الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 274 من قانون الأحوال الشخصية

الرأي الفقهي
1 – بعد أن يعطى أصحاب الفروض أنصبتهم من التركة. يأتي دور العصبات على اختلا أنواعهم. فإن لم يسبق من التركة شيء معد أصحاب الفروض. أصبح لا حق للعصبات في شيء وإن بقي كان لهم الباقي من التركة على ترتيب خاص فيما بينهم. بحسب جهاتهم.. ثم بحسب قرب أصحاب الجهة الواحدة من المتوفى. وهذا.. وذاك إذا كانوا عصبات من جهة النسب.
وهؤلاء العصبة من هذه الناحية من الطبيعي أن يكون لهم حظهم في الميراث فهم الذين ينتسب إليهم المتوفى.. أو ينتسبون إليه من الآباء.. والأبناء. وهم إلى جانب هؤلاء اخوته وأعمامه. ونتيجة هذا كله أن يكونوا عونه في الحياة. وهم من يركز إليهم حين الشدة.. ومن يستنصر بهم إذا ضاقت به السبل. ولذلك كان من العقل أن يكونوا من ورثته. وبهذا لا يذهب ماله إلا إلى من كان يجد منهم العون والنصرة في وقت الشدة.
هذا من ناحية العقل.. والشريعة الإسلامية. شريعة تقوم على العقل في أحكامها بصفة عامة. ولذلك نجد الأصل الثاني لتوريثهم قد جاء به الكتاب.. والسنة.
ففي القرآن الكريم قوله تعالى في سورة النساء الآية 11 يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد ورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له أخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصى بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً فريضة من الله ان الله كان عليماً حكيماً. في هذه الآية بيان فرض الأولاد والإناث إذا لم يكن معهن ذكر – أي إن كانت صاحبة الفرض من الإناث تصبح عصبة بأخيها. كما دلت على نصيب كل من الأبوين. كذلك فيها دلالة على أن الأولاد يأخذون الباقي بعد أنصبة أصحاب الفروض هؤلاء للذكر ضعف الأنثى باعتبارهم عصبة.
كما أن فيها اشارة إلى أن الأب من العصبة.. فيكون له الباقي بعد أصحاب الفروض إن لم يكن للميت ولد ولذا يقول العليم الحكيم فإن لم يكن له وورثه أبواه فلأمه الثلث. فيعلم من الاقتصار على بيان تعصيب الأم في هذه الحالة أن للأب الباقي باعتباره عصبة.. ما دام ليس للميت ولد.
ونجد أيضاً في آخر السورة نفسها الآية 176 قوله تعالى ان امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نص ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا أخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين.
ففي هذه الآية دليل على أن الأخوة جهة من جهات العصبة النسبية كما سبق وذكرنا في بحث أصحاب الفروض. وفي الآية السابقة دليل على أن الأنثى صاحبة الفرض المعلوم. كالبنت مثلاً. يسقط فرضها وتصير عصبة إذا كان معها في درجتها من القرابة من تكون عصبة به.
هذا ما جاء في الكتاب. أما السنة فنجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قضي لابنتي سعد بن الربيع الذي استشهد يوم أحد بثلثي تركته.. ولأمها بالثمن وجعل الباقي لعملها بعد أن كان قد أخذ كل ما تركه سعد وذلك بعد أن نزلت آية يوصيكم الله في أولادكم.
فقد قال صلى الله عليه وسلم بعد أن نزلت هذه الآية أدعو لي المرأة وصاحبها.. فلما حضرا قال صلى الله عليه وسلم أعطها الثلثان وأعطي أمها الثمن وما بقي فهو لك أي باعتباره أقرب عصبة للميت راجع سنن أبي داود ج- 3 ص 166 وفي أحكام القرآن للجصاص ج- 2 ص 496 جاء أن المتوفى هو ثابت بن قيس.
ومن ثم نجد أن ابن عباس رضي الله عنهما يروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اقسم الفرائض على كتاب الله فما تركت الفرائض فلأولى ذكر وفي رواية أخرى فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر.
وإذا كان الحديث الأول يدل على أن العمومة من جهات العصوبة. فإن الثاني يدل على أن العصوبة أعم من هذا. وإنها تشمل العمومة وغيرها من ناحية الذكور وأن الباقي بعد أصحاب الفروض يكون أقرب الذكور إلى المتوفي من ناحية النسب.
والنسب لا يكون إلا من جهة الأب. كما يدل على أنه حين تتعدد العصبات يكون الترجيح بينهم للأقرب درجة.. أو الأقوى قرابة.
هذا إيجاز في أن العصبة تنقسم إلى قسمين عصبة نسبية.. وعصبة سببية. فأما العصبة السببية فهي عصبة المعتق لمن أعتقه فهو يرثه إن لم يكن له وارث. صاحب فرض.. ولا عصبة نسبية. وسبق وذكرنا بأن العصبة السببية بعصرنا هذا لم يعد لها وجود.. ولهذا لا نتناولها في بحثنا هذا.
والعصبة النسبية.. فهم أقارب الميت الذكور.. ومن ينزلون منزلتهم أو يلحق بهم. والذين لا تتوسط بينهم وبين الميت أنثى كالابن.. والأخ والعم.. والبنت وأخيها.. والأخت مع البنت. وهكذا – كما سبق وذكرنا – وتنقسم العصبة النسبية إلى ثلاثة أقسام العصبة بالنفس.. العصبة بالغير.. العصبة مع الغير.. ولنبين كل من هذه الأقسام الثلاثة فيما يلي
1 – العصبة بالنفس هم كل ذي نسب ليس بينه وبين الميت أنثى. وهم أربعة أنواع بقدر جهة القرابة.
النوع الأول – جهة البنوة وهم فرع الوارث كالابن.. وابن الابن وإن نزل. ما دامت لا تتوسط بينه وبين الميت أنثى.
النوع الثاني – جهة الأبوة وهم الأصل الوارث كالأب والجد ممن لا تتوسط بينهم وبين الميت أنثى.
النوع الثالث – جهة الأخوة وهم فروع أب الميت. الأخوة وأبنائهم ممن لا تتوسط بينهم وبين الميت أنثى.
النوع الرابع – جهة العمومة وهم فروع جد الميت الذكور. الأعمام وأبناؤهم ممن لا تتوسط بينهم وبين الميت أنثى.
وهناك قاعدة لتوريث هؤلاء العصبة يقوم على المبادىء التالية
أ) – لا يرث واحد من أفراد النوع المتأخر ما دام هناك أفراد من النوع الذي قبله. فلا يرث الآباء بالتعصيب.. مع وجود الأبناء ولا الأخوة مع وجود الآباء. ولا الأعمام مع وجود الأخوة.
ب) – إذا اتحدت جهة القرابة وكان العصبة من نوع واحد كالبنوة.. أو الإبرة. فلا يرث الأدنى مع وجود الأقرب. وبعبارة أخرى لا يرث من أدلى إلى الميت بواسطة.. مع وجود تلك الواسطة. فلا يرث الجد مع وجود الأب.. ولا ابن الابن مع وجود الابن ولا ابن الأخ مع وجود الأخ.. ولا ابن العم مع وجود العم.
ج) – إذا اتحدت جهة القرابة ودرجتها.. ولكن اختلفت في القوة.. يقدم الأقوى قرابة على غيره. فمن كان قريباً لأبوين قدم على من كان قريباً لأب واحد. كالأخ الشقيق فإنه يقدم على الأخ لأب لقوة قرابته.
د) – إذا اتحدت الجهة والدرجة والقوة. استحقوا جميعاً الميراث وكانوا في التعصيب سواء كثلاثة أبناء.. أو ثلاثة اخوة. قسم المال بينهم بالتساوي.
2 – العصبة بالغير هي كل أنثى ذات فرض وجد معها ذكر من درجتها فإنها تصير عصبة به – كالبنت مع الابن.. والأخت الشقيقة مع الأخ الشقيق. ويستمر اتحاد الدرجة وقوة القرابة فلا تكون الأخت شقيقة عصبة مع الأخ الأب. لأنه أضعف منها قرابة كما لا تكون الأخت الشقيقة عصبة مع ابن الأخ الشقيق. لأنه أدنى منها درجة.
إلا أنه يستثنى من قاعدة اتحاد الدرجة. بنات الابن مع ابن أب الابن فإنهن يكن عصبة به إذا احتجن إليه.. ولو كان أدنى منهن درجة لأنه لو لم يعصبها لأدى ذلك إلى أن تأخذ بنت ابن الابن بأخيها ابن ابن الابن وتحرم بنت الابن مع أن هذه أقرب من تلك فتفادياً لمثل هذه الحالة.. جعلت بنت الابن عصبة بمن هو أدنى منها درجة من الأبناء الذكور إذا احتاجت إليه أما إذا لم تحتاج إليه فلا يعصبها. كما إذا كانت بنت ابن مع البنت فإنها ترث هنا وتأخذ السدس دون حاجة إلى من يعصبها. بخلاف بنت الابن مع البنتين.. فإنها لولا ابن الابن لما ورثت شيئاً.
والعصبة بالغير لا تكون إلا ممن فرضهن النصف.. أو الثلثان وينحصر بأربعة أنواع
أ) – البنات مع الابن.
ب) بنات الابن مع ابن الابن.. أو مع الأدنى منهن إذا احتجن إليه.
ج-) الأخوات الشقيقات مع الأخ الشقيق.
د) – الأخوات لأب مع الأخ لأب.
ومما تقدم نرى أن الأنثى التي لا فرض لها.. لا تكون عصبة مع أخيها. فلا ترث العمة مع العم.. ولا بنت العم مع أب العم.. ولا بنت الأخ مع ابن الأخ. وذلك لأنهن لسن من ذوات الفروض.
3 – العصبة مع الغير وهي كل أنثى في عصوبتها إلى أنثى وليس ذلك إلا للأخوات الشقيقات أو لأب مع البنات.. أو بنات الابن وإن نزلن.. وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم اجعلوا البنات مع الأخوات عصبة.
(في بيان أحوال الجد – انظر هامش المادتان 265 / 267 في هذا الجزء)
وفي ختام بحث الإرث بطريق التعصيب لا بد من إدراج بعض المسائل التطبيقية لما سبق بيانه
1 – مات عن أب وابن وبنت وأخت شقيقة للأب السدس فقط.. ولا شيء له من التعصيب. لوجود الابن. وللابن والبنت الباقي للذكر مثل حظ الأنثيين. ولا شيء للأخت الشقيقة. لسقوطها بالابن والأب.
2 – مات عن جد وبنت وأخ شقيق للبنت النصف.. والباقي للأخ والجد.
3 – ماتت عن زوج وأخ لأم وأخ شقيق وأخت شقيقة للزوج النصف وللأخ لأم السدس.. والباقي للأخ أو الأخت للذكر مثل حظ الأنثيين.
4 – مات عن بنت وبنت ابن وابن ابن وابن ابن ابن للبنت النصف. ولبنت الابن مع ابن الابن الباقي.. ولا شيء لابن ابن الابن.
5 – مات عن بنت ابن وأخت لأب وعمة لبنت الابن النصف.. وللأخت لأب الباقي. لأنها أصبحت عصبة مع البنت.. ولا شيء للعمة.
ملخص بتصرف من الأهلية والتركات والوصية للدكتور صابوني وسباعي والتركة والميراث للدكتور محمد يوسف موسى وأحكام التركات والمواريث للأستاذ بدران أبو العينين بدران