Call us now:
الرأي الفقهي
إن ما نص عليه قانون الأحوال السوري جاء متفقاً وسائر المذاهب الفقهية حيث يشترط في صحة الوصية ألا تكون بمعصية وألا يكون الباعث عليها منافياً لمقاصد الشارع.
وبطلانها أمر متفق عليه في القانون وسائر المذاهب كما سنذكره في باب بطلان الوصية وإن اختلفوا فيما بينهم في المراد بالمعصية أو بتفسير الأمر المنهى عنه باختلاف آرائهم حول هذا الموضوع فيما يراه بعضهم محرماً قد يراه الآخر مكروهاً مثلاً.
وفي تفسير المحرم أو الوصية بمعصية – في القانون – هو بما جاء في المذهب الحنفي في تحديده للأمور المحرم ايصاؤها وغير المحرم. غير أن القانون المصري أضاف إلى شروط صحة الوصية ألا يكون الباعث عليها منافياً لمقاصد الشرع والقانون السوري لم يأخذ بذلك رغم أنه استقى معظم أحكامه من القانون المصري. انظر نص قانون الوصية المصري رقم 71 لعام 1946 في ملحق هذه المجموعة الخاص بالنصوص القانونية.
ومن الرجوع إلى نص القانون المصري نلاحظ فيه مشروعية الباعث في اشتراطه لصحة الوصية وعدم النص على ذلك في القانون السوري في الأمور التالية
1 – لما كانت نظرة الفقهاء تختلف بالنسبة إلى البواعث من حيث التحريم والكراهية والإباحة فقد قيد المشرع المصري في مذكرته الإيضاحية أن يكون الباعث حراماً أو مكروهاً كراهة تحريم وفق ما جاء في المذهب الحنفي وما يراه الحنفية أن ما أمره الشارع بالنهي على سبيل الإلزام بدليل قطعي كان محرماً كقوله تعالى ولا تقربوا الزنا وإن كان النهي عنه بدليل ظني كان مكروهاً كراهة تحريمه كقوله عليه السلام (لا يبع أحدكم على بيع أخيه) وإن كان النهي على سبيل الإلزام بل على سبيل الاستحسان والترجيح كان مكروهاً تنزيهه كقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسوؤكم.
2 – طالما أن البواعث على الوصية قد تختلف وقد تتنوع فقد يكون للوصي أكثر من باعث بعضها مشروع وبعضها غير مشروع ففي هذه الحالة يجب الأخذ بعين الاعتبار الباعث الرئيسي على الوصية دون بقية البواعث فإن كان مشروعاً صحت الوصية وإلا كانت وصية باطلة انظر المادة 210.
3 – ونلاحظ أن القانون السوري لم يجعل الباعث شرطاً في صحة الوصية لأن العبرة في سائر العقود لدى مختلف المذاهب للألفاظ ولا عبرة بالنوايا والبواعث إلا من خلال الألفاظ الدالة عليها فإن لم تعرف النية أو القصد من لفظ يدل عن النوايا دون ذلك غير سهل وغير ميسور ولهذا كان لابد للقضاء المصري من البحث جدياً عن مشروعية الباعث لدى الموصي وأن تقوم قرائن تدل على أن الباعث كان غير مشروع بشكل لا يدع مجالاً للشك.
فمن أوصى لخليلته في حال صحته فالباعث هنا يختلف عن الباعث فيما إذا أوصى لها وهو مريض يحتضر لأن الباعث في الحالة الأولى قد يكون لاستمرار صلته غير المشروعة بها أما الباعث في الحالة الثانية فلا يمكن تفسيره بذلك بل على العكس قد يكون لتشجيعها على ترك ما هي عليه من المعصية إذا توافر لها مبلغ من المال تعيش منه.
والوصية بالإضرار باطلة كالوصية بأكثر من الثلث أو الوصية لأحد الورثة فهذه وصية محرمة لقوله تعالى من بعد وصية أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حكيم وفسر القرطبي غير مضار أي غير مدخل الضرر على الورثة بأن يزيد على الثلث أو بأن يوصي لوارث حالة لا يجوز له فيها ذلك مضارة. والمضارة تبدو لنا في المثل التالي لو أوصى بثلث ماله لبعض ورثته فإن لم يجيزوا فللفقراء والمساكين فهذا دليل على قصد الضرر بالورثة – انظر المواد 218 و219 و258 سوري -.
فمن الرجوع لنص المادتين (209 و210) نرى أن في الحالة الأولى تعتبر الوصية باطلة وفي الحالة الثانية تعتبر صحيحة والشرط باطل.
إذاً إن اقتران الوصية بالشرط هي ثلاثة أنواع الأول شرط صحيح والثاني فاسد والثالث باطل
1 – الشرط الصحيح هو ما وافق مقتضى العقد أو كان ملائماً وليس محظوراً أو جاء بجوازه دليل شرعي أو جرى العرف بين الناس على اشتراطه.
أ – الشرط الذي يقتضيه العقد أي الذي يعتبر أثراً من آثاره كمن اشترط على ورثته في الوصية أن تنتقل ملكية الموصى به إلى الموصى له بمجرد قبول الوصية فهذا شرط يوافق مقتضى العقد لأن من آثار عقد الوصية نقل ملكية الموصى به إلى الموصى له بعد القبول.
ب – والشرط الملائم للعقد كما لو اشترط الموصي أن يكون انتفاع الموصى له بالموصى به على شكل معين كان يحدده بوقت أو أن يحدد له بداية معينة أو يشترك مع آخر في الانتفاع. فمن أوصى بمنفعة داره لآخر فله أن يشترط عليه عدم استغلالها للغير أو أن يشترط عليه أن يسكنها. فهذه شروط تلائم حكم عقد الوصية.
ج – الشرط الذي جاء بجوازه دليل شرعي فهو كما لو أوصى شخص لآخر بألف ليرة على أن تسلم به بعد مرور سنة على وفاته أو أن يقرض الورثة شخصاً مبلغاً من المال على أن يؤديه الموصى له بعد سنة من تاريخ إقراضه أو الوصية بتأجيل وفاء دين مدين.
د – الشرط الأخير ما جرى العرف بين الناس على اشتراطه في عقد الوصية فهو شرط صحيح ما وافق العرف أن يجعل له رضياً ويجعل عليه ناظراً مثلاً.
ونلاحظ في هذه الأقسام الأربعة من الشروط الصحيحة أن القسمين الثالث والرابع إذا كانا ملائمين لحكم العقد كانا من القسم الثاني ولهذا فالمراد بهما هنا أنهما شرطان غير ملائمين لحكم العقد ولا لمقتضى العقد أي أن الأصل فيهما أن يكونا من الشروط الفاسدة إلا إذا ورد دليل عن الشارع بجوازهما أو دل العرف على صحتهما لتعامل الناس بها أي أن يكون مصدر شرعيتهما الدليل أو العرف لا الملائمة ولا المقتضى.
وحكم الشرط الصحيح هو وجوب الوفاء به لأنه يصبح جزء من العقد.
2 – الشرط الفاسد هو ما كان غير موافق لمقتضى العقد ولم يرد به نص ولم يجر به عرف وكان مشتملاً على منفعة لأحد العاقدين أو لغيرهما كمن وصى لآخر بالانتفاع بعين معينة وإذا مات الموصى له قبل عشر سنوات من الانتفاع فإن بقية المدة تنقل إلى ورثة الموصى له أو لغيرهم وبعد مضي عشر سنوات تنتقل إلى ورثة الموصي.
3 – الشرط الباطل ما كان غير موافق لمقتضى العقد ولم يرد به نص ولم يجر به عرف وليس فيه نفع لأحد العاقدين ولا لغيرهما. مثلاً كان يوصي بسيارة ويشترط عليه ألا يبيعها.
وحكم الشروط المقترنة بالوصية عرفها القانون السوري بمادته 210 وقد نقل أحكام هذه المادة عن القانون المصري في المادة 4.
وهذه الأحكام في الشروط المقترنة بالوصية تتفق مع مذهب الحنفية وما ذهب إليه الإمامان ابن تيمية وابن القيم من فقهاء الحنابلة.
ونرى أنه لا فرق في القانون السوري بين الشرط الفاسد والباطل فكلاهما غير صحيح وكل شرط غير صحيح يلغى ويصح عقد الوصية وذلك وفق ما نصت عليه الفقرة الرابعة من المادة 210 انظر المادة 220 أحوال.
وخلاصة ما سبق ذكره أن الشرط الباطل يلغى ويصح العقد وتبطل الوصية والشرط معاً في حالتين
1 – إذا دل هذا الاشتراط على باعث غير مشروع.
2 – إذا آلت الوصية كلها إلى معصية بحيث لا يمكن فصل الشرط عن الوصية.
أما استمرار المصلحة المقصودة بالفقرة الثالثة من المادة 210 وما يتضح منها هو أن يعمل بهذا الاشتراط ما دامت المصلحة المقصودة من اشتراطه محققة.
وحكم الوصية المعلقة على شرط أو مضافة إلى المستقبل هو ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 210 والمادة 3 من قانون الوصية المصري.
ونلاحظ في القانونين أجاز صحة الوصية المضافة إلى المستقبل أو المعلقة على شرط. والاضافة إلى المستقبل من حيث الأثر لا لزوم للنص عليها لأن الإضافة هنا تثبت حكماً وإن لم يذكرها الموصي لأن الوصية من التصرفات التي لا تتم إلا بعد الوفاة فالإنشاء في وقت وترتب الأثر في وقت آخر هو بعد الموت والله أعلم.
ملخص بتصرف من المراجع السابق.