الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 219 من قانون الأحوال الشخصية

الرأي الفقهي
اشترط الفقهاء لصحة الوصية في الموصى به أن يكون
1 – مالاً. 2 – متقوماً. 3 – قابلاً للتمليك. 4 – غير مستغرق بالدين. 5 – غير زائد على الثلث.
وأمام هذه الشروط لا بد من تفصيلها فنقول
1 – أن يكون مالاً لأن الوصية تمليك ولا يملك غير المال سواء كان مالاً كالدراهم والدنانير والأشياء العينية أو مالاً حكماً كالمنافع مثل سكنى الدار وزراعة الأرض وركوب الدابة والسيارة وغيرها.
وعلى هذا الشرط لا تصح الوصية بمثل الميتة والدم وجلد الميتة قبل الدباغ لأنها ليست مالاً أصلاً. ولم يذكر القانون هذا الشرط لأن الوصية كما عرفها القانون لا تقتصر على الوصية بالمال وما يتعلق به ولذلك نص القانون على جواز الوصية في الأمور التي ذكرتها المواد 217 – 218 – 219.
2 – أن يكون مالاً متقوماً أي في عرف الشارع تمثل الوصية بالخمر والخنزير والكلب لا تجوز لأنها وصية بما لا يعتبرها الشارع مالاً في حق المسلم ولو أوصى غير المسلم لأبناء صلته بخمر أو خنزير جاز لأنها أموال متقومة عندهم ولذلك يجيز المسلم على ثمن ما أتلفه للمسيحي من خمر أو خنزير ولا يجبر المسيحي إذا أتلفها للمسلم.
3 – قابلاً للتمليك أي يجب أن يكون الموصى به مما يصح تملكه بعدد من العقود في نظر الشريعة لأن الوصية تمليك فما لا يقبل التمليك لا تنعقد الوصية به ومن ذلك
أ – لو أوصى بمنفعة ما له لإنسان كسكنى الدار وركوب الدابة جاز لأنه يملك بالبيع أو الهبة.
ب – لو أوصى بمنفعة ما له لإنسان كسكنى الدار وركوب الدابة جاز لأنها تملك بالإجارة.
ج- – لو أوصى بما تثمر نخيله أبدا جاز لأن شراء الحبوب والمنتجات الزراعية قبل وجودها جائز وهو عقد السلم في الفقه الإسلامي.
د – لو أوصى بما في بطن بقرته أو غنمه جاز لأنه مما يملك بالإرث.
ه- – لو أوصى بما ستلد أغنامه لا يجوز لأنه لا يقبل التمليك بعقد من العقود في الشريعة ولهذا كان شراء الحمل قبل أن يوجد باطلاً.
و – لو أوصى بدينه الذي له على فلان جاز لأن هذه في الحقيقة وصية بالعين أي بالدراهم التي في ذمة المدين.
وعند الحنفية خلافاً للمالكية لا يجوز تمليك الدين أو هبته إلا ممن عليه الدين.
4 – أن لا يكون مستغرقاً بالدين وذلك أن الديون مقدمة في التعلق بمال الميت على كل حق بعد تجهيز الميت وتكفينه ولأن أداء الدين واجب والوصية في غير الواجبات مندوبة أو مباحة والواجب مقدم على المندوب والمباح.
وقد يقال إن القرآن الكريم قدم الوصية على الدين في آيات المواريث حيث قال من بعد وصية توصون بها أو دين – الآية 12 النساء وذلك مما يشعر بتقديم الوصية على الدين. وهذا خطأ.
والصح أن الإجماع منعقد على تقديم الدين على الوصية وتقديمها في القرآن على الدين لا يدل على تقدمها في المرتبة عليه وإنما ذلك للتنبيه إلى أهمية الوصية ووجوب إخراجها خوفاً من أن يهمل الورثة تنفيذها لأنها تبرع من الميت تعلق بما لهم فأراد القرآن أن ينبه الورثة إلى وجوب إخراجها لأن المدين غالباً من يطالب به أكثر من الوصية.
ويدل على ذلك ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال إنكم تقرؤون الوصية قبل الدين وقد شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بالدين قبل الوصية. رواه أحمد والترمذي.
وقد تصح الوصية بدين مستغرق في حالتين الأولى – إذا أبرأ الغرباء المدين وأسقطوا ديونهم جازت الوصية حينئذ. والثانية – إذا أجاز الغرماء إنفاذ الوصية قبل الدين جازت الوصية أيضاً.
5 – أن لا تزيد الوصية على الثلث أجمع العلماء في وجوب الاقتصار في الوصية على الثلث فإذا أوصى بأكثر من ذلك ولم تجز الورثة هذه الزيادة بطلت وذلك مؤيدة بقوله صلى الله عليه وسلم إن الله تصدق عليكم ثلث أموالكم عند مماتكم رواه ابن ماجة والدار قطني. مما يدل على أنه لا شيء له فيما زاد عن الثلث وإنما هو حق الورثة فإذا رفضوا لم يكن لأحد أن ينفذ عليهم ذلك.
أما إذا أجاز الورثة إنفاذ الوصية بما زاد عن الثلث رعاية لحقهم جاز ذلك لدى جمهور الفقهاء.
وقال داود وبعض أهل العلم ليس لهم الإجازة بأكثر من الثلثين وليس لأحد أن يجيز ما أبطله الشارع ولهم أن يهبوا ومن أموالهم للموصى لهم ما يشاؤون ولكن ذلك هبة مبتدأة لا إنفاذاً للوصية.
ويشترط فيمن يجيز من الورثة أن يكون من أهل التبرع وهو العاقل البالغ فأما الصبي والمجنون والمحجور عليه لسفه فلا تصح الإجازة منهم لأنها تبرع بالمال وهم ليسوا أهلاً لذلك.
أما إذا أوصى بكل ما له ولا وارث له قال أبو حنيفة وأحمد إن وصيته جائزة بكل ماله لأنه زال المانع ولا وارث له يتعلق حقه بماله.
وقال الشافعي ومالك والظاهرية لا تجوز بأكثر من الثلث لأن بيت المال يستحق التركة في هذه الحالة ويزيد الظاهرية ما زاد على الثلث يعتبر تجاوزاً لحدود الشرع.
ومما سبق ذكره نرى أن القانون أخذ بالرأي الأول منه كما نصت عليه الفقرة الرابعة من المادة 238 على أنه تنفذ وصية من لا دين عليه ولا وارث له بكل ماله من غير توقف على إجازة أحد كما لو أوصى شخص لزوجته ولم يكن هناك وارث له سواها. وقد كان ينبغي ذكر هذه المادة في هذا الموضوع أي من المادتين 116 – 219.
وإن ما ورد في ذكره في المادة 216 من هذا القانون يتفق مع الشرط الفقهي إلا أنه قيده بقوله بعد موت الموصي وهذه عبارة مبهمة تحتمل معنى لا يظن أن واضعي القانون قصدوه ألا وهو الاحتراز بهذا القيد عن الايصاء بما كان يقبل التمليك عند الايصاء ثم أصبح غير قابل للتمليك بعد موت المصين كأن يوصي بعصير العنب ثم يموت وقد أصبح عصير العنب خمراً فإن الوصية تبطل لأن الخمر لا يجوز تملكه في الإسلام.
ملخص بتصرف من كتاب الميراث والوصية للبرديسي ص 99 وما يليها وكتاب الأهلية والوصية والتركات – صابوني وسباعي صفحة 365 وما يليها والوصية – أبو زهرة ص 55 وما يليها.