الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 261 من قانون الأحوال الشخصية

الرأي الفقهي
1 – لابد للمتكلم عن المواريث من أن يتكلم عن التركات لأنها موضوع المواريث إذ أنه إذا لم تكن هناك تركة.. لم تكن هناك حاجة للكلام عن ميراث.. ولا عن تقسيمه ولا توزيعه.
وقد عرف لسان العرب للتركة تعريفاً لغوياً فقال ترك الشيء متركه تركاً وتركت الشيء تركاً خليته.. وتركة الميت ما يتركه من الميراث من أموال وحقوق إلى ورثته.. يخضع لنظام التركات والمواريث. فبحث التركات يحدد موضوع التركة وما تشتمل عليه. وكيف تنتقل إلى الورثة. وما هو حق الدائنين ومتى يتعلق بالتركة وما هو نظام تصفية التركة المستغرقة بالدين ومن يقوم بذلك.. الخ.
أما بحث الموارث. فهو الذي يحدد الوارث.. وهل يستقل بالميراث كله لوحده. أم يشاركه فيه غيره. وما هي نسبة حصص كل من الورثة.. ومن من الورثة يحجب الآخر.. وما هي موانع الميراث. وشروط أهلية الوارث.
وخلاصة ذلك أن نظام المواريث يحدد حق الإرث في حد ذاته.. ونظام التركات يحدد موضوع هذا الحق.
وكان من الطبيعي أن يكون النظامين بأكملهما تابعين لمصدر واحد للصلة الوثيقة بينهما. لما ينجم عن الخلاف بينهما.. من تضارب في كثير من الأحكام سواء في التركات. أم في المواريث.
وبما أن هذا الموضوع من صميم الأحوال الشخصية كان مما لابد فيه أن يكون للنظام بكامل شطريه مستمداً من الشريعة الإسلامية لأنها المصدر الوحيد لقانون الأحوال الشخصية.
إلا أن القانون المدني السوري المأخوذ عن القانون المدني المصري قد تعرض لنظام التركات فجاء بأحكام تخالف ما جاء في الشريعة الإسلامية من جهة.. وتصدم أحياناً مع بقية نظام التركات والمواريث في قانون الأحوال الشخصية. وذلك لاختلاف الأسس التي يقوم عليها كلا القانونين.
فالميراث هو ما يستحقه الوارث من نصيب في تركة المورث بعد إخراج الحقوق المتعلقة بها التي يجب إخراجها قبل التوزيع على الورثة.. كتجهيز المورث.. وسداد ديونه.. وتنفيذ وصاياه في الحدود التي رسمها الشارع. ووضع أركانها والتي لا يتحقق الميراث ولا يوجد إلا إذا وجدت أركانه الثلاثة الآتية
1 – المورث.. وهو الميت حقيقة بأن فارق الحياة فعلاً أو حكماً بأن حكم القاضي بموته كالمفقود (المادة 205 أحوال سوري).
2 – الوارث.. هو كل شخص يتصل بالميت اتصال قرابة أو نكاح أو بسبب من أسباب الإرث وفق ما نصت عليه المادة 260 أحوال.
3 – المورث.. وهو ما يتركه الميت من الأموال والحقوق التابعة لها التركة.
ولما كان الركن الثالث وهو ما يسمى بالتركة.. أم الأركان.. إذ لولا التركة لما كان وارث ولا مورث ولا توريث.. كما سبق وذكرنا.
وعن ما سبق رأيت واجباً علي أن أتعرض للركن الثالث بإيجاز لأهميته.. فأبين معناه وأبين الحقوق المتعلقة به ووقت تعلقها وترتيبها وحكمته.
ومن الرجوع إلى كتب الفقه نرى أن الفقهاء اختلفوا فيما يطلب عليه اسم التركة في الاصطلاح اختلافاً جوهرياً له آثاره العملية. وهذا ما يجب أن نتناوله بالتفصيل والتحديد وفيه حالات
1 – جاء عند الأحناف في شرح السيراجية ص 13 أن التركة هي ما يتركه الميت من الأموال صافياً عن تعلق حق الغير بدينه والأعيان التي تعلق بها حق الغير بالرهن مثلاً ليست من التركة بهذا المعنى.. كما يدخل فيها على ذلك دية المقتول خطأ.. فتعتبر كسائر أمواله حتى تقضى منها ديونه.. وتخرج وصاياه.. ويرث الباقي بعد هذا أو ذاك ورثته. (انظر مصادر الحق للسنهوري – الجزء الخامس ص 46 وما يليها).
وفي ذلك ذكر ابن عابدين في حاشيته أن التركة في الاصطلاح هي ما تركه الميت من الأموال صافياً عن تعلق حق الغير بعين من الأموال ويدخل فيها الدية الواجبة بالقتل الخطأ.. أو بالصلح عن العمد.. أو بانقلاب القصاص بعفو بعض الأولياء فتقضى منه ديونه وتنفذ وصاياه.
2 – وعند الشافعية ما جاء في حاشية البجيرمي ج- 3 ص 222 التركة عندهم هي كل ما كان للإنسان حال حياته وخلفه بعد مماته.. من مال أو حقوق.. أو اختصاص. وكذلك ما دخل بعد موته في ملكه بسبب كان منه في حياته.. كصيد وقع في شبكة نصبها في حياته.. ثم مات. فإن نصبه للشبكة للاصطياد هو سبب الملك. وإذا فقد استند الملك إلى فعله فكان ما وقع فيها تركة.
وكذلك الأمر عند الحنابلة فهم يذهبون إلى أن التركة هي الحق المخلف من الميت ويقال لها أيضاً التراث. وعرفها المالكية في كشاف القناع ج-2 ص 540 وحاشية الدسوقي ج- 4 ص 47 بأنها حق يقبل التجزي.. يثبت لمستحقه بعد موت من كان ذلك له.
وفي هذا تشمل التركة عند أصحاب المذاهب الأربعة.. ما عدا الأحناف ما تركه المتوفى من أموال أو حقوق وهم جميعاً يستندون إلى ما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله من ترك مالاً أو حقاً فلورثته ومن ترك كلاً أو عيالاً فالي إلى أنه يرى الأحناف أن كلمة حقاً ليست ثابتة في الحديث.. وما لم يثبت لا يكون دليلاً.
هذا ما اختلف فيه الفقهاء فيما بينهم في ماهية التركة.
فالأحناف يرونها ما تركه الميت من أموال ومثلهم في هذا ابن حزم الذي يقرر أن الله أوجب الميراث فيما يخلفه الإنسان بعد موته من مال.. لا فيما ليس مالاً. وأما الحقوق فلا يورث منها إلا ما كان منها تابعاً للمال أو في معنى المال مثل حقوق الارتفاق. والتعلي الطبقات وحق البقاء في الأرض المحتكرة للبناء والغراس حق الحكر. وغير ذلك من الحقوق لا يعتبر تركة. كحق الخيار في السلعة التي اشتراها المورث وكان له فيها الخيار.. وحق الانتفاع بما أوصى له به ومات قبل مضي المدة التي حددها الموصى.
إلا أن جمهور الفقهاء الآخرين. الشافعية والمالكية والحنابلة كما هو في بداية المجتهد ج- 2 ص 21 طبعة عام 1938 يرون وراثة كل ما يتركه الميت من حقوق أو مال. وهذا هو الرأي الذي نأخذ به ونراه صواباً. لأن الحقوق منافع.. بل إن الأعيان المالية تزاد لمنافعها التي هي مال.. أو يصح المقايضة عنها بمال. وقد قال صلعم من ترك حقاً أو مالاً فلورثته.
وخلاصة القول إن الأموال و الحقوق التي في التركة على ثلاثة أقسام بين الفقهاء1 – ما يورث باتفاق الأعيان المالية.. الحقوق العينية.. الخيارات التي تتعلق بالأعيان الموروثة.
2 – ما لا يورث باتفاق وهي الحقوق الشخصية المحضة كحق الولاية على النفس و المال و حق الحضانة.
و كذلك الديون فإنها لا تورث باتفاق فمن مات مدينا فلا ينتقل الدين إلى ذمة ورثته بل يبقى في التركة انظر مصادر الحق ص 6 4 و ما يليها من الجزء الخامس و تصبح التركة هي المسؤولة عن الدين فإن تجاوز الدين مجموع التركة فإن الورثة غير مسؤولين عن وفائه. و هنا يقول الدكتور السنهوري في مصادر الحق الجزء 5 صفحة 8 6 و 0 8 و هذا بخلاف الفقه الغربي فإن الأجل في الدين متصل بالدين ذاته لا بشخص المدين بل هو وصف للدين فإذا مات الدائن أو المدين لم يحل الدين إذا كان الأجل لم ينقضي. ولم يخل الفقه الإسلامي من أقوال تذهب إلى ما ذهب إليه الفقه الغربي من عدم حلول الدين المؤجل بموت المدين. ففي القانون الفرنسي كما وضح أن الدين ينتقل إلى ذمة الوارث ولدائني التركة أن ينفذوا على أموال الوارث الشخصية إلا إذا رفض الوارث.. أو قبله بشرط التجنب.
3 – ما هو محل خلاف بين الفقهاء وهي المنافع والخيارات التي ليست شخصية محضة ولا مالية محضة.
إلا أن القانون السوري لم يتعرض إلى ما يورث… أو ما لا يورث من الحقوق والأمول. فلعدم تعرضه هذا فهل نرجع إلى تعريف ذلك إلى رأي جمهور الفقهاء. أم إلى رأي الأحناف..
علماً بأن القانون السوري بمادته 305 قد أحالنا في كل ما سكت عنه القانون إلى القول الأرجح في المذهب الحنفي. فهل تعتبر الأموال الموروثة وقابليتها للميراث حسب ما ذهب إليه الأحناف.
فعن ما سبق وذكر نرى أن الخلاف منحصراً في تعريف المال فما كان من الأموال فهو من المورث الذي ينتقل إلى الورثة. فهذا تعريف المال عند الأحناف واعتبارهم المنافع ليست من الأموال ينسجم مع أوضاعنا التشريعية في سائر المعاملات المالية.
ثم أن صلة المال بتصفية التركات.. أكثر من صلته بنظام المواريث. ونظام تصفية التركات جاء في القانون المدني فهل ترجع إليه في تعريف المال.. دون تجاوز على ما نص عليه الشارع في وجوب الرجوع إلى المذهب الحنفي.
فأمام ذلك يجب أن نرجع فيه إلى ما جاء في القانون المدني. وإن كنا نرى وجوب توحيد نظام التركات وجعله منسجماً مع بقية أنظمة المواريث.. ومستقى من الشريعة الإسلامية.
وإذا رجعنا قليلاً بالمواد إلى قانون الوصاية. فلا نجد أيضاً تعريفاً للتركة. إلا أنه كل ما جاء فيه أن الوصية تصرف في التركة مضاف إلى ما بعد الموت (المادة 207 أحوال). أما ما هي التركة. وما هي الحقوق التي تورث. وما هي الأموال التي تعتبر من التركة. فهذا ما لا يتعرض إليه قانون المواريث وسكت عنه قانون الوصية.
ملاحظة للاستئناس انظر في ملحق المجموعة النصوص من القانون المدني 83 ومن 836 – 876 كذلك مصادر الحق للدكتور السنهوري صفحة 68 وما يليها في الجزء الخامس.
وإن مما يتصل بهذا البحث وما يورث… ومالا يورث من الحقوق. الأجل في الدين وإن لهذا البحث أهميته لما يترتب عليه من خلاف بين الفقهاء.. يختلف عن بقية الحقوق.
فإذا كان لأحد على آخر دين مؤجل… فمات أحدهما فهل يسقط الأجل. وهل يطالب الورثة بأداء الدين فوراً أم لا.
جرت العادة والعرف على تقويم الآجال بالبيوع.. وذلك بزيادة ثمن المبيع المؤجل لأمرين
1 – الناحية المالية لأن ثمن السلعة الحال يختلف عن ثمنها المؤجل.
2 – الناحية الشخصية فالأجل لا يعطى عادة إلا لمن كان معروفاً بالأمانة وحسن السمعة فقد يثق شخص بآخر.. ولا يثق بورثته. وعلى هذا التقدير سوف نبحث أثر وفاء الدائن في الدين المؤجل… وأثر وفاء المدين.
أ) – ذهب جمهور الفقهاء في أثر الدائن في الدين المؤجل إلى القول لا أثر لوفاة الدائن في الديون المؤجلة.. فإذا مات الدائن وكانت له ديون مؤجلة أي غير حالة فإنها لا تحل إلا بوقتها المحدد.
وذهب الظاهرية خلافاً لجمهور الفقهاء بأن الديون المؤجلة تحل بوفاة الدائن. لأن الأجل كان اتفاقاً بين الدائن والمدين. بناء على الثقة المتبادلة بينهما. فإذا توفي الدائن أو المدين… لا فرق بينهما في ذلك. فإن الآجال تسقط ويطالب ورثة الدائن المدينين بوفاء ديونهم إثر وفاة مورثهم الدائن.
ب) – أثر وفاة المدين في الدين المؤجل وعليه ديون مؤجلة فهل تحل بمجرد وفاته ويجبر ورثته على وفائها قبل مواعيدها. أم أن مواعيدها تبقى ثابتة.. ويرث ورثة المدين الأجل فلا يحل بالوفاة.
إن للفقهاء في هذا آراء لابد من أن نتناولها.
1 – ذهب الشافعية والحنفية والظاهرية إلى أن الأجل في الدين لا يورث. ومعنى ذلك أن المدين إذا توفي وكانت عليه ديون مؤجلة فإنها تحل بوفاته ويطالب ورثة المدين بأداء الديون قبل حلول آجالها. والأدلة في هذا الرأي.
أ) – إذا بقي الدين بعد وفاة المدين دون سقوط أجله فأين يبقى
أيبقى في ذمة المدين وقد ضعفت أو تلاشت بالموت. أو ينتقل إلى ذمة الورثة.. ولا إلزام دون التزام فكيف تلزمهم به.
ب) – إن الأجل في الدين كان على أساس الثقة المتبادلة بين المدين والدائن فإذا توفي المدين فقد لا يثق الدائن بورثته.. فكان من حقه المطالبة بوفاة المدين فوراً.
ج) – وجاء في كتاب الدكتور الرحال في حقوق الدائنين في التركة صفحة 399 أن أجل الدين إنما شرع للترفيه عن المدين. حتى يكون له من الوقت ما يستطيع فيه أن يقوم بوفاء ديونه بما يحصله من سعيه.. فإذا مات أصبح عاجزاً عن وفاء ذلك بتحصيله وسعيه ولهذا كانت الديون حال مرض الموت متعلقة بمال المريض وذمته بعد أن كانت متعلقة بذمته فقط.
د) – إن بقاء المدين بعد وفاته يضر بورثته لأن حق الميراث لا يكون إلا بعد سداد الدين.. ففي تعجيل الوفاء بالدين منفعة لورثة المدين حيث يستغلون نصيبهم من الميراث.
كذلك فإن الدائن يتضرر بتأخير وفاء دينه. فقد تتلف أعيان التركة فلا يجد لديونه وفاء لها وقد يتصرف الورثة بالتركة تصرفاً يضر بالدائن.
2 – وقد جاء في بداية المجتهد أن المالكية ذهبوا إلى أن الأجل في الدين لا يورث وتسقط الآجال وتحل الديون بوفاة المدين وذلك بشرطين
أ) – ألا يكون المدين قد توفى بعدوان من الدائن فإن قتل الدائن بدينه فلا يسقط الأجل وتبقى مواعيد الديون بأوقاتها لأن من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه فيحرم من سقوط الأجل فقط.
ب) – ألا يكون المدين قد اشترط على الدائن عدم حلول الدين بوفاته.
وجاء في المغنى ج4 ص 466 أن للحنابلة على المشهور عندهم إلى أن آجال الديون لا تسقط بوفاة المدين إذا توافر أحد الشرطين الآتيين
أ – إذا وثق ورثة المدين الدين كله.. أو برهن لوفاء حق الدائن.
ب – أو إذا التزام ورثة المدين أداء الدين المؤجل ورضي بذلك الدائن. أما إذا لم يوثق الورثة الدين ولم يلتزموا بأدائه أو لم يرض الدائن بالتزامهم فإن الديون المؤجلة تسقط ويطالب ورثة المدين بأدائها فوراً.
ونرى أنه من الواجب أن نرجح هذا المذهب لما فيه من ضمان حقوق الدائن.. وضمان لحقوق المدين وورثته إذ أن الأجل من حقوق المدين فيجب أن يورث عنه فينتقل المدين إلى ورثته مع الأجل. إلا أنه خشية عدم قيام الورثة بوفاء هذه الديون. فيجب عليهم أن يقدموا كفيلاً أو ضامناً للوفاء ينوب مناب الثقة المتبادلة بين مورثهم وبين الدائن. ويقول الدكتور السنهوري بذلك في الجزء الخامس من مصادر الحق صفحة 67 وحق الأجل في الدين حق متصل بشخص المدين في الفقه الإسلامي فقد نظر الدائن فيه إلى شخص المدين لأمانته أو لملائمته أو للشفقه عليه.. أو للرغبة في إسداء الجميل إليه.. وهذه كلها اعتبارات شخصية لا تورث.
فإذا مات المدين قبل أن يحل أجل دينه لم ينتفع الوارث بالأجل.. بل يحل الدين بموت المدين.
أما إذا مات الدائن قبل حلول الأجل. بقي الأجل على حاله ولم يحل الدين ووجب على ورثة الدائن أن يتربصوا حتى ينتهي الأجل ليطلبوا حقوق مورثهم.
فكما سبق وذكرنا بأن قانون الأحوال الشخصية السوري لم يذكر شيئاً عن هذا الموضوع إلا أن القانون المدني ذكر ذلك في بحث نظام تصفية التركات بمواده 836 حتى 878.
ونرى مما سبق في هذا البحث.. أنه بحث عميق وواسع وارتباطه بالقانون المدني أكثر من ارتباطه بقانون الأحوال الشخصية. لذا آثرنا أن تخصص قسم خاص في نهاية هذا الجزء موسع ومضافاً إليه مرض الموت ليفي بالغاية المرجوة من إصدار هذه المجموعة.
ملخص بتصرف من التركة والميراث للدكتور محمد يوسف موسى والأهلية والوصية والتركات للدكتور سباعي وحلبوني وأحكام التركات والمواريث للأستاذ بدران أو العينين بدران وأحكام المواريث عمر عبد الله.