الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 298 من قانون الأحوال الشخصية

الرأي الفقهي
لابد في بحث هذا الباب من الرجوع إلى بعض النصوص من قانون الأحوال الشخصية وذلك لارتباطها ببعضها ارتباطاً وثيقاً بالرغم من تكرارها في بعض الحيان. فنقول
ذكرنا فيما سبق أن الورثة هم أصحاب الفروض والعصبات وذوو الأرحام. فإذا مات إنسان ما عن غير وارث كانت التركة لواحد من ثلاثة مقدم بعضهم على بعض وفق ما نصت عليه المادة 262 النبذة 2 – فقرة أ –
استحقاق من أقر له الميت بنسب على غيره
والإقرار بالنسب نوعان لابد من أن نذكرهم بالتفصيل وربط المواد المتعلقة بهما ربطاً موضحاً.
النوع الأول إقرار بنسب على المقر. وهو الإقرار بأصل النسب وتشمل البنوة والأبوة والأمومة مباشرة.. وينحصر في الإقرار.. بالابن والبنت.. والأب.. والأم.
ويثبت بهذا النوع من الإقرار.. نسب المقر له من المقر أولاً ويستتبع ذلك ثبوت نسب المقر له من غير المقر ممن لهم صلات نسبية بالمقر متى توافرت في هذا الإقرار الشروط لصحته. فإذا أقر شخص لآخر أنه ابنه ثبت نسبه. وثبوته من المقر أولاً واستتبع ذلك أن المقر له أخ لأولاد المقر وإن أبو المقر.. جد له وإن اخوته وأخواته أعمام وعمات للمقر له.
ومثل هذا في الحكم ما إذا أقر فتى.. أو فتاة لرجل أنه أبوه.. ولامرأة أنها أمه. وما إذا أقرت امرأة الولد ذكراً كان أو أنثى.. أنه ابنها أو بنتها.
إلا أنه لصحة الإقرار بالنسب حتى يثبت النسب بهذا النوع من الإقرار ثلاثة شروط
أ) – أن يكون المقر له بالبنوة مجهول النسب. فلو كان معروف النسب لغير المقر. لا يصح الإقرار بنسب آخر غير هذا النسب المعروف. لأن نسب المقر له ثابت. والنسب متى ثبت لا يقبل التحويل.. ولا الإبطال وصحة الإقرار تقتضي إبطال نسبه المعروف به إذ لا يمكن ثبوت بنوة شخص ما من رجلين.
ب) – أن يكون المقر له بالبنوة بمن يولد مثله لمثل المقر. فإن لم يكن كذلك.. كما لو كانا المقر والمقر له متساويين.. أو متقاربين في السن.. لا يصح الإقرار. لأن المقر كاذب في إقراره بحسب الواقع وشهادة العقل.
ج-) – أن يصادق المقر له المقر على إقراره بالنسب إذا كان أهلاً للمصادقة. بأن يكون مميزاً لأن الإقرار بالبنوة يتضمن أن المقر يدعي على المقر له أنه ابنه.. ودعوى الإنسان على الغير لا تثبت إلا بالبينة.. أو المصادفة فإذا لم يصادقه.. لم يصح الإقرار فلا يستتبع أثره. وإن كان المقر له غير مميز اعتبر مصدقاً. لأن فائدة ثبوت نسبه من المقر تعود عليه في الأعم والأغلب من الوجهة المادية. وأما من الوجهة الأدبية. فالمصلحة متحققة للمقر له غير المميز.
وهو أن يثبت نسبه. لأنه من المفروض أنه لا يعرف له نسب.. لكونه مجهول النسب انظر المواد 134 و135 و136 صفحة 624 وما يليها في الجزء الأول.
فإذا تحققت هذه الشروط في الإقرار بنسب على نفس المقر ثبت بهذا الإقرار النسب معاملة المقر بإقراره.. وللمصادق بمصادقته. ولا يجوز الرجوع عن هذا الإقرار بعد صحته. ويترتب على هذا الإقرار بعد صحته جميع الحقوق والأحكام الثابتة بين الأبناء والآباء.. وبين الأبناء والأمهات. ولا يترتب على ثبوت بنوة المقر له بناء على إقراره أنه ابنه بثبوت زوجية المقر بأم المقر له. لاحتمال أن يكون الولد من دخول بها يشبهه أ من دخول بها في عقد زواج فاسد. ولا يثبت الزوجية مع هذا الاحتمال. انظر المواد 48 – 52 صفحة 148 وما يليها في الجزء الأول.
النوع الثاني إقرار بنسب على غير المقر. وهو الإقرار بقرابة يكون فيها واسطة بين المقر والمقر له. كما إذا أقر شخص لآخر أنه أخوه.. أو عمه.. أو جده أو ابن ابنه.. أو بنت ابنه. وهذا النوع من الإقرار فيه تحميل النسب على غير المقر أولاً. ثم يسري منه تحميل النسب على المقر. فإذا أقر شخص لآخر أنه أخوه.. اقتضى هذا الإقرار أولاً أن المقر له ابن لأبي المقر.. ويستتبع ذلك أنه أخ للمقر. وهذا النوع من الإقرار لا يثبت به النسب.. ويجوز الرجوع عنه. ولكن يعامل المقر بمقتضى إقراره فيصح في حق نفسه متى تحققت شروط صحته لأن هذا الإقرار تضمن أمرين. إقرار بنسب على الغير.. وإقرار بأن المقر له يستحق على المقر حقوق القرابة. فيرد إقراره بالنسب على الغير لكونه إقرار على غيره. لأن الإقرار حجة قاصرة على المقر. ويقبل إقراره باستحقاقه عليه حقوق القرابة فيعامل المقر بمقتضى إقراره في الحقوق المالية.. حيث لا يلحق الضرر بالغير حتى لو كان المقر له بالأخوة مثلاً فقيراً عاجزاً عن الكسب.. وجبت ثقته على المقر. ولو ورث المقر شيئاً بسبب القرابة.. شاركه المقر له فيما ورث.
وإذا مات المقر بنسب على غيره.. ولم يوجد له وارث أصلاً بسبب من أسباب الإرث. استحق المقر له تركته بغير الإرث على ما اختاره قانون الأحوال الشخصية السوري بمادته 136 / 635 وموضوع التبني والمادة 41 من قانون المواريث المصري في نهاية هذا الجزء.
ونخرج عما سبق بالقواعد التالية لهذا الباب
نرى أن القانون قد نص بمادته 298 على استحقاق المقر له بنسب محمول على الغير بالإرث من المقر. حين لا يكون له وارث غير ذي فرض أو عصبة أو رحم.. ووفق الشروط التالية
أولاً – أن لا يثبت نسب المقر له من المقر بطريقة ما غير الإقرار فإذا ثبت بينة أخرى أنه أخوه.. أو عمه مثلاً.. وكان فعلاً عمه أو أخاه.. استحق التركة على أنه وارث نسبي.
ثانياً – أن لا يرجع المقر عن إقراره بل يستمر في هذا الإقرار حتى الوفاة. فإذا رجع اعتبر ذلك الإقرار باطلاً.. ولم يستحق المقر له الإرث ولو لم يكن يوجد غيره من الورثة. ذلك لأن الإقرار في تلك الحالة يعتبر في معنى الوصية.. وللموصي له حق الرجوع عن وصيته متى شاء. انظر المادة 220 صفحة 1183 وما يليها.
ثالثاً – أن لا يقوم به مانع من موانع الإرث التي نصت عليها المادة 222 / 264 فإذا كان المقر له مخالفاً لأحكام هاتين المادتين لا يستحق شيئاً من مال المقر بحال من الأحوال. وهذا ما يتفق ونص المادة 298 موضوع هذا البحث.
وأخيراً لابد من التنويه بجواز ثبوت النسب بالبينة.
والبينة عبارة عن شهادة رجلين عدلين.. أو شهادة رجل وامرأتين عدول.
ويثبت بالبينة النسب.. كما يثبت بالفراش وبالإقرار سواء كان النسب المدعى به نسباً أصلياً. وهو البنوة والأبوة والأمومة في الدرجة الأولى.. أو غير ذلك من أنواع القرابة الفرعية. كالأخوة والعمومة.
فان ادعى شخص على آخر أنه ابنه أو أبوه أو أخوه أو عمه وكانت الدعوى مستوفية شروطها الشرعية وأنكرها المدعى عليه. وأثبتها المدعي بالبينة وحكم له القاضي بدعواه بناء على البينة ثبت نسبه من المدعى عليه وترتيب على كل الحقوق والأحكام المترتبة على قرابة النسب كما سبق وذكرنا. ثم إن كانت دعوى النسب بالأبوة أو البنوة حال حياة الأب أو الابن المدعى عليه.. تسمع الدعوى ولو كانت مجردة من أي حق آخر. كالإرث والنفقة. لأن النسب في هذه الحالة يصح أن يقصد لذاته.
وإن كانت دعوى النسب كما سبق وذكر.. بعد وفاة الابن.. أو الأب المدعى الانتساب إليه. أو كانت دعوى النسب بغير البنوة والأبوة. كالأخوة والعمومة مطلقاً أي سواء كانت الدعوى حال حياة المدعى الانتساب إليه.. أو بعد وفاته. فإن الدعوى لا تسمع شرعاً إلا في ضمن دعوى بحق آخر. لأن النسب حينئذ غير مقصود لذاته. وإنما المقصود بالذات هو ما يترتب عليه من حقوق كالنفقة والإرث. فيجب على المدعي أن يدعي بالحق المقصود له بالذات.. وفي ضمنه النسب. حتى إذا ما ثبت الحق المدعى به قصداً.. ثبت النسب ضمناً. والله أعلم.
انظر المادة 129 / 599 الجزء الأول والمواد 134 و135 و136 والرأي الفقهي والقواعد المدرجة بذيلها صفحة 634 وما يليها في الجزء الأول.
ملخص بتصرف أحكام الشريعة الإسلامية للأستاذ عمر عبد الله والدكتور صابوني وسباعي والدكتور محمد يوسف موسى والأستاذ بدران بدران