الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 237 من قانون أصول المحاكمات الجزائية

الرأي الفقهي

نظراً للطابع الخاص للجنح المشهودة فقد أوجد القانون الجديد أصولاً خاصة لمحاكمتها في المواد 231 – 237 .
ولم يكن في تشريعنا القديم مثل هذه الأصول الخاصة ولكن الحاجة الماسة اليها.. حملت الشارع على اصدار المرسوم التشريعي رقم 48 تاريخ 5 / 8 / 1936 لتلافي هذا النقص والمرسوم التشريعي الملمع اليه يتكون من سبعة مواد ولا أرى مانعاً من نشر مواده المستقاة من الجريدة الرسمية صفحة 379 العدد 34 لعام 1936 متوخياً فيها الاستئناس والاطلاع وهي كما يلي
المادة 1 – في مواد الجنح كل متهم يقبض عليه بحالة الجرم المشهود من أجل فعل يعاقب عليه بالحبس يحال فوراً أمام النائب لدى محكمة البداية الذي يستوجبه وإذا اقتضى الأمر يحيله تواً على المحكمة. وفي هذه الحالة يسوغ للنائب المشار اليه أن يصدر مذكرة توقيف مؤقت بحق المتهم.
المادة 2 – يتحتم على النائب لدى محكمة البداية عند عدم وجود جلسة منعقدة أن يطلب محاكمة المتهم في جلسة الغد وتدعى المحكمة بصورة خاصة عند الحاجة.
المادة 3 – يمكن دعوة الشهود بواسطة أحد مأموري الضابطة العدلية أو أحد مأموري القوة العامة ويتحتم عليهم أن يحضروا وألا يعاقبوا وفقاً للمادة 147 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
المادة 4 – تمنح المحكمة المتهم – إذا طلب ذلك – مهلة ثلاثة أيام على الأقل لكي يحضر دفاعه.
المادة 5 – إذا لم تكن الدعوى متهيأة للحكم تقرر المحكمة تأجيلها لزيادة التحقيق لاحدى الجلسات الأقرب وعند الحاجة تخلي سبيل المتهم مؤقتاً بكفالة أو بدون كفالة.
المادة 6 – إذا تبرأ المتهم يطلق سراحه فوراً ولو استؤنف الحكم.
المادة 7 – لا يعمل به في المواد المعينة أصول المحاكمات فيها بقوانين خاصة ويبلغ لمن يلزم.
وقد أدمجت هذه القواعد في قانون أصول المحاكمات الجزائية الحالي بالمواد 221 – 237 منه انظر القاعدة 1219 و1220.
ولكن تطبق هذه الأصول الخاصة يجب أن يقبض على الفاعل في حالة الجنحة المشهودة أو في الحالات الملحقة بها القاعدة 1212 المذكورة في المادة 36 و38 أصول جزائية والعبرة في ذلك للجريمة وليس للفاعل بمعنى أن الجريمة هي التي تكون مشهودة حتى ولو لم يعرف الفاعل في حينه القاعدة 1221 وفي هذه الحالات يحق لكل موظف من موظفي الضابطة العدلية.. ولكل فرد من أفراد القوة العامة أن يلقي القبض على الفاعل القاعدة 1212 وينظم ضبطاً بالواقعة ويحيله مع الفاعل الى النائب العام فيستجوبه هو أو أحد معاونيه وينظم محضراً يتضمن اقامة الدعوى العامة عليه.. إذ لابد والحال هذه من اقامة الدعوى العامة. حتى تستطيع المحكمة المختصة أن تضع يدها على القضية. وبعد تحريك الدعوى العامة يحيله الى المحكمة المختصة صلحية.. أو بدائية. موقوفاً أو غير موقوف كما يشاء النائب العام أو معاونه وذلك حسب طبيعة الجرم وأثره في الناس. وإذا قاوم الموظف الذي قبض عليه.. أو إذا رفض مرافقته اعتبر مرتكباً جريمة المقاومة السلبية أو الفعلية التي نصت عليها المادة 370 من قانون العقوبات القاعدة 1212.
ولكن إذا تبين للنائب العام أن الفعل غير معاقب أو أن التهمة غير ثابتة. فإنه يقرر اطلاق سراحه فوراً. ورأي الدكتور حومد أن وكيل النيابة غير ملزم باحالة المدعى عليه الى المحكمة إذا وجد ذلك من مصلحة العدالة وله أن يحيله الى قاضي التحقيق إذا كانت الجنحة معقدة أو وجد أن الفعل ليس جنحة.. وإنما جناية مشهودة… ونص المادة 231 يساعد على هذا التفسير لأنه يقول الشارع عند الاقتضاء ثم أن هناك جنحاً لا تجوز احالة الفاعل الى المحكمة ولو كانت مشهودة ومن ذلك الجنح التي يرتكبها الأحداث.
ويجب أن تتم احالة الفاعل الى المحكمة خلال الأربع وعشرين ساعة التي يجيز القانون ابقاءه خلالها مقبوضاً عليه فإذا مرت الأربع وعشرون ساعة ولم يحل الفاعل.. وجب الافراج عنه في الحال تحت طائلة معاقبة محتجزي حريته دون سند قانوني. ولكن إذا أحيل الى قاضي التحقيق. فإن من حق هذا القاضي أن يفرج عنه أو يصدر بحقه مذكرة توقيف عادية. وعلى المحكمة أن تنعقد فوراً لمحاكمته فإذا تعذر ذلكن فمن الواجب أن تنعقد في اليوم التالي على الأكثر وإذا كان الفاعل موقوفاً أبلغ عندئذ موعد الجلسة.
ولا توجه مذكرات دعوة الى الشهود تفادياً من شكلياتها ومددها بل يوجه النائب العام دعوة شفهية بواسطة موظفي الضابطة العدلية أو أفراد الشرطة وعلى هؤلاء الشهود أن يلبوا الدعوة تحت طائلة الغرامة المنصوص عنها في المادة 194 (تخلف الشاهد) وقدرها من 25 الى مئة ليرة. ويمكن استحضاره بالقوة ولو لم تنص المادة 233 على ذلك.
وللمحكمة أن تصدر قرارها في الجلسة ذاتها إلا أن الشارع أعطى المدعى عليه الحق في أن يطلب تأجيل الجلسة لكي يتمكن من اعداد دفاعه وفي هذه الحال تؤجل الجلسة ثلاثة أيام على الأكثر. والحكمة في هذا التأجيل خوف الشارع من أن تطغى السرعة على العدالة والحق على الاعتدال. ولكن ليس على المحكمة واجب تنبيه المدعى عليه الى أن من حقه أن يطلب التأجيل.
ونلاحظ أن هذه الأصول المختصرة (الاستثنائية) ليست الزامية فالمادة 235 صرحت بأن للمحكمة إذا رأت أن الدعوى غير جاهزة للحكم أن ترجىء المحاكمة الى أقرب موعد ممكن وأن تطلق سراح المدعى عليه إذا ارتأت ذلك بكفالة أو بدونها لذلك فإن المحكمة هي التي تقدر ما إذا كان من الأفضل تطبيق هذه الأصول أو تطبيق أصول المحاكمات العادية.. والواقع أن هذه الأصول السريعة لا تأتلف ومبدأ الضمانات التي يجب توفيرها للمدعى عليه كما أنها لا تأتلف مع مبدأ فردية العقوبة ولزوم معرفة شخصية المدعى عليه وليس لها مبرر إلا ارضاء العواطف التي أثارها ارتكاب جريمة والقاء القبض على الفاعل وهو متلبس بها. والتاريخ القضائي لا يضن بشواهد مؤسفة من جاء هذه السرعة.
وقد صرحت المادة 236 بأنه إذا قضت المحكمة بالبراءة أو بعقوبة الحبس مع وقف التنفيذ أو بالغرامة أطلق سراح المدعى عليه في الحال ولو استؤنف الحكم ففي هذه الحال توجد قرينة على أن الفعل ليس من الخطر بحيث يستدعي بقاء المحكوم عليه موقوفاً حتى صدور قرار الاستئناف.
وخلافاً للمبادىء العامة وتفادياً من شل العدالة فإن القانون أعطى قاضي الصلح في المراكز التي لا توجد فيها نيابة عامة حق القيام بالوظائف التي يقوم بها النائب العام في محكمة الجنح المشهودة فإذا كان هو صاحب الاختصاص في محاكمة الموضوع أي إذا كان الفعل جنحة داخلة في اختصاصه فإنه يقوم بعمل النائب العام وبعمل القاضي معاً.
وحتى إذا كان قاضي الصلح يعمل في مركز فيه نيابة عامة فإنه يقوم بعمل النائب العام فيما إذا أحال النائب العام الموقوف اليه دون أن يحقق معه. وفي هذا اختصار للوقت وسرعة في العمل لأن قاضي الصلح يحقق معه ويحكم عليه فوراً. أما إذا كانت الجنحة غير داخلة في اختصاصه فيقوم بوظائف النائب كضابط قضائي فقط فيستجوب الفاعل ويحيله على محكمة البداية المختصة.
على أنه إذا منع القانون اللجوء الى هذه الأصول الاستثنائية فيجب احترام النص القانوني. ومن ذلك أن مرتكب الجريمة المشهودة إذا كان حدثاً امتنع تطبيق هذه الأصول عليه ووجبت محاكمته بالطريقة العادية (المادة 41 من قانون الأحداث).
وتجدر الاشارة الى أن التشريع الفرنسي أدخل أصول محاكمة الجنح المشهودة بالقانون الصادر في 20 آذار 1863 غير أن قانون أصول المحاكمات الجزائية الفرنسي الجديد (المادة 80) فصل نهائياً بين سلطة الاتهام وسلطة التحقيق ومنع قاضي التحقيق في مباشرة التحقيق دون ادعاء من النيابة العامة. وغذا حضر الى موقع الجريمة (وخاصة في الجنايات المشهود) فإنه يباشر الاجراءات كضابط قضائي فقط. وقياساً على ذلك فقد منع وكيل النيابة من اصدار أوامر التوقيف.
وبسبب الخوف علىالحرية الفردية وعدم التفريط بقواعد العدالة أصدر الشارع الفرنسي تعديلاً جديداً في الموضوع بقانون 10 حزيران 1983 أجاز به للنائب العام بعد أن يستجوب المقبوض عليه ويعلمه بالتهمة الموجهة اليه ويسجل أقواله أن يتخذ أحد الاجراءات الثلاثة التالية
1 – أن يطلق سراح الفاعل ويعلمه بأن عليه أن يمثل طليقاً أمام المحكمة المختصة خلال مدة تتراوح بين 10 أيام وشهرين إلا إذا تخلى الفاعل عن حقه في هذه المهلة تخلياً صريحاً ويحدد له اسم المحكمة ومكانها وتاريخ الجلسة.
وهذا الاجراء يعتبر تبليغاً صحيحاً لشخصه.
2 – أن يحيله حالاً إلى المحكمة المختصة إذا كانت عقوبة جريمته تتراوح بين سنة وخمس سنوات حبساً. وعليه أن يخبره بحقه أن يختار محامياً أو يعين له محامياً. ومن حق هذا المحامي أن يطلع فوراً على الملف.
3 – إذا كان انعقاد المحكمة غير ممكن في نفس اليوم فإنه يحيله الى رئيس المحكمة فيستجوبه هو أو مندوب عنه في غرفة المذاكرةن وبحضور كاتب المحكمة ويتحذ قراراً بتوقيفهن أو بالافراج عنه تحت نظام المراقبة القضائية الجديد الذي يشبه اخلاء السبيل مع التقيد ببعض الالتزامات كعدم حمل السلاح والبقاء في منزله وعدم ارتياد المقاهي.. ومن حق الفاعل دوماً أن يكون له محام يحضر معه ويساعده أمام الرئيس انظر الدكتور حومد الأصول الجزائية.