Call us now:
الرأي الفقهي
عرف الدكتور الفاضل الجنون بأنه من الأسباب التي تنفي المسؤولية الجزائية وتمنع العقاب. لأنه يضيع العقل والصواب ويفقد الرشد. ومن لا عقل له لا تمييز عنده ولا إدراك. وكما يضطرب العقل بالجنون.. فكذلك تضطرب الإرادة وتفسد حرية الاختيار.
ومهد الدكتور القللي موانع العقاب في الجنون بقوله من قديم والمشرعون يسلمون بأن حالة الجنون يتنافى معها قيام المسؤولية الجزائية ونجد هذا المبدأ معروفاً في القانون الروماني.. كما نجد سقوط التكليف عن المجنون مقرراً في الشريعة الإسلامية إن أخذ ما أوهب سقط ما أوجب.
ولكن رغم بداهة هذا المبدأ نجد أن في ظلام القرون الوسطى لم يؤخذ به وكان المجانين ومن إليهم من المصابين بأمراض عقلية يسامون صنوف التنكيل والعذاب تحت تأثير الخزعبلات والتعاليم الخاطئة التي كانت تزعم أن الشيطان تقمص أجسامهم لبذر الشر والفساد بين الناس.
أما في العصر الحديث وقد زالت هذه الخزعبلات وأصبح من المسلم به أن المصابين بهذه العلل هم مرضى خليقون بالعناية والرحمة.. لا بالعقاب. وصار من البديهي القول بعدم معاقبتهم. ومن الطبيعي أن المذهب الذي تجري عليه التشريعات الجزائية يترتب عليه عدم المسؤولية الجزائية. فليس مما يقره العدل أو يؤدي إلى نفع.. مجازاة المجنون على ما يرتكبه من جرائم. والعدل والمصلحة هما المبرران لتوقيع العقاب. بل لا بد من أن يوضعوا تحت إشراف الهيئات القضائية ويلاحظوا ملاحظة خاصة كما هو الحال مع غيرهم من طوائف المجرمين. وقد أشار لمبروزو وفري بوضعهم بملاجئ خاصة ذات نظام خاص يطلق عليها اسم .
ومن مفهوم نص المادة / 230 / عقوبات نرى أن الشروط التي يجب قيامها لمحو المسؤولية الجزائية.. وبالتالي لمنع العقاب. فقد التمييز أو فقد الاختيار ويجب أن يكون ذلك راجعاً إلى الجنون. وأن يتحقق هذا وقت ارتكاب الفعل الكون للجريمة. إلا أن للجنون أنواع لا بد من إيضاحها.
إن القانون يقصد بالجنون جميع الحالات التي تتأتى فيها الملكات العقلية والذهنية فتغدو قدرتها على التمييز.. أو قدرتها على توجيه الإرادة دون المستوى الذي يتوافر لدى العاديين من الناس.. أي دون القدر الذي يعتبره الشارع بمثابة الحد الأدنى لأهلية الشخص للمسؤولية الجزائية. وباعتقادنا أن هذه الحالات لا يمكن أن تقع تحت الحصر. ونتيجة لهذا فإنه يستوي في نظر القانون أن تكون بصدد مرض عقلي أو مرض عصبي.. أو مرض نفسي طالما أنه ثبت تأثير المرض على هذا النحو الذي يعدم الأهلية للمسؤولية الجزائية.
ومن ذلك قلنا بأن للجنون أنواع.. ويمكن أن ترد الحالات التي تتأثر فيها الملكات الذهنية على النحو السابق إلى قسمين
القسم الأول يفترض عدم نمو الملكات الذهنية النمو الطبيعي الكامل.. أي عدم بلوغها مرحلة النضج والاكتمال التي كان الوضع الطبيعي يقتضي بلوغها وتسمى هذه الحالة أحياناً بالعته.
القسم الثاني يفترض نمو الملكات الذهنية النمو الطبيعي الكامل ثم اضطرابها بعد ذلك على نحو يفقد صاحبها القدرة على التمييز.. أو حرية الاختيار. أي يجعل ملكاته دون المستوى الذي يتوافر لدى العاديين من الناس.. وقد يكون هذا الحال اضطراباً عاماً مستمراً.. أي مستغرقاً كل وقت المريض.. وقد يكون متقطعاً أي متخذاً صورة نوبات تفصل بينها فترات إفاقة. فيكون الذهن أثناء النوبات مضطرباً.. بينما يكون طبيعياً أثناء فترات الإفاقة. وقد لا يكون الاضطراب الذهني عاماً وشاملاً.. بل قصوراً على ناحية معينة. أي مقصور على ملكة ذهنية معينة أو على مجموعة من الملكات الذهنية ترتبط بعضها ببعض فذهن المريض مضطرب إذا تعلق الأمر بهذه الناحية ولكنه يتمتع بذهن عادي سليم إذا كان الأمر متعلقاً بغير هذه الناحية.
ويلحق بالقسمين السابقين حالات تتأثر في الملكات الذهنية على نحو يعدم الأهلية للمسؤولية الجزائية.. أو ينقصها. وبعضها لا يعد مرضاً. وإنما يعد بمثابة ظروف عارضة وقد تكون بعض هذه الحالات مفتعلة يصطنعها الشخص اصطناعاً ويستطيع إنهاءها إذا شاء ومن هذا القبيل الصرع والهستريا واليقظة في النوم والصمم والبكم وثورة الغضب الخ.. ويلحق بذلك قلة التنويم المغناطيسي الذي يخضع فيه النائم لإرادة منومة بحيث يغدو آلة غير عاقلة ومسلوبة الإرادة يسخرها شخص آخر لارتكاب الأفعال التي يوحي بها إليه.
وغني عن البيان أن امتناع المسؤولية الجزائية لا يرتبط بالجنون بحد ذاته. وإنما هو مرتبط بما يترتب على الجنون من آثار تنال أحد عنصري الأهلية للمسؤولية الجزائية أو كليهما.. فامتناع المسؤولية الجزائية هو نتيجة لتخلف أحد عنصريها أو كلاهما وليس نتيجة للجنون في ذاته ولو كان مطبق أو غير مطبق.
وقانون العقوبات السوري يتضمن أصناف للمجانين هم أهل للمسؤولية الجزائية ولكنها مسؤولية ناقصة عليها المادة / 232 / عقوبات عندما قررت أن من كان حين اقترف الفعل مصاباً بعاهة عقلية وراثية أو مكتسبة انتقصت قوة الوعي أو الاختيار في أعماله يستفيد قانوناً من إبدال عقوبته أو تخفيضها وفقاً لأحكام المادة 241.
وإذا لم يكن فقد التمييز أو الاختيار معاصراً للفعل المكون للجريمة فلا تنعدم المسؤولية الجزائية. أما إذا ثبت أن فقد التمييز أو حرية الاختيار كان سابقاً للفعل أو لاحقاً به وأن المتهم كان متمتعاً بتمييزه وباختياره وقت الفعل فهو أهل للمسؤولية الجزائية.
وإذا توافرت جميع الشروط التي تجعل الجنون مانعاً من موانع العقاب استحال فرض أي عقاب على مرتكب الفعل المكنون للجريمة. فيجب على المحكمة أن تقضي بعدم مسؤوليته إلى المحكمة المختصة لإصدار قراراً بمنع المحاكمة. وفقاً لقرار الهيئة العامة لمحكمة النقص لعام 1985 الذي جاء فيه إن محاكم الأساس هي وحدها صاحبة الاختصاص بتطبيق أحكام المادتين / 230و231 / عقوبات المتعلقتين بحالة الجنون. ولا يملك قاضي التحقيق والإحالة حق تقرير منع المحاكمة لمن يثبت اقترافه الجريمة وهو بحالة الجنون – الحقيقة أن المادة / 231 / فرقت بين حالتين.. الحالة الأولى أن يكون المحكوم عليه بالجنون قد اقترف جناية أو جنحة مقصودة عقابها الحبس سنتان كحد أقصى وفي هذه الحالة يجب الحكم بحجزه في مأوى احترازي حيث يثبت شفاؤه.
والحالة الثانية أن يكون المحكوم عليه بالجنون قد اقترف جنحة غير مقصودة أو أية جريمة أخرى عقابا الحبس أقل من سنتين وفي هذه الحالة لا يقضى بحجز المجرم المجنون في المأوى الاحترازي.. إلا إذا ثبت أنه خطر على سلامة العامة. فإذا ثبت ذلك قضي بحجزه حتى يثبت شفاؤه.
أما في حالة العته.. أي في حالة المسؤولية الناقصة الناشئة عن وجود عاهة عقلية وراثية أو مكتسبة انتقصت قوة الوعي أو الاختيار في أعمال مرتكب الجريمة قضت المادة / 232 / عقوبات بإبدال عقوبته.. أو تخفيضها وفقاً لأحكام المادة / 241 / كما سبق وأشرنا. كما يقضى في المادة / 233 / عقوبات بحجز المعتوه ناقص المسؤولية في جناح خاص من المأوى الاحترازي ليعالج فيه أثناء مدة العقوبة إذا ثبت أنه خطر على السلامة العامة وتحسم له مدة الحجز في المأوى الاحترازي من أصل العقوبة المقضى عليه بها. وإذا ظل المحكوم عليه بعد انتهاء مدة عقوبته خطراً على السلامة العامة.. – لطفاً أنظر المادة / 233 / عقوبات.
ولابد من الإشارة إلى أن هناك حالتان من الجنون. جنون طارئ أثناء إجراء التحقيق أو المحاكمة.. وجنون طارئ بعد صدور الحكم البات ففي الحالة الأولى يؤجل اتخاذ الإجراءات التي لم تكن قد اتخذت قل إصابته بالعاهة وتوقف جميع الإجراءات المتبقية والتي يكون المتهم عاجزاً عن الدفاع عن نفسه.
وأما الحالة الثانية فإن كانت العقوبة المقضى بها من العقوبات المقيدة للثرية أرجئ تنفيذها حتى تعيق المحكوم عليه من مرضه لأن تنفيذها على المصاب في بقله لا ينتج الأثر الرادع الذي ينشده الشارع منها وتصبح مجرد قسوة لا مبرر لها.
وأما إذا كان الحكم الصادر بعقوبة الغرامة فإنها تنفذ على المحكوم عليه فتستوفي من أمواله إن كان له مال. لأن الغرامة بعد أن يصدر الحكم النهائي تصبح ديناً يتعلق بذمة المحكوم عليه.
وإذا كان الحكم صادراً بمصادرة أشياء المجنون. نفذ هذا الحكم تلقائياً ولا تنتظر الإفاقة أو الشفاء.. لأن الحكم بالمصادرة ينقل بذاته ملكية الشيء المصادر إلى الدولة دون ما حاجة إلى اتخاذ أي تدبير أو إجراء آخر.
ولابد من الإشارة أن حالات الجنون مطبق وغير مطبق كما أشرنا سابقاً. وكذلك العته والبحث عن سلامة العقل من الأمور المتعلقة بالنظام العام. وليس للمحكمة أن تقدر حالة المتهم من نفسها بل يجب اللجوء لأهل الفن والخبرة من الأطباء الأخصائيين.
ومن انتفاء المسؤولية وعلى ما نصت عليه المادتان 234و235 عقوبات السكر والتسمم بالمخدرات لابد من تمهيد لهذا المرض فتقول
قد يغيب الرشد وتضعف الإرادة.. أو تتقدم بتأثير تناول المخدرات أو المسكرات فيقدم الشخص على ارتكاب الجرائم وهو في غيبوبة.. أو شبه غيبوبة. وقد يدفع احتساء الخمور أو تعاطي المخدرات بحد ذاته إلى اقتراف أنواع محددة من الجرائم والآثام ولا سيما إذا كان صاحبها من المدنيين. وقد يؤدي الإدمان على الخمور والمخدرات إلى فقد الرشد نهائياً.. أو إضعافه وإلى شلل الإرادة أو الانتقاص منها فما هو أثر كل ذلك على المسؤولية الجزائية.
لا جدال في أن الغيبوبة الناشئة عن تناول مواد مخدرة أو مسكرة تعد من موانع العقاب.. لأثرها الذي ينفي التمييز وحرية الاختيار أي ينفي الشرطين المتطلبين لتكوين الأهلية الجزائية ولقد عالج الشارع السوري أحكام هذه الجرائم في قانون العقوبات / المادتان 234و235 / وأوجد لها حلولاً حاسمة لإشكالات كثيرة أراق الفقهاء في الجل فيها الغزير من المداد.
ومن استقراء نص المادتين الملمع إليهما يتضح لنا أن السكر نوعان. اضطراري واختياري وأن السكر الاضطراري إما أن يؤول إلى إفقاد الوعي أو الإرادة.. أو كيلهما وعندئذ يمحو المسؤولية الجزائية محواً تاماً ويؤول إلى الإعفاء من كل عقاب وأما أن يفضي فقط إلى الانتقاص من قوة الوعي أو الإرادة أو منهما معاً.. عندئذ تصبح في حالة من حالات المسؤولية الناقصة. ويؤلف هذا النقص في المسؤولية عذراً مخففاً قانونياً لا يمنع من العقاب وإنما يخفيه عملاً بأحكام المادة 235 عقوبات.
وينبغي أن يكون فقد التمييز أو الوعي وفقد الإرادة أو حرية الاختيار نصاً في حالة السكر الاضطراري.. لأن الأهلية للمسؤولية الجزائية لا تنعدم إلا في هذه الحالة. ولا مجال لتطبيق الفقرة الأولى من المادة / 234 / والإعفاء التام من العقاب. ما لم يبلغ تأثير السكر الناشئ عن تناول الكحول أو المخدرات في صاحبه درجة انعدام الوعي أو الوعي أو الإرادة انعداماً تاماً.
ويجب أن يكون فقد الوعي والتمييز أو فقد حرية الاختيار معاصراً ومرافقاً زمنياً لوقت ارتكاب الفعل المكون للجريمة.
أما في حالة السكر الاختياري يكون السكر اختيارياً أو إرادياً أو ناشئاً عن خطأ الشخص نفسه إذا كان هذا الشخص قد تناول المادة المسكرة أو المخدرة وهو عالم بطبيعتها ودون أن يكون خاضعاً في ذلك لي إكراه مادي أو معنوي أو لأية ضرورة. فإذا أقدم – بتأثير فقد التمييز أو حرية الاختيار على الناشئ عن السكر الاختياري على ارتكاب جريمته فهل يعد مسؤولاً عنها.
إن الشرع السوري لم يشأ أن يخضع الجواب على هذا السؤال للأحكام لأن إعمال القواعد العامة قد يقضي إلى تقرير عدم مسؤولية الجاني عن الجرائم التي يرتكبها أثناء سكره – أياً كان هذا السكر – طالما أنه لم يكن متمتعاً حين ارتكابه إياها بالوعي والإرادة ولا فرق في ذلك بين السكر الاضطراري والسكر الاختياري. لأن السكر أياً كان ينتج نفس الآثار العضوية والنفسية. ولا موجب للتفريق في هذا كله بين الجرائم المقصودة وغير المقصودة.
غير أن الشارع لم يشأ الوصول إلى مثل هذه النتائج التي قد تقضي بها القواعد العامة للمسؤولية الجزائية ولذلك فإنه ميز بين السكر الاضطراري والسكر الاختياري – أنظر المادة 234 عقوبات.
وقد مي-ز الشارع السوري أحكام السكر الاختياري بثلاث حالات. الحالة الأولى وتتعلق بمسؤولية السكران في الجرائم غير المقصودة والحالة الثانية وتختص بمسؤولية السكران في الجرائم المقصودة.. والحالة الثالثة وتختص بتغليظ المسؤولية في السكر المقصود به الإجرام – أنظر الفقرات 2و3و4 من المادة 234 عقوبات.
وإن أثر الإدمان في المسؤولية الجزائية ثابت عملياً بأنه يسبب اضطراباً عنيفاً يدفع بحد ذاته في كثير من الأحيان إلى اقتراف شتى صفوف الجرائم. وكذلك في حالات منع المخدر عن المدمن. فما حكم ذلك في المسؤولية الجزائية.
إن تقدير المسؤولية عن الفعال الإجرامية التي تقترف بسبب الاضطراب العقلي الناشئ عن حالة الإدمان والمزمن على المخدرات تكون على أساس سلامة العقل أو آفته.
وإثبات حالة السكر.. سواء من حيث ظروف تناول الكحول أو المخدرات أو من حيث أثرها في التمييز وحرية الاختيار.. هو من المسائل التي تختص بها محكمة الموضوع بغير رقابة عليها من محكمة النقض وعلى المحكمة إذا ما استظهرت حالة السكر أن تبين ماهيته ودرجته ومبلغ تأثيره في المتهم وما إذا كان هذا المتهم قد أضر السكر بإرادته.. أو بغير إرادته. ولا تلزم المحكمة بالتحدث عن حالة السكر إذا لم يثر المتهم أمامها جدلاً حول انتفاء المسؤولية الجزائية بسبب سكره ولا يجوز للمتهم أن يجادل لأول مرة أمام محكمة النقض.
ومهما يكن فإن إثبات السكر وتحديد أثره في الوعي والإرادة كإثبات الجنون وتحديد أثره يمكن اللجوء فيه دوماً إلى خبرة أهل الاختصاص.
للتوسع أنظر الدكتور الفاضل والدكتور حسني والدكتور السعيد والدكتور محمد مصطفى القللي