفقهاء إلى إطلاق تعبير قانون العقوبات الدولي للدلالة على القواعد التي تحدد سلطان النص الجنائي من حيث المكان. وليس ذلك صواباً. إذ أن هذه القواعد وطنية تصدر عن السلطة التشريعية في كل دولة ويتضمنها في الغالب قانون العقوبات فيها وهي تختلف من دولة إلى أخرى فهي بذلك متجردة مع الطابع الدولي.
ومبدأ إقليمية النص الجزائيإن الإقليمية تتفق وحدود الإقليم الخاضع لسيادة الدولة فالنص يطبق على كل جريمة ترتكب في هذا الإقليم سواء أكان مرتكبها وطنياً أم أجنبياً وسواء أكان المجني عليه فيها وطنياً أم أجنبياً وسواء هددت مصلحة للدولة صاحبة السيادة على الإقليم أو هددت مصلحة دولة أجنبية. وقد تبنى الشارع السوري مبدأ الإقليمية صراحة بنص المواد 15 حتى 18 من قانون العقوبات. المطابقة للقانون اللبناني المأخوذ عن القانون الفرنسي. وقد صدر بعام 1981 القانون 37 بامتداد البحر الآري والمنشور في نهاية هذا الكتاب. كذلك القرار 1051 لعام 1958.
ومبدأ إقليمية القانون الجزائي من المبادئ المسلم بها في كل التشريعات فيسري قانون محل دولة داخل إقليمها ولا يتعداه إلى الخارج. فالقانون الجزائي مظهر من مظاهر سيادة الدولة على إقليمها ويشمل إقليم الدولة لقواعد القانون الدولي العام أجزاء ثلاثة الإقليم الأرضي والإقليم الجوي والإقليم البحري. فالإقليم الأرضي هو المنطقة من الكرة الأرضية التي تعينها الحدود السياسية للدولة وقد حرص الدستوري لعام 1973 وقانون العقوبات السوري والقانون 37 لعام 1981 والقرار 1051 لعام 1958 على بيان هذه الحدود ويشمل الإقليم الأرضي كذلك طبقات الأرض دون هذه المنطقة إلى مركز الكرة الأرضية. وتشمله طبقة الهواء التي تغطيها – أي الإقليم الجوي والإقليم المائي هو مساحات الماء التي تقع داخل حدود الدولة وكذلك بحرها الإقليمي ويشمل مساحات الماء والداخلية الأنهار الوطنية والأجزاء التابعة للدولة من انهار دولية وبحيرات المغلفة والقنوات والمضايق والخلجان الداخلية والموانئ البحرية أما البحر الإقليمي فهو الجزء من البحر العام الذي يلاصق شواطئ الدولة – أو عرضه – وفقاً للقانون السوري ووفق ما أتت على تحديده المواد من 15 – 18 عقوبات عام. وخاصة المادة / 17 / منه.
ووفق ما نصت عليه المادة / 15 / عقوبات تعتبر هذه القاعدة ميسورة إذا تحقق الركن المادي بأكمله في إقليم الدولة ومثال ذلك إذا أطلق الجاني الرصاص ويموت المجني عليه في الإقليم نفسه. إلا أنه إذا تحقق في الإقليم جزء من الركن المادي.. وتحققت أجزاؤه الأخرى في الإقليم ثان فالجريمة تعد مرتكبة في الإقليمين ولسلطات كل إقليم أن تطبق عليها قانونها مثال ذلك أن يعطي الجاني ضحيته سماً في إقليم دمشق.. ثم يموت المجني عليه في إقليم آخر سافر إليه تناوله السم.
وإذا اعتبرنا الركن المادي قائماً على عناصر ثلاثة الفعل والنتيجة الجرمية وعلاقة السببية بينهما نستطيع إفراغ القاعدة السابقة في صياغة محددة بقولنا أن الجريمة تعد مرتكبة في مكان النتيجة وكل مكان تتحقق فيه الآثار المباشرة للفعل التي تتكون منها الحلقات السببية التي تصل ما بين الفعل والنتيجة. إلا أن الشارع السوري واللبناني يرفض بذلك الآراء التي تذهب إلى اعتبار الجريمة مرتكبة في مكان الفعل وحده.
أو في مكان النتيجة وحده أو المكان الذي يتحقق فيه الأثر المباشر للفعل. ذلك لأنه لا مبرر في المنطق القانوني لترجيح أحد هذه الأماكن على سواه فالجريمة قد أخلت بالأمن في كل مكان تحقق فيه جزء من ركنها المادي وهي بذلك مساس بسيادة كل دولة لها على أحد هذه الأماكن سلطان. وهذا التعدد في الأقاليم التي تعد الجريمة مرتكبة فيها ضروري لتفادي فرار الجاني من العقاب إذا قلنا أن الجريمة لا تعد مرتكبة في الإقليم إلا إذا تحقق فيه ركنها المادي بأكمله أو قلنا أن الجريمة تعد مرتكبة في أحد الأماكن التي تجزأ ركنها المادي بينها ولم تكن الدولة صاحبة السيادة على هذا المكان ذات مصلحة في توقيع العقاب وهذا التعدد غير ذي ضرر لأن أغلب التشريعات تقرر عدم ملاحقة شخص من أجل فعل إذا كانت دولة أخرى قد وقعت عليه العقاب من أجله (أنظر المادة 27 عقوبات سوري).
وتطبيقاً لهذه القاعدة فإن الجريمة تعتبر مرتكبة في الإقليم السوري إذا ارتكب فيه الفعل الذي يقوم به ركنها المادي. أو جزء منه ولو تحققت نتيجتها في إقليم آخر.
ويقرر الشارع اعتبار الجريمة مرتكبة في الإقليم السوري لمجرد أنه كان متوقعاً أن تتحقق فيه نتيجتها والفرض في هذه الحالة أن الفعل الذي تقوم به قد ارتكب في خارج هذا الإقليم ويعني الشارع بذلك حالة الشروع إذا ارتكب الجابي فعله خارج سورية متوقعاً أن تتحقق نتيجته في داخل الإقليم السوري ولكنها لم تتحقق فيه. سواء أكانت لم تتحقق على الإطلاق أم تحققت في إقليم سواه فيعتبر هذا الوضع الإجرامي خاضعاً للقانون السوري. انظر المادة 15 عقوبات.
وتطبيقاً للقاعدة السابقة يقتضي تحديد الركن المادي للجريمة تحديداً دقيقاً فتستبعد من نطاقه الأعمال التحضيرية للجريمة.. والأعمال التي تستهدف إخفاء آثارها وإن اعتبرت في ذاتها جرائم متميزة. فإذا اشترى الجاني السلاح في إقليم ثم ارتكب به القتل في إقليم آخر فإن جريمة القتل لا تعد مرتكبة في الإقليم الأول.. وإذا ارتكبت جريمة القتل لا تعد مرتكبة في الإقليم الأول. وإذا ارتكبت الجريمة في إقليم ثم أخفيت جثة القتيل في إقليم ثان فإن الجريمة لا تعتبر مرتكبة في هذا الأخير.
وعند تطبيق هذه القاعدة يتعين مراعاة طبيعة الجريمة فالجريمة المستمرة تعد مرتكبة في كل مكان يتحقق الاستمرار فيه فمن حاز شيئاً مسروقاً وتنقل به في أقاليم عدة دول فجريمة الإخفاء تعتبر مرتكبة في كل هذه الأقاليم. وإذا كانت الجريمة سلبية فهي تعد مرتكبة في كل إقليم كان يتعين على الجاني أن يقوم فيه بالعمل الذي امتنع عنه.
وفي المادة / 17و18 / عقوبات فرق الشارع بين السفن أو الطائرات السورية الجنسية أو السفن والطائرات الأجنبية. فإذا كانت السفينة أو الطائرة السورية وقت ارتكاب الجريمة وخضعت الجرائم المرتكبة فيها للقانون السوري أياً كان المكان الذي كانت موجودة فيه يستوي في ذلك أن تكون في الإقليم المائي أو الجوي السوري أو في البحر العام أو القضاء الجوي الذي يعلوه أو تكون في إقليم مائي أو جوي أجنبي. ولا يفرق الشارع في هذا الصدد بين سفن أو طائرات حربية أو مدنية. وهذا الأحكام منطقية حين تكون السفن أو الطائرات السورية في الإقليم المائي أو الجوي السوري أو تكون في مياه أو قضاء عام وقد استقر القانون الدولي العام أن البحر العام والقضاء الذي يعلوه لا يخضعان لسيادة دولة ما انظر محمد نجيب حسني قانون العقوبات القسم العام ص 137 إذ لا ينازع القانون السوري في التطبيق على ما يرتكب فيها من جرائم آنذاك قانون آخر. أما إذا كانت إقليم مائي أو جوي أجنبي فإن التعليل الحقيقي لهذه القاعدة هو خشية ألا تهتم الدولة الأجنبية بملاحقة مرتكبي هذه الجرائم فيفرون من العقاب وهي نتيجة تتأذى لها العدالة فأراد الشارع تفاديها.
أما السفن والطائرات الأجنبية فلا يطبق القانون السوري على ما يرتكب فيها من جرائم إن كانت وقت ارتكاب الجريمة في إقليم مائي أو جوي أجنبي طالما لم يتجاوز الجريمة شفير السفينة أو الطائرة يريد الشارع بشفير السفينة أو الطائرة ظهرها ويؤكد ذلك الأصل الإفرنسي للفظ شفير ( بورد) ويغني الجريمة التي لا تجاوز السفير التي لا تجاوز ماديتها جسم السفينة أو الطائرة ويكون الجاني والمجني عليه أحد أفراد طاقمها أو ركابها.
وعلة هذا التخلي من جانب القانون السوري أن الجريمة في هذه الحالات لا تخل بالأمن في سورية ولا تهدر مصلحة سورية. وهذه قاعدة مطلقة بالنسبة للسفن أما الجرائم التي ترتكب في طائرة دون أن تجاوز شفيرها فهي تخضع للقانون السوري إذا كان الجاني أو المجني عليه سورياً.. أو هبطت في الأراضي السورية بعد اقتراب الجريمة. وعلة الحكم الخاص في الطائرات أن الجريمة في الحالات الثلاثة السابقة تمس مصلحة سورية.. أو تهدد أمنها بوجود شخص خطر وحق مهدر في أراضيها.
وكذلك تخضع للقانون السوري الجرائم المرتكبة في إقليم أجنبي يحتله الجيش السوري مساساً لسلامته أو إخلالاً بمصالحه.
وتبين هذه القاعدة أن الجيش السوري – كله أو جزء منه يمثل سيادة الدولة السورية في أي مكان حل فيه فتعتبر الجرائم الماسة بسلامته أو مصالحه اعتداء على هذه السيادة. فيكون من حق سورية ملاحقة مقترفيها وتطبيق القانون السوري عليهم.
انظر شرح قانون العقوبات اللبناني الدكتور محمود نجيب حسني والقانون الجنائي أحمد صفوت والدكتور كمال أنور محمد.