الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 208 من قانون الأحوال الشخصية

الرأي الفقهي
1 – ذكر الله تعالى الوصية في ثلاث آيات
أ) قوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين – البقرة 180 -.
ب) وقوله تعالى ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين – النساء الآية 12 -.
ج) وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذو عدل منكم – الآية 106 المائدة -.
يقول كثير من الفقهاء إن الوصية أخت الميراث. ومعنى ذلك أن الوصية الاختيارية هي وصية الإنسان لغيره كما جاء في الآية الأولى.
والميراث هو وصية الله لعباده حيث يقول يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين – الآية 10 النساء – ويقول وإن كانوا أخوة رجالاً ونساءً فللذكر مثل حظ الأنثيين – النساء 176 -.
لا بد لنا في البداية من أن نتناول في هذا الباب موضوع الملكية والمواريث بشكل مختصر. فكل من الوصية والإرث سبب للملكية وهي – الخلافة – والخلفية وهذه تكون في حالتين
1 – الميراث حيث تنتقل فيه الملكية من المورث إلى الوارث بعد وفاته.
2 – الوصية وفيه تنتقل ملكية الموصى به من الموصي إلى الموصى له بعد وفاته.
فعن ذلك لابد من توضيح هاتين الحالتين وتعريف الميراث والوصية بإيجار فنقول
إن الوصية والميراث يتشابهان إلى حد كبير إلا أن بينهما بعض الفروق. ولكن رغم ذلك فكل من الوصية والميراث فيه معنى الاستخلاف. إلا أن الوصية هي إيصاء الإنسان لغيره والميراث وصية الله لعباده.
والقتل مانع من موانع الميراث ومن موانع الوصية فمن قتل مورثه لا يرثه ومن قتل من أوصى له لا يستحق الوصية وهذا موافق لما نصت عليه المادة 223 من هذا القانون.
فالميراث تنتقل الملكية فيه من المورث إلى الوارث بشكل إجباري. أما الوصية فتنتقل الملكية بها بشكل اختياري بالنسبة للمالك أي الموصي وبالنسبة إلى الموصى له أيضاً.
فالملكية بالميراث تثبت بإرادة الشارع فلا دخل للمورث بذلك وسبب ذلك أنه لو أراد المورث حرمان ورثته ما استطاع ذلك لأن إرادة الشارع فوق إرادته ولهذا كان نظام المواريث في الإسلام من النظام العام لا يملك الإنسان الحق في تغييره أو تبديله لأن الشارع حدد الأسهم والأنصبة لكل وارث انظر المادة 238.
وكما أن المورث لا يملك التعديل في الميراث والتغيير فيه من حيث توزيع التركة بين ورثته لأنه بإرادة الشارع ولا دخل لإرادته فيه فكذلك لا دخل لإرادة الوارث في هذه الملكية بل تنتقل جبراً عنه حيث لا يستطيع رد الميراث.
ولهذا قال الفقهاء لا شيء يدخل في ملك الإنسان جبراً إلا الميراث.
أما الوصية فهي ملكية الموصى به في الوصية فتنتقل بإرادة الموصي واختياره وذلك بايجابه حال حياته فالوصية تنشأ بإرادة الموصي لأنها عقد يراد به تمليك جزء من مال المتوفى لشخص أو لجهة بعد وفاته.
وهي اختيارية من ناحية الموصى له فله مطلق الحرية في قبول الوصية أو ردها طالما أنها اختيارية من حيث الإيجاب والقبول. فإذا قبل الموصى له الوصية كان الموصى به ملكاً له وإذا رد الموصى له الوصية صح الرد وعاد الموصى به إلى ملك ورثته الموصي – انظر المادتان 226 و 227.
والوصية وإن كانت اختيارية غير أن الشارع حدد لها مقداراً معيناً لا يجوز للموصي أن يتجاوزه حرمة لحق الورثة. ولهذا فقد أجاز الشارع للإنسان أن يوصي في حدود ثلث ماله لقول رضي الله عنه إن الله تبارك وتعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة على أعمالكم فضعوه حيث شئتم وهذا ما أخذت به المادة 218 من هذا القانون. وهذا في الوصية الاختيارية كما ذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء بخلاف الواجبة حيث لا خيار فيها.
فالوصية تشبه الهبة من حيث أنها تملك بتمليك الغير بدون عوض ويشترط فيها القبول.
وتشبه الميراث من حيث أنها تمليك مضاف إلى ما بعد الموت. والوارث يملك رد الشيء الموروث إذا وجد فيه عيباً إلى صاحبه البائع لأن ثبوت الملك للوارث هو عن طريق الاستخلاص المحض من جميع الوجوه. ولأن ملك الوارث امتداد لملك المورث فيملك الرد بالعيب بخلاف الموصى له.
وإن الملكية لا تنتقل من المورث إلى الوارث إذا اختلفا ديناً لأن اختلاف الدين مانع من موانع الميراث المادة 264 بينما لا يشترط ذلك في ملكية الوصية فيجوز للمسلم أن يوصي لغير المسلم والعكس المادة 215.
وقد عرفت المادة 207 الوصية وكان ذلك التعريف شاملاً لجميع أنواع الوصايا سواء كانت واجبة أو مندوبه وسواء كانت بالمال أو بغيره فإن لفظ تصرف في المادة الملمع إليها يشمل كل ذلك.
وانعقد الإجماع منذ عصر الصحابة حتى عصرنا الحاضر على جواز الوصية.
وعما سبق ذكره لابد من الرجوع إلى المادة 207 أحوال والمادتان 877 و 878 من القانون المدني وقد نصت المادة 877 مدني على ما يلي
1 – كل عمل يصدر من شخص في مرض الموت ويكون مقصوداً به التبرع يعتبر تصرفاً مضافاً إلى ما بعد الموت وتسري عليه أحكام الوصية أياً كانت التسمية التي تعطى لهذا التصرف.
2 – وعلى ورثة من تصرف أن يثبتوا أن العمل القانوني صدر من مورثهم وهو فر مرض الموت ولهم إثبات ذلك بجميع الطرق ولا يحتج بتاريخ السنة إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتاً.
3 – وإذا أثبت الورثة أن التصرف صدر من مورثهم في مرض الموت اعتبر التصرف صادراً على سبيل التبرع ما لم يثبت من صدر له التصرف عكس ذلك كل هذا ما لم توجد أحكام تخالفه. انظر القواعد المدرجة في قسم مرض الموت في نهاية هذا الجزء.
كما نصت المادة 878 على أنه إذا تصرف شخص لأحد ورثته واحتفظ بأية طريقة كانت بحيازة العين التي تصرف فيها وبحقه في الانتفاع بها مدى حياته اعتبر التصرف مضافاً إلى ما بعد الموت وتسري عليه أحكام الوصية ما لم يقم دليل يخالف ذلك.
ومن هذه النصوص نرى أن المادة 207 عرفت الوصية بأنها تصرف مضاف إلى ما بعد الموت.. وهذا تعريف وضعه الذين أعدوا القانون في أدواره الأولى. وخالفوا فيه تعريفات الفقهاء المختلفين فيها. فقد عرفها بعضهم بأنها تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع وبعضهم بأنها تبرع مضاف إلى ما بعد الموت وعرفها الكاساني بأنها اسم لما أوجبه الموصي في ماله بعد الموت. وقال الكرخي في تعريفها أنها ما أوجبه الموصي في ماله تطوعاً بعد موته أو في مرضه الذي مات فيه.
وهذه التعريفات كلها ناقصة.. وتعريف القانون أشمل وأدق وأضبط. ووجه نقصها أن التعريف الأول لا يشمل الاسقاطات كالإبراء ولا يشمل كل ما جاء في القانون على ما سنشير إليه إن شاء الله.
والتعريف الثاني والثالث لا يشملان بعض الوصايا التي اشتمل عليها القانون كالوصية بتقسيم التركة بين الورثة.
وتعريف الكاساني لا يشمل الوصية بأداء واجبات عليه لأنه ما أوجبها على نفسه بل هي واجبة بإيجاب الشارع وما أوجبه هو أداؤها بعد وفاته.
وتعريف الكرخي يجعل تبرعات المريض مرض الموت من باب الوصايا عند إنشائها وهذا لا يتفق مع الوضع الفقهي لها لأن الذي يقرره الفقهاء وفق ما نصت عليه المادتان 877 و 878 من القانون المدني. إن تبرعات المريض المنجزة في حال مرضه تأخذ في إنشائها حكم الهبات.. فيشترط لتكوينها ما يشترط في الهبات وفي الرجوع تأخذ حكم الوصية إن استوفت عند إنشائها شروط الهبة بحيث إذا لم تستوف هذه الشروط عند الإنشاء تبطل ولا يكون لها حكم الوصايا بعد الوفاة فالهبة في مرض الموت إذا لم تقبض ومات الواهب قبل أن يقبضها الموهوب له تبطل ولا تأخذ حكم الوصايا. فتعريف الكرخي قد أدخل في الوصايا ليس منها في حقيقته وإن أخذ حكمها في نهايته احتياطاً لحقوق الورثة وحماية لها.
وكان تعريف القانون أجمع من هذه التعريفات لأنه يشمل كل الوصايا التي اشتمل عليها.. فهو يشمل التمليكات والاسقاطات وتقرير مرتبات.. وتقسيم التركة بين الورثة.. ويشمل ما يكون بالمنافع ويشمل بيان الطريق للوفاء بما على التركة من حقوق إن كان قد بين ذلك الوفاء. فإن هذا وغيره يعد تصرفاً في التركة إذ كلمة تصرف عامة وتشمل هذا وغيره.
ولا ينقص تعريف القانون إذا لم يشمل تبرعات المريض مرض الموت المنجزة التي تأخذ حكم الوصايا فقد بينا أن الفقه الصحيح لا يجعلها من الوصايا من حيث الإنشاء فعدم شموله لها من كمال ذلك التعريف لا من أسباب نقصه.
وأما ركن الوصية التي أتت على ذكره المادة 208 لا بد من التحدث عن أمرين حولها
أولاً – في العبارة التي تنشىء الوصية وما يقوم مقامها.
ثانياً – في ركن الوصية وهل هو إيجاب فقط من الموصي تصرف بإرادته المنفردة. أم هي تنشأ بإيجاب وقبول وما وقت هذا القبول إن كان ثمة حاجة إليه.
فعن الأمر الأول فمن المقرر عند الحنفية أن التصرف ينشأ بالعبارة إن كان المتصرف قادراً عليها ولا تغني الكتابة عن المشافهة إلا إذا كان العقد بالمراسلة فإن المشافهة حينئذ تكون غير ممكنة. فتقوم مقامها المكاتبة وذلك لأن الأصل في الدلالات كلها أن تكون بالألفاظ فلا تنتقل عنها إلى غيرها إلا عند العجز.
فإذا كان عاجزاً عن العبارة كالأخرس والمعتقل كما ذكرنا قامت الإشارة المفهومة.. أو الكتابة مقام اللفظ ومن لا يستطيع النطق ولا يعرف الكتابة اكتفى بالإشارة المفهومة. وإن كان يعرف الكتابة ففي المذهب الحنفي رأيان
أولهما – أنه لا يجوز عقده بالإشارة لأن الكتابة تعبير بالقلم فهي كالنطق في قوة الدلالة.. والإشارة أضعف منها ولا يعدل عن الأقوى إلى الضعيف من طرق الإفهام ما دام الإفهام بالأقوى ممكناً.
وثانيهما – لقد جاء في كتاب الملكية ونظرية العقد للأستاذ أبو زهرة أن الإشارة تكفي في إنشاء العقد لأن العبارة هي الأصل فإذا لم تكن ممكنة ورخص له في غيرها قام كل ما يدل على العقد مقامها والقول الأول هو رواية الأصل والقول الثاني هو رواية الجامع الصغير فكان منشأ القولين هو اختلاف الرواية.
هذا مذهب أبو حنيفة في أحكام العقود عامة ونراه يخالف ما جاء في القانون من ناحيتين
أولهما أنه لا يجوز العقد بغير النطق إلا عند العجز عنه بينما القانون في مادته 208 يجعل الكتابة في مقام العبارة بلا فارق بينهما.
وثانيهما أنه قرر أن الإشارة لا يعمل بها إلا عند العجز عن الكتابة وهذا يخالف الرواية الثانية للمذهب وهي رواية الجامع الصغير ولكن في المذهب بالنسبة للوصية جواز إنشائها بالكتابة ثم قراءتها عليه انظر الهندية والخانية في كتاب الوصايا وأن هذا الحكم يتفق مع قول مالك وقول في مذهب أحمد بن حنبل رضي الله عنهما وقد جاء في المدونة الكبرى في كتاب الوصايا ج 15 ص 13 ما يلي
قلت أرأيت رجلاً كتب وصيته ولم يقرأها على الشهود ودفعها إليهم مكتوبة وقال لهم اشهدوا علي بما فيها ولم يعاينوه حين كتبها إلا أنه دفعها إليهم مكتوبة وقال اشهدوا علي بما فيها فإن مالك ذلك جائز إذا عرفوا أنه الكتاب بعينه.
وقال ابن وهب عن مالك مثله إذا طبع عليها ودفعها إلى نفر وأشهدهم أن ما فيها عنه وأمرهم أن يكفلوا خاتمه حتى يموت قال ذلك جائز إذا أشهدهم أن ما فيه منه.. وعن عاصم بن عمر بن الخطاب أنه إذا أراد سفراً كتب وصيته وطبعها ثم دفعها إلى سالم بن عبد الله بن عمر وقال اشهدوا علي بما فيها إن حدث بي حدث فإذا قدم قبضها.
وجاء في المغنى الجزء السادس ص 481 ومن كتب وصيته ولم يشهد فيها حكم بها ما لم يعلم رجوعه عنها نص أحمد على هذا في رواية إسحاق بن ابراهيم فقال ومن مات فوجدت وصيته مكتوبة عند رأسه ولم يشهد فيها وعرف خطه وكان مشهور الخط يقبل ما فيها. وروي عن أحمد أنه لا يقبل الخط في الوصية ولا يشهد على الوصية المختومة حتى يسمعها الشهود منه أو تقرأ عليه فيقر بما فيها.
ونرى في هذا أن إحدى الروايتين عن أحمد صريحة في موافقة القانون والثانية كرأي مالك وأبي حنيفة تواق القانون ولكن تشترط أن يعلن أن الخط خطه ويقرأها عليه. وبهذا تكون المذاهب الثلاثة موافقة للقانون في الجملة وإحدى الروايتين عن أحمد أوضح في الموافقة لأنها مطلقة كإطلاق القانون.
ولقد جاء في المذكرة الإيضاحية المصرية أن هذا الجزء من القانون مأخوذ من مذهب أحمد بن حنبل فقد قالت لا يشترط فيمن يعرف الكتابة أن يكتب وصيته بخطه بل يكفي أن يكتبها له غيره فيقرأها.. أو يقرأها له غيره فيوقع عليها. أخذاً من مذهب الإمام أحمد بن حنبل فعنده الإيجاب يكون بالقول أو بالفعل الذي يدل على الرضا والتوقيع فعل يدل على الرضا بالمكتوب.
فعن كل ما سبق نرى أنها أخذت من مذهب أحمد ولكن الأحكام التي ذكرتها وجد مثلها في مذهب أبي حنيفة ومالك بالقدر الذي قالته وكان من الأولى عند تخصيصها ورود مذهب أحمد بالذكر كما جاء في إحدى الروايات عن أحمد كما ذكرنا سابقاً.
والقانون يعتبر الوصية تصرفاً ينشأ بإرادة منفردة إذ أنه بمجرد وجود العبارة الدالة على إرادة الشخص لتصرف معين في تركته بعد وفاته تعتبر الوصية قد وجدت بحكم القانون – انظر المادة 208.
ويلاحظ أيضاً أن القانون السوري اعتبر الوصية من التصرفات التي تنشأ بالإرادة المنفردة فإذا صدرت العبارة من الموصي أو ما ينوب عنها من اللفظ كالكتابة أو الإشارة نشأت الوصية صحيحة ولا يحتاج إتمام إنشائها إلى القبول.
إلا أن الملكية لا تثبت إلى الموصى له رغماً عنه بعد وفاة الموصي لأنه لا يجوز أن يملك الإنسان لآخر شيئاً رغماً عنه فقد يكون في الوصية غرم وما لا تحتمل فيه فكيف يتحمل له غرم الموصى به دون قبول منه. ولهذا نص القانون بالمادة 220 أن الموصى له إذا رد الوصية بعد وفاة الموصي بطلت الوصية.
ومن الرجوع إلى نص المادتان 208 والمادة 220 أن الأولى عبرت عن ذلك تنعقد الوصية.. وفي الثانية تبطل الوصية.. مما يستدل به على أن الوصية تنعقد بمجرد الإيجار وأنها تبطل.. ولا بطلان إلا بعد الانعقاد إذا رد الموصى له الوصية.
فمما سبق يتبين لنا أن قبول الموصى له الوصية ليس هو الانعقاد الوصية التي تمت بالإيجاب بل إن القبول هنا هو لثبوت ملكية الموصى به لأن الوصية تصرف مضافاً إلى ما بعد الموت فلا تظهر إشارة إلا بعد وفاة الموصي مصراً على وصيته.
وإذا كان ركن الوصية هو الإيجاب على ما اختاره القانون من الآراء.. فبماذا تتم الوصية أي بماذا تنعقد الوصية قانوناً.
هنا لابد من العودة لنص المادة 208 وما ورد بها من أن الوصية تنعقد بالعبارة أو الكتابة فإذا كان الوصي عاجزاً عنهما انعقدت الوصية بإشارته المفهومة. ونرى هنا بأن القانون أخذ برأي الحنابلة حين سوى بين اللفظ والكتابة للجلالة على الوصية بينما في بقية المذاهب التعبير عن الإرادة لا يكون بالكتابة إلا للعاجز عن النطق.
وعن ذلك نرى أنه حسناً ما ذهب إليه القانون السوري لأنه لا فرق بين الكتابة واللفظ وأن الفقهاء الذين تشددوا في ذلك كانت الكتابة غير متداولة في عصورهم فنصوا على وجوب اللفظ الدال على نية الموصى من القادر عليه فإن عجز عن التعبير بلفظ أياً كان ذلك اللفظ جاز له. وأما إذا كان الموصي لا يستطيع اللفظ أي إذا كان عاجزاً عن النطق فهل تجوز منه الإشارة إذا كان قادراً على الكتابة.
إن الفقهاء على رأيين في هذا الموضوع وفي المذهب الحنفي روايتان
الرواية الأولى إن من عجز عن النطق وقدر على الكتابة فلا تصح منه الإشارة.
والرواية الثانية إن الكتابة والإشارة سواء في التعبير فإذا عبر العاجز عن النطق القادر على الكتابة بإشارته المعهودة صح ذلك.
وقد أخذ قانون الأحوال الشخصية السوري بالرواية الأولى وفق ما نصت عليه المادة (208).
وعلى هذا نرى بأن القانون السوري أخذ بمذهب بن حنبل في التسوية بين اللفظ والكتابة بالتعبير عن إرادة الموصي بالوصية وأخذ برأي الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة والجعفرية وبإحدى روايتين عن الحنفية في عدم صحة وصية العاجز عن اللفظ بالإشارة إذا كان قادراً على الكتابة. وقد جاء في نص المذكرة الإيضاحية للقانون المصري لا تنعقد وصية الناطق إلا بالعبارة أو الكتابة ولا تعقد بإشارته وهو مذهب الحنفية.
وإن ما جاء بنص الماد 93 من القانون المدني يتفق ورأي المالكية حيث لم يعين وسيلة خاصة للتعبير عن الإرادة في التعاقد.
نص المادة 93 من القانون المدني
1 – التعبير عن الإرادة يكون باللفظ وبالكتابة وبالإشارة المتداولة عرفاً كما يكون باتخاذ موقف لا تدع ظروف الحال شكلاً في دلالته على حقيقة المقصود.
2 – ويجوز أن يكون التعبير عن الإدارة ضمنياً إذا لم ينص القانون أو يتفق الطرفان على أن يكون صريحاً.
نرى أن القانون يعتبر الوصية كما سبق وذكر تصرفاً ينشأ بإرادة منفردة إذ أنه بمجرد وجود العبارة الدالة على إرادة الشخص لتصرف معين في تركته بعد وفاته تعتبر الوصية قد وجدت بحكم القانون.
ملخص بتصرف من كتاب قانون الوصية – أبو زهرة صفحة 9 وما يليها والأهلية والوصية والتركات – صابوني وسباعي صفحة 237 وما يليها والميراث والوصية – محمد زكريا البرديسي صفحة 102 وما يليها.