الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 267 من قانون أصول المحاكمات الجزائية

الرأي الفقهي

يلاحظ القارىء بأن في خطورة الجنايات على المجتمع.. وعلى المتهم بارتكابها فقد أوجد لها الشارع أصولاً طويلة ومعقدة لمحاكمتها.
وقبل أن نبحث بوظائف رئيس محكمة الجنايات وأصول المحاكمات فيها.. لابد من أن نعود قليلاً إلى الوراء والى أحكام بعض المواد السابقة والمدرجة في الجزء الأول وقرارات قاضي التحقيق والاحالة.
وقد ذكرنا سابقاً في الجزء الأول صفحة 422 بأن الدعوى الجنائية خاضعة كلها للتحقيق وفي كل أدوار التحقيق والمحاكمة.. أي أمام قاضي التحقيق وقاضي الاحالة وأمام جميع المحاكم صلحاً وبداية واستئنافاً يحق للموقوف أن يطلب الى المرجع الذي يضع يده على قضيته اخلاء السبيل وتناولنا موضوع الاخلاء بحق أو بكفالة.. إلا أن للجنايات وضعاً خاصاً نصت عليه المادة 130 أصول جزائية المعدلة فالمتهم.. أي الذي قرر قاضي الاحالة اتهامه بالجناية واحالته الى محكمة الجنايات يحال موقوفاً بموجب مذكرة قبض. ولكن المتهم الذي لم يكن قد تقرر توقيفه أثناء التحقيق.. يبقى طليقاً ولا تنفذ مذكرة القبض بحقه.. وإنما يجب عليه أن يسلم نفسه قبل موعد الجلسة بيوم واحد على الأقل ويبقى موقوفاً حتى صدور الحكم.
ويفقد منحه.. عدم القبض عليه هذه إذا طلب الى قلم المحكمة بالطرق الإدارية وتخلف بدون عذر مشروع عن الحضور في اليوم المعين لاتمام المعاملات المنصوص عليها في المادة 273 وما يليها.
وقبل تعديل المادة 130 بالمرسوم التشريعي 68 لعام 1966 كان الوضع ثقيلاً على المتهمين بالجناية.. لأن المادة الملمع اليها كانت قاطعة بأن المتهم يجب أن يبقى موقوفاً حتى صدور الحكم في موضوع الدعوى.
غير أن المرسوم التشريعي 68 لعام 1966 أضاف للمادة 130 الفقرة الرابعة وكان هذا الادخال فيه كثيراً من الانسانية والمرونة الى صراحة المادة المذكورة ذهاباً من الشارع الى أن أموراً جديدة قد تجد أثناء رؤية القضية أمام محكمة الجنايات.. وخلال وجودها أمام محكمة النقض تستدعي الافراج عن المتهم.. وكان هذا التعديل موفقاً جداً ومنسجماً مع أهداف القانون بعدم التوقيف الى حين الضرورة الماسة.
وانني لأستميح القارىء عذراً إذا كررت بعض القواعد والمواد السابقة والمتصلة بوظائف وقرارات قاضي التحقيق.. ومن ثم قاضي الاحالة.
فصرحت المادة 137 أصول جزائية بأنه إذا اعتبر قاضي التحقيق أن الفعل جناية وأن الأدلة كافية لادانة المدعى عليه فإنه يقرر ايداع الأوراق الى النائب العام أوراق التحقيق في الحال لاجراء المعاملات المبينة في فصل الاتهام. ويبقى مفعول مذكرة التوقيف الصادرة بحق المدعى عليه جارياً الى أن يصدر قاضي الاحالة قراره في الدعوى.
ومما يترتب على النائب العام أن يهيىء الدعوى خلال خمسة أيام من استلامه أوراق التحقيق. وأن ينظم تقريره في الخمسة الأيام التالية على الأكثر ويقدمه الى قاضي الاحالة. وبعد أن يطلع قاضي الاحالة على ذلك التقرير يفصل في المطالب الواردة فيه بقرار يتخذه في الحال… أو في ميعاد ثلاثة أيام لطفاً راجع المادتان 144 و145.
وإذا تبين لقاضي الاحالة أن الفعل جناية وقامت أدلة كافية للاتهام.. أحال الظنين على محكمة الجنايات (المادة 149) ويجب على قاضي الاحالة أن يصدر قراراً واحداً في الجرائم المتلازمة المستفادة من الأوراق المعروضة عليه. فإذا كان بعضها من نوع الجناية والبعض الآخر من نوع الجنحة أحال القضية برمتها على محكمة الجنايات انظر المادة 150.
وعندما يقرر قاضي الاحالة اتهام الظنين يأمر بالقبض عليه ويدرج الأمر بالقبض في قرار الاتهام كما يتضمن الأمر بنقل المتهم الى محل التوقيف الكائن لدى محكمة الجنايات انظر المادتان 152 و153 وقد ألزمت المادة 154 قاضي الاحالة بتوقيع قرار الاتهام. وأن يشتمل هذا القرار على اسم القاضي وخلاصة مطالبة النيابة العامة.. وإلا كان باطلاً.
وأما المواد 158 و160 و161 أوجبت على النائب على أن ينظم تقريره في الدعوى خلال خمسة أيام من تسلمه الأوراق من قاضي الاحالة. وأوجبت تبليغ المتهم قرار قاضي الاحالة باحالته على محكمة الجنايات وقائمة الشهود وتسليمه صورة عنها لكي يطعن بقرار الاتهام إذا شاء. كما ألزم الشارع من التأكد بنقل المتهم خلال أربع وعشرين ساعة من تبليغه قرار الاتهام وقائمة الشهود ويجب أن يبلغ القرار بكامله.. ويجب أن يكون التبليغ شخصياً إلى محل التوقيف الكائن لدى محكمة الجنايات إذا كان موقوفاً في مكان آخر ويجب التأكد من ارسال أوراق الدعوى والأشياء المتعلقة بها من ديوان قاضي الاحالة الى النيابة العامة في المدة المذكورة. لكي تنظم ادعاءها على المتهم وتقدمه الى المحكمة القاعدة 495 الجزء الأول.
وذهبت محكمة النقض بأن غياب المتهم عن البلاد لا يمنع من تبليغه قرار الاتهام بالوساطة مع شقيقه المقيم معه في دار واحدة قرار رقم 967 تاريخ 8 / 1 / 1967.
ومن صراحة نص المادتان 263 و273 أوجب الشارع على رئيس محكمة الجنايات بعد ورود الأوراق الى قلم الحكمة.. ووصول المتهم الى محل التوقيف بأربع وعشرين ساعة على الأكثر يستجوبه رئيس المحكمة بنفسه.. أو قاض يختاره ولو كان من الذين يحق لهم الاشتراك في محاكمة المتهم. وهذه المدة وضعت للتأكيد على السرعة إلا أنها ليست سبباً من أسباب البطلان. وأشار الدكتور حومد بهامش صفحة 899 أصول جزائية بأن التشريع الفرنسي يوجب أن يتم استجواب الرئيس للمتهم خلال مدة لا تقل عن خمسة أيام من موعد الجلسة التي تحدد لمحاكمته تحت طائلة البطلان وقال الدكتور حومد بأن المحكمة من هذه المدة. هي تمكين المتهم من المذاكرة فيما تم في جلسة الاستجواب مع محاميه ورأينا بأنه حل اسلم من الموقف الذي اختاره الشارع السوري في المادة 273 .
إلا أن الشارع السوري لم يحدد موضوع هذا الاستجواب. وقد اكتفى بنص المادة 274 من قانون الأصول الجزائية بالنص على سؤال الرئيس للمتهم عما إذا اختار محامياً له أم لا.. فإن لم يكن قد اختار محامياً عين له محامياً في الحال. ولم يزد القانون على أكثر من ذلك. فهل هذا هو موضوع الاستجواب فقط.
هذا ما سنأتي على ذكره بذيل المواد القادمة.
ولرئيس محكمة الجنايات في قانون أصول المحاكمات الجزائية سلطات واسعة لا تضاهيها سلطات رئيس أي محكمةأخرى. فقد أعطاه الشارع بالاضافة الى جانب حقه بأن يدير الجلسة ويتخذ التدابير اللازمة لحسن سير المحاكمة.. يتمتع بسلطة يكون له بمقتضاها الحق في أن يتخذ من تلقاء نفسه جميع التدابير التي يراها مؤدية لاكتشاف الحقيقة ويكل القانون الى شرفه وضميره بذل غاية جهده في سبيل هذا الأمر. لطفاً انظر المادتان 264 و265.
فهي إذن سلطة شخصية يمارسها الرئيس دون استشارة أو استئذان قضاة المحكمة. كما أنه ممنوع من نقلها الى غيره من الأعضاء. والقاعدة أنه يلجأ اليها إذا شعر بحاجة اليها. وحين يريد أن يتخذ تدبير من التدابير.. فإنه يتخذه فوراً دون حاجة الى قرار مسبق. واذا طلبت النيابة العامة أو أحد الخصوم الى الرئيس أن يتخذ تدبير ما بموجب سلطته الشخصية.. فله اجابة الالتماس وله رفضه وإذا رفضه فهو غير ملزم ببيان أسباب الرفض وإذا أراد أن يعلل لتصرفاته فالقانون لا يمنعه من ذلك.. وهذا هو السلوك الأسلم. والقاعدة أن يقول بموجب سلطتنا الشخصية نقرر….
وإن غاية المشرع بما نصت عليه المادة 265 / ف1 هو تسهيل تنظيم البينة والاسراع في اكتشافها توصلاً للحقيقة.. لذلك أجاز القانون أن يتخذ من تلقاء نفسه جميع التدابير التي يراها ضرورية لاكتشاف الحقيقة.
وقد عددت المادة 266 الاجراءات التي يحق له أن يتخذها شخصياً. كما خولته السلطة بأن يجلب قبل المحاكمة وأثناءها أي شخص كان لسماعه ولو بطريقة الاحضار.. وأن يطلب الأشياء والأوراق التي تكون مداراً لظهور الحقيقة سواء تبين له ذلك من افادة المتهم أو الشهود. كما له أن ينيب لسماع الشهود الذين يقيمون خارج مركز المحكمة قاضي التحقيق التابعين له الخ…
ويدخل في سلطة رئيس محكمة الجنايات أيضاً حقه في أن يأمر بتلاوة مختلف الأوراق والوثائق والضبوط والافادات والشهادات والتقارير الواردة في الدعوى أوالمتعلقة بها.. كتلاوة افادة المتهم في التحقيق الابتدائي.. أو تلاوة حكم صادر عن محكمة أخرى في قضية للمتهم علاقة بها أو تلاوة مذكرة مع شاهد.. أو رسالة مغفلة من كل توقيع.
وخلاصة ما سبق فإن لمحكمة الجنايات بكامل هيئتها أن تأمر بإجراء كل تدبير بتحقيق عادي خوله القانون للمحاكم الجزائية الأخرى. إلا أن لرئيس محكمة الجنايات أن يقوم به بناء على سلطته الشخصية.. أو يقوم به مع هيئة المحكمة وعندها يكون تدبيراً عادياً.
إلا أن التدابير الاستثنائية لايمكن اتخاذها إلا بناء على سلطة الرئيس الشخصية ومن قبله فقط كما سبق وأشرنا.
ولكن لهذه السلطة الشخصية حدوداً يجب ألا يتخطاها الرئيس سنأتي على ذكرها مفصلة بذييل المواد القادمة.