Call us now:
الرأي الفقهي
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا بد لثبوت الملكية في الموصى له من قبول الوصية لأنه لا يجوز أن يدخل في ملك الإنسان شيء جبراً عنه سوى الميراث. والقبول يصح بكل لفظ يدل عليه أو بكل فعل يدل على القبول فلو تصرف الموصى له بالموصى به اعتبر هذا التصرف قبولاً وانتقلت ملكية الموصى به إليه.
ولا يصح القبول إلا بعد وفاة الموصي مصراً على وصيته فلو أوصى شخص لآخر فقال له قبلت الوصية. فلا عبرة لهذا القول ما دام الموصي حياً إذ أن القبول يجب أن يكون بعد موت الموصي. وسبب ذلك
1 – إن آثار الوصية لا تظهر إلا بعد الوفاة لأنها تصرف مضاف إلى ما بعد الموت. وكان عقد أو تصرف أضيف إلى زمن فلا تظهر آثاره قبل مجيء الزمن المضاف إليه.
وطالما أن أثر الوصية لا يكون إلا بعد الوفاة فلا معنى لقبول الوصية قبل وقت تنفيذها لأن التمليك في الوصية ليس منجزاً كسائر عقود التمليك. ولهذا لو مات الموصى له المعين قبل موت الموصي بطلت الوصية لأنه مات قبل مجيء الوقت الذي أراده الموصي أن يملكه الوصية فيه.
وهذا ما ذهب إليه جمهوري الفقهاء وقال الحسن تكون الوصية لولد الموصى له.
وقال عطاء إذا علم الموصي بموت الموصى له ولم يعدل عن وصيته فهي لوارث الموصى له.
2 – إن الوصية من العقود غير اللازمة إذ يستطيع الموصي أن يرجع في وصيته في كل وقت فلا معنى للقبول والموصي يملك الرجوع عنها.
3 – إن القبول هو لثبوت الملكية في الموصى به لا لإنشاء الوصية إذ أن الوصية تنشأ صحيحة بمجرد الإيجاب ولكن الملكية لا تنتقل إلا بالقبول. وهذا لا يكون إلا بعد الوفاة.
وكذلك ذهب الفقهاء إلى أن رد الوصية حال حياة الموصي لا يصح إذ لا عبرة بالرد إلا وقت ثبوت الملكية ولا تثبت الوصية في حال حياة الموصي لأنه يملك الرجوع عنها.
إلا أن الإمام زفر خالف في ذلك الإمام زفر بن الهذيل من تلاميذ أبي حذيفة ولد عام 110 ه- وتوفي عام 158 ه- قال إن رد الموصى له الوصية حال حياة الموصي صحيح وعلى ذلك فلا حاجة للقبول بعد الوفاة لأن الموصى له إذا لم يرد الوصية حال حياة الموصي فقد تمت الوصية صحيحة بإيجاب الموصي وعدم رد الموصى له فلا حاجة لقبولها بعد الوفاة إذ أنها أصبحت صحيحة ولازمة التنفيذ ولا يملك الموصى له ردها. وبهذا الرأي أخذ الاباضية من الخوارج.
وبهذا الرأي تكون الوصية كالميراث للموصى له بمجرد الوفاة وبشكل إجباري كما يثبت الميراث للوارث دون اختيار منه ولا يحتاج إلى قبوله. وإن كان هناك بعض الفروق بين الوصية والإرث فالوصية بإرادة الموصي.. والميراث بإرادة الشارع. إلا أن هذه الفروق لا تغير في طبيعة الملكية وأنها تثبت بطريق واحد ألا وهو طريق الخلافة من الموصي إلى الموصى له.. وبسبب واحد وهو الموت.
إلا أن جمهور الفقهاء ردوا قول زفر بقولهم أن لا شيء يثبت ملكية الإنسان جبراً عنه سوى الميراث بمقتضى نص الشارع. وأن الموصى له إذا لم يعط حق رد الوصية فكأننا ألزمناه بملكية لا خيار له في قبولها فقد يكون في ذلك بعض الضرر المعنوي والمادي إذ ليس كل إنسان يتحمل منه الآخرين بقبول وصاياهم بل إن من المحتمل أن يحتاج الموصى به إلى نفقات تزيد على منافعه.. فكيف تلزمه بقبول هذه الملكية وإن قياس الوصية على الميراث قياس غير صحيح لأن الميراث ثبت بحكم الشارع وله صفة الإلزام. والوصية فهي تثبت بإرادة الموصي وليس للموصي هذه القوة ليلزم الموصى له بقبول الوصية.
وأما إذا رد الموصى له حال حيازة الموصي قال زفر بطلت الوصية فإذا مات الموصي بعد رد الموصى له لا يملك الموصى له حق القبول لأن الوصية بطلت حين ردها الموصى له وهذا الرد أبطل الصيغة المنشئة لها فكأنه لم يعد هناك وصية. وإذا جاء الموت وقبل الموصى له فكأنه قبول دون إيجاب فلا يصح لأنه يشترط بقاء الإيجاب في سائر العقود إلى وقت القبول بما أن الإيجاب قد بطل حين حياة الموصي إثر رد الموصى له فكل قبول بعد ذلك غير صحيح.
إلا أن رأي جمهور الفقهاء بقول زفر هذا بأنه لا عبرة للرد أثناء حياة الموصي لأن أثر الوصية لا يثبت إلا بعد وفاة الموصي.
ومما لا خلاف فيه أن الموصي يملك حق الرجوع عن وصيته على كلا الرأيين سواء صح الرد والقبول حال حياته أم لم يصح ذلك لأن الوصية تبرع مضاف إلى ما بعد الموت ولا إلزام بالتبرعات.
غير أننا نرى أن رد الوصية في حياة الموصي قد تنتج عنه فوائد للموصي والموصى له وللجهة الموصى لها. فإذا رد الموصى له الوصية والموصي حي فلعل الموصي يوصي لآخر وخاصة إذا كان الوصية لجهة خير أو بر. أما إذا لم يعلم الموصي مصير وصيته ومات وهو مصر عليها فقد يرد الموصى في الوصية وهذا بخلاف إرادة الموصي. وعلى هذا فقول ان اعتبار صحة الرد للوصية حال حياة الموصي فيه احترام لإرادة الموصي المنشئة لهذا العقد أما إذا كان خلاف ذلك فهي هدر لإرادته.
وكذلك بالنسبة إلى الموصى له إذ أن رده إذا لم يكن معتبراً ولا أثر له فمعنى ذلك إلغاء إرادة هذا الشخص أما إذا اعتبرنا رده صحيحاً نكون بذلك قد احترمنا إرادته.
عن كل ذلك نرى بأن القانون السوري والقانون المصري أخذا برأي جمهور الفقهاء مع الحنفية باشتراط الرد والقبول بعد وفاة الموصي وكل رد أو قبول في حياة الموصي باطل لا أثر له خلافاً لمذاهب زفر كما رأينا سابقاً.
إلا أن القانون السوري يختلف عن القانون المصري فيما لو مات الموصى له قبل القبول والرد فذهب القانون السوري مذهب الحنفية من أن ملكية الموصى به تنتقل بعد وفاة الموصى له دون قبول أو رد إلى ورثته. أما القانون المصري فقد أخذ بمذهب جمهور الفقهاء بانتقال حق القبول والرد إلى ورثة الموصى له فإن قبلوا الوصية انتقلت ملكية الموصى به إليهم وإن ردوها عادت إلى ورثة الموصي. وكذلك اختلف القانون في تحديد المدة المعينة للقبول أو الرد فقد اشترط القانون السوري أن يكون رد الموصى له خلال ثلاثين يوماً من وفاة الموصي أو من تاريخ علم الموصى له بالوصية (المادة 227 أحوال سوري). أما القانون المصري فقد حدد ثلاثين يوماً من تاريخ إعلام ورثة الموصي الموصى له ببيان رأيه في القبول والرد وهذا قد يكون أثر وفاة الموصي أو بعد ذلك وتحديد موعد هذا الإعلان الرسمي متروك لورثة الموصي سواء أرسلوه للموصى له أم لورثته إن توفي دون قبول أو رد.
والأثر الذي يترتب على ذلك بأنه إذا مضت المدة المحددة وهي ثلاثون يوماً دون قبول أو رد ففي القانون المصري تعتبر الوصية باطلة وتعود ملكية الموصى به إلى ورثة الموصي.
أما القانون السوري فالملكية تنتقل إلى ورثة الموصى له إثر وفاته لأن الوصية لا تحتاج إلى قبول أو رد من ورثة الموصى له لأن عدم الرد حال حياة الموصى له يعتبر قبول فبوفاة الموصى له تصبح الوصية من تركته كبقية أمواله يتوزعها ورثة الموصى له حسب الميراث الشرعي.
وعن ذلك نرى أن القانون السوري أخذ بالمذهب الحنفي من حيث القبول والرد على أن يكون بعد وفاة الموصي – المادة 227 -.
وأما الوصية لفاقد الأهلية كالمجنون فإن قبول الوصية أو ردها يكون من وليه المالي الذي يباشر تصرفاته نيابة عنه لأن جميع تصرفات فاقد الأهلية باطلة لا أثر لها بخلاف ما لو كان عاقلاً حين وفاة الموصي وعلم بالوصية ثم جن فتعتبر تامة – المادة 226 – انظر المادة 163 و200.
وأما حكم الوصية لناقص الأهلية كالصبي المميز والمحجور عليه لسفه أو غفلة فقد اختلف القانون عن الفقه الحنفي في هذا الموضوع وعن المبادىء العامة المقرر بتصرفات الصبي المميز وذلك أن سائر تصرفات ناقص الأهلية النافعة نفعاً محضاً تصح منه دون إذن وليه والوصية من التصرفات النافعة نفعاً محضاً على رأي فريق من الفقهاء. ولكننا نرى أن بعض الوصايا قد لا تكون كذلك لأن غرمها أكثر من غنمها فتكلف الموصى له نفقات أكثر مما ينتفع به منها ولهذا ذهب القانون المصري بالمادة 20 من قانون الوصية إلى عدم صحة قبول الوصية من الموصى له سواء كان فاقد الأهلية أو ناقصها. إذ لا بد من إذن وليه المالي الذي يقوم بالقبول أو الرد نيابة عنه.
إلا أن القانون السوري أعطى الوصية الحق بقبول أو رفض الوصايا المحملة بالتزام بإذن القاضي وأما الوصايا غير المقيدة فلم ينص عليها ويرجع في تفسيرها للمذهب الحنفي إذ أن القانون السوري نص على شطر من الحكم وترك الشطر الآخر للمذهب الحنفي حسب إحالته بالمادة 305 من ذات القانون انظر المادة 182 من ذات القانون.
وهكذا يبدو أن القانون السوري لم يخالف المذهب الحنفي في جزء مما ذهب إليه بخلاف القانون المصري الذي سلب الصبي حق قبول الوصية غير المحملة بالتزام وهو نفع محض ولا شك فيه.
وجاء نص المادة 228 من القانون السوري منسجماً مع قواعده العامة في هذا الموضوع وإذا رجعنا إلى القواعد العامة في انعقاد العقود نرى أن الفقهاء يشترطون لصحة عقود المعاوضات موافقة القبول والإيجاب.
وقد جاء في كتاب البدائع عن الوصية ج 7 ص 334 أما الذي يرجع إلى نفس الركن فهو أن يكون القبول موافقاً للإيجاب فإن خالف الإيجاب لم يصح القبول لأنه إذا خالفه لم يرتبطا فيبقى الإيجاب بلا قبول فلا يتم الركن.
وجاء للسرخسي في المبسوط ج- 27 ص 147 لو أوصى رجل لرجلين بثلث ماله فرد أحدهما بعد مدة كان للآخر حصة من الوصية إذا قبل لأنه في حق الراد منهما بطلت الوصية برده ولو بطلت بسبب آخر بأن كان وارثاً جاز في حق الآخر فكذلك إذا بطلت برده وهذا لأن الشيوع لا يمنع صحة الوصية.
ويبدو الخلاف واضحاً بين النصب مما أدى إلى خلاف بين الفقهاء المعاصرين في جواز تجزئة القبول فالموصى له إن كان واحداً إما أن يقبل الوصية أو يردها وكذلك إذا كان الموصى لهم أكثر من واحد لا يجوز لأحدهم أن يقبل وللآخر أن يرد. أما إذا كان الموصى به قابلاً للقسمة فيصح تجزئة القبول والرد أبو زهرة ص 22 قانون الوصية.
وإن عقود التبرعات لا يشترط فيها مطابقة القبول للإيجاب ولهذا إذا قبل بعض الموصى لهم ورد بعضهم أو قبل الموصى له بعض الوصية ورد بعضها فالوصية صحيحة سواء أكانت تحتمل القسمة أم لا ومقتضى هذا الرأي أنه لا يجوز قياس عقود التبرعات على عقود المعاوضات.
وقد ذكر الزيلمي في تبين الحقائق ج 7 ص 322 أنه لو وهب شخص لاثنين شيئاً لا يحتمل القسمة فقبل أحدهما ورد الآخر جازت الهبة في حصة من قبل منهما إذا تسلمه شائعاً ولا يكون رد الآخر مبطلاً للهبة بناء على أن القبول غير موافق للإيجاب. وكذلك لو وهب اثنين شيئاً يحتمل القسمة فقبل واحد ورد الآخر ثم قسم نصفين فسلم القابل نصفه صحت الهبة وتمت ولم يكن رد الآخر مبطلاً لها إذ في التبرعات يعتبر أن التمليك لكل منهما على حده.
فمما سبق تبين لنا أن وقف الرد والقبول في حال حياة الموصي غير معتبر فمتى توفي الموصى فللوصي له حق القبول أو الرد. فإذا رد الوصية فقد بطلت وبقية ملكية الموصى به في ملك الورثة وليس للموصى له هذا أن يقبل بعد أن رد الوصية لأن ذلك قبول بعد إبطال الإيجاب فلا يصح.
وإذا قبل الموصى له الوصية فقد أصبح مالكاً للموصى به بموجب عقد الوصية ولا يصح له رد الوصية لأنها تمت صحيحة ولزمت بحقه وحق الورثة.
غير أن القانون السوري استثنى حالة واحدة وهي ما إذا قبل ورثة الموصى هذا الرد فترد الوصية حينئذ ولو بعد قبولها – المادة 229 -.
ومن الرجوع إلى نص المادة يتبين لنا ماهية هذا الرد هل اعتبر فسخاً للوصية أم أنه هبة من الموصى له إلى ورثة الموصي. أم يعتبر فسخاً للقبول أي رجوعاً من الموصى له عما تم بقبوله الوصية.
إذاً أمام هذه التساؤلات لا بد من الرجوع إلى المذهب الحنفي باعتباره المصدر حيث كما يفهم من ظاهر المادة 305 التي توجب الرجوع إلى القول الأرجح في المذهب الحنفي بما لم يرد عليه نص في هذا القانون.
وحبذا لو تم الرجوع إلى المذهب الشافعي لأنه أقرب إلى القواعد الفقهية باعتبار الرد هبة وملكية مبتدأة من الموصى له الى ورثة الموصي وبما في ذلك ضمان لحقوق الدائنين فيما لو أصبح الموصى له مديناً فرد الوصية فيعتبر رده باطلاً لأنه هبة فتأحذ حكم التبرعات خاصة وأن القانون السوري لم ينص صراحة – كما نص القانون المصري بالمادة 24 – على أن رد الوصية بعد قبولها يعتبر فسخاً له والله أعلم.
ملاحظة للاستئناس انظر القواعد المدرجة في موضوع الهبة في نهاية هذا الجزء.
بتصرف من كتاب الأحكام الشرعية للابياني ص 289 وما يليها وقانون الوصية – أبو زهرة ص 24 وما يليها والميراث والوصية البرديسي صفحة 135 وما يليها والأهلية والوصية – صابوني وسباعي ص 292 وما يليها.