Call us now:
الرأي الفقهي
أجمع الفقهاء بأن مبدأ شخصية النص الجنائي أو صلاحية الشخصية وجهان وجه إيجابي ووجه سلبي. فالوجه الإيجابي يعني تطبيق النص الجنائي على كل من يحمل جنسية الدولة ولو ارتكب جريمته خارج إقليمها. أما الوجه السلبي للمبدأ فيعني تطبيق النص على كل جريمة يكون المجني عليه فيها منتمياً إلى جنسية الدولة ولو كان مرتكبها أجنبياً وارتكبها خارج إقليم الدولة.
ولمبدأ شخصية النص الجنائي في وجهه الإيجابي أهمية واضحة. إذ هو الوسيلة إلى تجنب فرار الجاني من العقاب إذا ارتكب جريمته خارج إقليم الدولة التي يحمل جنسيتها. ثم عاد إليه بعد جريمته. وبيان ذلك أن دولته لا تستطيع – طبقاً لمبدأ الإقليمية أن تعاقبه. لأنه لم يرتكب جريمته في إقليمها وهي لا تستطيع تسليمه إلى الدولة التي ارتكب جريمته في إقليمها. لأن تسليم الرعايا طبقاً لقواعد مستقرة في أغلب الدول محظور. وفي النهاية لا تستطيع التي ارتكب الجريمة فيها أن تنفذ فيه عقاب. لأنه يكون قد غادر إقليمها ولم يعود إليه في الغالب. وبذلك تكون الوسيلة إلى تجنب فراره من العقاب أن تتولى الدولة التي يحمل جنسيتها معاقبته.
أما مبدأ شخصية النص الجنائي في وجهه السلبي فأهميته مقتصرة على تمكين الدولة من حماية رعاياها إذا تعرضوا لاعتداء إجرامي وهم في خارج إقليمها فهو صورة لحماية الدولة بعض مصالحها.. وهو بذلك أقرب إلى مبدأ عينه النص الجنائي.
من استقراء المادتان / 20 و 21 / عقوبات عام هناك ثلاث حالات لتطبيق مبدأ شخصية النص الجزائي في التشريع السوري
الحالة الأولى وعلى ما نصت عليه المادة / 20 / تتطلب توافر شرطين لتطبيق القانون السوري على السوري الجنسية أن يكون السوري مرتكب الجريمة سورياً وأن يعد فعله جناية أو جنحة طبقاً للقانون السوري. ويقتضي التحقق من هذا الشرط الرجوع إلى قانون الجنسية إذ ليس في قانون العقوبات تحديد خاص بها. وعليه هذا الشرط أنه إذا لم يكن مرتكب الجريمة سورياً لما قامت الحاجة إلى توقيع العقاب عليه. لأنه يكون متيسراً تسليمه أو إبعاده. والأصل وجود توافر هذا الشرط وقت ارتكاب الجريمة فلو كان غير متمتع بالجنسية السورية قبل هذا الوقت. إلا أنه صار متمتعاً بها وقت الجريمة.. أو فقدها بعد ارتكابه الجريمة.. فهو في الحالين يخضع للقانون السوري. ولا يعد عديم الجنسية مواطناً سورياً. فهو كمن يحمل جنسية أجنبية ولكن من يحمل جنسيتين أو أكثر وتكون الجنسية السورية إحداها يعد مواطناً سورياً.
وسواء لدى القانون النطاق الذي تتخذه مسؤولية الجاني عن جريمته إن كانت جناية أو جنحة فيستوي أن يكون فاعلاً لها أو محرضاً أو متدخلاً فيها إذ في جميع هذه الحالات يطبق العقاب من أجل هذه الجريمة.
الحالة الثانية ووفق ما نصت عليه المادة 21 / عقوبات عام تتطلب شرطين أيضاً أن تثبت صفة (الموظف السوري) المرتكب الجريمة.. وأن يكون ارتكابها في أثناء ممارسته وظيفته أو في معرض ممارسته لها.
ويتطلب الشرط الأول الرجوع إلى القواعد القانونية التي تبين مدلول (الوظيفة العامة) وتحدد طوائف الأشخاص الذين تسبغ عليهم هذه الصفة. ويجب التحقق من هذه الصفة وقت ارتكاب الجريمة فلا عبرة بوقت سابق أو لاحق.
ويتطلب الشرط الثاني ارتكاب الجريمة في أثناء ممارسة الوظيفة أو في معرض ممارستها ويضم هذا الشرط حالتين
في أثناء ممارسة الوظيفة .
وارتكابها في معرض ذلك .
وتعني الحالة الأولى أن تكون الجريمة صورة من الانحراف في مباشرة الوظيفة كالرشوة أو الاختلاس أو التزوير للأوراق المختص بتدوينها.
وأما الحالة الثانية فتعني كون اختصاصات الوظيفة هي التي أتاحت الفرصة لارتكاب الجريمة.. كالاستيلاء دون حق على مال لم يؤتمن عليه مستغلاً بذلك ظروف وظيفته والنفوذ الذي أتاحته الوظيفة.
الحالة الثالثة والتي أتت عليها المادة 21 عقوبات أن يكون مرتكب الجريمة سورياً منتمياً إلى السلك الدبلوماسي أو القنصلي السوري وأن يرتكب الجريمة في ظروف يتمتع فيها بالحصانة التي يقررها القانون الدولي على نحو لا يمكن معه – طبقاً لقانون الإقليم الذي ارتكبها فيه أن تتخذ ضده إجراءات أو ملاحقة من أجلها. ولم يشترط الشارع في الحالتين الثانية والثالثة أن تكون الجريمة جناية أو جنحة مما يعني اتساعهما للمخالفات.
وعن كل ما سبق يعتبر مدلول هذا المبدأ وامتيازه بأنه يقرر للنص الجنائي نطاقاً متسعاً يكاد يمتد إلى العالم بأسره إذ لا يجعل لمكان ارتكاب الجريمة أو لجنسية مرتكبها اعتباراً ولا يشترط سوى أن يقبض على الجاني في إقليم الدولة التي تريد أن تطبق عليه تشريعها وهذا المبدأ يقرره قاضي مكان القبض وأهمية هذا المبدأ مستمدة من خطورة الإجرام الدولي الحديث ذلك أن سهولة المواصلات قد أتاحت الفرصة لنشوء عصابات دولية مكونة من مجرمين متعددي الجنسية ويمتد نشاطهم إلى أقاليم دول عديدة. إذ لا بد من أن تتعاون الدول فيما بينها وتتولى كل واحدة منها عقاب المجرم الذي يضبط في إقليمها دون اكتراث بجنسيته.. أو مكان الجريمة وتفعل الدولة ذلك باعتبارها نائبة عن المجتمع الدولي.
وقد اخذ الشارع السوري القانون الجنائي الأجنبي بعين الاعتبار. ونصت المادة / 24 / عقوبات على ذلك. وقد عنى الشارع بنص المادة / 20و23 / بطائفتين من الجرائم
الأولى هي الجرائم التي تقترف في الخارج ويطبق عليها القانون السوري وفقاً لمبدأ الشخصية.. وهي الجرائم التي تشير إليها المادة / 20 / من قانون العقوبات فحسب فلا تدخل في ذلك الجرائم المشار إليها في المادة / 21 / منه. والثانية هي الجرائم التي تقترف في الخارج ويطبق عليها القانون السوري وفقاً لمبدأ العالمية إلا أن خطته تختلف بالنسبة لكل من النوعين فقد أشار إلى جرائم الجنح المعاقب عليها بالحبس والذي لا تبلغ مدته الثلاث سنوات ويعني ذلك أن الجنايات والجنح المعاقب عليها بالحبس مدة ثلاث سنوات أو أكثر تخرج من نطاق هذا النص فيعاقب عليها وفقاً للقانون السوري دون اعتبار لحكم القانون الأجنبي فيها.
ويقرر هذا النص عدم تطبيق القانون السوري على هاتين المجموعتين من الجرائم وفقاً لمبدأي الشخصية والعالمية ما لم تكن قواليم الإقليم التي ارتكبت فيها تعاقب عليهفهذا النص لا يقرر تطبيق القانون الأجنبي وإنما يخضع شرطاً لتطبيق القانون السوري وهذا الشرط هو عقاب القانون الأجنبي على هذه الجرائم فإن توافر الشرط. طبق القاضي القانون السوري وإن لم يتوافر برأ المتهم. ويطبق القانون السوري جميع أحكامه غير ملق بال ما يقرره القانون الأجنبي من أوصاف أو عقوبات للفعل قد تكون مختلفة عما يقرره القانون السوري.
إلا أن نص المادة 25 من قانون العقوبات أتت على التطبيق الاحتمالي للقانون الجنائي الأجنبي وقد جنح الشارع لمراعاة مصلحة المدعى عليه للاختلاف بين نص المادة 25 وتطبيق المادتان 20 و 23 عقوبات ولكن يجوز للقاضي أن يستخرج من القانون الأجنبي الأحكام التي هي وفي مصلحة المدعى عليه ويجمع بينها وبين القانون السوري.. بشرط تتسق معه فيكون وإياها تنظيماً تشريعياً متكافلاً ومتسقاً. أما إذا لم تتسق معه فلا مفر من تطبيق الأصلح من بين القانونين وحده.
إلا أن الشارع لم يجعل في هذا التطبيق الاحتمالي مطلقاً فأورد قيداً متعلقاً بتدابير الاحتراز نصت عليه المدة 25 من قانون العقوبات ويعني نص هذه المادة أن يطبق القاضي في هذه الموضوعات القانون السوري بكل ما يقضي به من أحكام ولو كان القانون الأجنبي يجهلها.. أو يقررها في الحالة التي ارتكب فيها المدعى عليه جريمته أو يخضعها لأحكام مختلفة. وهذا يستهدف حماية المجتمع السوري من خطورة إجرامية تهدده فلا يجوز أن يشترط تطبيقها بنصوص قانون أجنبي لم تراع فيها مقتضيات حماية هذا المجتمع.
وقد راع الشارع شريعة المدعى عليه الشخصية لأجل تجريمه وعدد حالاتها بالمادة / 26 / عقوبات وقرر بهذا النص أن يؤخذ في اعتبار قانون المدعى عليه الذي ينظم أحواله الشخصية أو أهليته في المجالين الأساسيين الأول – هو تحديد أركان الجريمة المسندة إليه والثاني تحديد سبب لتشديد العقاب أو عذر قانوني.. عدا القصر الجزائي.. متوافر. ويقضي الشارع بتطبيق قانون المدعى عليه في هذين المجالين سواء كان لمصلحته.. أو في غير مصلحته. وليس الهدف من هذا النص التخفيف عن المدعى عليه. وإنما الهدف منه إخضاع الجريمة واعتبارات تقديم العقوبة لقانونها الطبيعي وإن هدف الشارع هو تطبيق القانون على أفضل نحو تتحقق به العدالة والحماية الاجتماعية معاً.
كما أن النص أراد به الشارع ليس إفساح المجال لتطبيق القانون الأجنبي فحسب. بل أن هذا النص قد يحيل إلى قانون خاص بالأحوال الشخصية.. والأهلية المطبق في سورية. وقد استبعد الشارع القصر الجزائي من نطاق تطبيق القانون الشخصي مما يعني خضوعه للقانون السوري دائماً أياً كانت جنسية المدعي وطائفته وهذا الاستعباد أن القصر الجزائي نظام جنائي يصدر عن سياسة جنائية معينة في مكافحة إجرام الأحداث وهي سياسة تختلف من تشريع إلى آخر. فلم يشأ الشارع أن يسمح بتطبيق تشريع أجنبي.. أو إدخال عناصر غريبة على القانون السوري خشية أن يفسد ذلك السياسة الجنائية السورية في هذا المجال.
إن قانون العقوبات السوري لا يتضمن نصوصاً تقرر الاعتراف بالأحكام الجزائية الأجنبية بقوة تنفيذية أصلية.. إلا أن هذا الاعتراف قد يكون بناء على معاهدة دولية مثال المعاهدات التي ارتبطت بها سورية في هذا الشأن اتفاقية تسليم المجرمين دول الجامعة العربية الصادرة بالقانون 155 لعام 1955 والاتفاق القضائي بين سورية ولبنان الصادرة بالقانون رقم 148 لعام 1951.
إلا أن الشارع يعترف للأحكام الأجنبية بقوة تنفيذية ثانوية نصت عليها المادة / 29 / عقوبات ويعلل هذا الاعتراف أن النظم والآثار الجنائية التي أشار إليها نص المادة / 29 / تستهدف مواجهة الخطورة الكامنة على المجتمع في شخص الجاني وتحديد نوع العاملة مع طبيعة ومقدار هذه الخطورة.
للتوسع انظر الدكتور محمد نجيب حسني والدكتور محمود مصطفى والدكتور كمال أنور محمد والأستاذ أحمد صفوت والدكتور محمد الفاضل