الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 303 من قانون الأحوال الشخصية

الرأي الفقهي
آخر ما تعرض له الفقهاء في باب الإرث بالفرض والتقدير. هو ولد اللعان.. وولد الزنى ففي كل منهما تردد في ثبوت النسب ونفيه.
ونجد تعريف اللعان.. أو صورته في سورة (النور) من القرآن العظيم
ولقد جاء في الآية 6 حتى 9 من هذه السورة قوله تعالى والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.
فعرفت هذه الآيات ولد اللعان. هو الولد الذي ولدته أمه على فراش الزوجية الصحيحة شرعاً. ولكن الزوج رماها بالزنى.. وبهذا قد ينتج أن ينفى نسب ولدها منه.. إلا أنه لم يكن هناك شهود يشهدون بذلك. فمن أجل ذلك شرع الله تعالى لهما اللعان. لينجو الزوج من حد القذف.. وتنجو الزوجة من حد الزنى. ووعد الله الكاذب منهم بعذاب أشد من حد القذف ومن حد الزنى انظر المواد 129 – 136 صفحة 619 وما يليها في الجزء الأول – كذلك المادة 18 قدري باشا كذلك القواعد 1411 وما يليها صفحة 1530 وما يليها في هذا الجزء.
ومن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم نعرف أن اللعان يجب أن يكون أمام القاضي. وذلك لأنه أمر جلل وأثره خطير. وقد جاء في نهاية المحتاج ج- 7 ص 109 يشترط عند الشافعية أمر القاضي أو نائبه.. أو المحكم بين الزوجين. كذلك عند الأحناف الدر المختار وحاشية ابن عابدين ج- 2 ص 601.
ويكون أمر القاضي بأن يأمر الزوج أن يشهد الله أربع مرات أنه من الصادقين فيما رماها به من الزنى ونفي الولد ويقول في الخامسة لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
ثم تشهد الزوجة الله أربع مرات أنه من الكاذبين فيما رماها به من الزنى ونفي الولد عنه وتقول في الخامسة غضب الله عليها إن كان من الصادقين.
ومتى تم اللعان حسب شروطه وجب التفريق بين الزوجين.. ونفي نسب الولد عن الزوج وإلحاقه بأمه. وعندها يترتب من ذلك أن الولد يرث أمه وترث منه ولا يكون توارث بينه وبين الأب. لانقطاع نسبه منه بعد اللعان.
وقد جاء في تبيين الحقائق ج- 6 ص 241 كما يذكر الإمام الزيلعي أن نسب الولد منقطع من جهة الأب فلا يرث به من جهة الأم ثابت فيرث به أمه وأخوته من الأم بالفرض لا غير. وكذلك ترثه أمه واخوته من أمه فرضاً لا غير. ولا يتصور أن يرث أو يورث بالعصوبة النسبية إلا من جهة البنوة فيرث أيضاً من هذه الجهة ابنه.. ويرثه ابنه أي فضلاً عن التوارث بينه وبين الأم وقرابتها بالفرض.
وكما قال السرخسي في المبسوط ج- 29 ص 198 حيث تكلم عن الخلاف في وراثته من جهة العصوبة فقال كان علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت يقولان ولد الملاعنة بمنزلة من لا قرابة له من قبل أبيه.. وله قرابة من قبل أمه وهو قول الزهري وسليمان بن يسار وبه أخذ علماؤنا الأحناف والشافعية إلى آخر ما قال.
ويذكر الإمام ابن رشد الفقيه الفيلسوف أن هذا هو رأي مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وذهب ابن حنبل وآخرون من فقهاء الصحابة والتابعين إلى أنه يرث ويورث أيضاً من جهة العصوبة وعصبته هم عصبة أمه في رأي بعضهم – وهو في رأي البعض الآخر منهم أمه ثم عصبتها من الذكور. لأنه يجعلون الأم بمنزلة الأب. انظر بداية المجتهد ج- 2 ص 349 والمغنى لابن قدامه ج- 6 ص 259 والروض النصير ص 100 ومفتاح الكرامة ج- 8 ص 207.
هذا حكم ولد اللعان.. وأما ولد الزنى. فهو ولد غير شرعي جاء من سفاح كما هو معروف.. فلا يثبن نسبه ممن كان السبب في حمله أمه به.. حتى ولو أقر أنه ابنه من الزنى. لأن الجريمة لا يصح أن تكون سبباً لنعمة من أعظم النعم وهي ثبوت المنسب.
وإذا يكون حكم ولد الزنى كحكم ولد اللعان. في أنه لا يرث الذي جاء بسببه. ولا يرث إلا أمه ورابتها. وذلك للعلة التي تجمع بينهما. ألا وهي انقطاع نسب كل منهما من جهة أبيه.
وفي هذا يقول صاحب من الأحناف ويرث ولد الزنى واللعان بجهة الأم فقط وعلله شارح الزيلمي بأن نسب كل منهما منقطع من جهة الأب كما سبق وذكرنا.
ويذكر ابن قدامة الحنبلي أن الحكم في ميراث ولد الزنى كالحكم في ولد الملاعنة.. إلا أن بينهما بعض الاختلاف في عصبة كل منهما وجمهور الفقهاء على التسوية بينهما في هذه الناحية أيضاً لانقطاع نسب كل منهما عن أبيه. انظر المغنى الجزء 6 صفحة 266.
وجاء في المحلى ج- 9 ص 302 في ولد الزنى خاصة إذ يقول ابن حزم ما نصه وولد الزنى يرث أمه وترثه أمه ولها عليه حق الأمومة من البر والنفقة والتحريم وسائر أحكام الأمهات. ولا يرثه الذي تخلق من نطفته ولا يرثه هو.. ولا له عليه حق الأبوة لا في بر ولا نفقة ولا تحريم ولا في غير ذلك وهو منه أجنبي. ولا نعلم في هذا خلافاً إلا في التحريم فقط.
وبجانب هذا نرى الشيعة لا يؤرثون ابن الزنى من أمه وقرابتها أيضاً. لأن الجريمة لا يمكن أن تكون سبباً لنعمة الميراث. وهذا هو الرأي الصحيح.. أو الرواية المقبولة عندهم.. وكما لا يرث أمه واخوته وأقربائه منها.. كذلك هي لا ترث منه ولا يرث أحد من أقاربها منه. وإنما يرثه ولده وزوجته أو زوجها إن كان ولد الزنى أنثى.
وروي عن الإمام علي رضي الله عنه أنه كان يقول ولد الزنى.. وابن الملاعنة ترثه أمه واخوته لأمه أو عبتها ولكنهم لا يقبلون هذه الرواية.. ويقولون أنها رواية مطروحة عند الأصحاب لضعفها ومخالفتها لأصول المذهب وقواعده. انظر مفتاح الكرامة ج- 8 ص 213. والأمر كذلك عند الشيعة الزيدية فهم لا يورثون ولد الزنى من أمه أيضاً تتمة الروض النضير ص 101. وبهذا يغرقون بين ابن الزنى.. وابن الملاعنة وبذلك يخالفون الفقهاء الآخرين.
إن هؤلاء الفقهاء ذهبوا إلى أن ولد الزنى إذا استلحقه أبوه ولو صرح بأنه ابن له من الزنى.. ولم تكن أمه ذات فراش زوج آخر.. أو معتدة منه.. كان ابنه ويرثه. فإن كانت متزوجة أو معتدة. كان ابناً لصاحب الفراش وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش للعاهر الحجر حتى ولو ادعاه أبوه وألحقه بنسبه انظر المغنى لابن قدامه ج- 6 ص 266.
وأنهم في هذا الرأي الذي ذهبوا إليه يقدرون الحقيقة في ذاتها.. هذه الحقيقة التي ظهرت بإقرار الأب أنه ابنه وإلحاقه بنسبه. كما يحرصون أن لا يضيع الولد وهو لا ذنب له.. بل هو مجنى عليه كما قلنا آنفاً.
وسواء كان الحق هو ما ذهب إليه هؤلاء أو الشيعة.. أو هؤلاء من جمهور الفقهاء. فإن قانون الميراث أخذ برأي الجمهور وبذلك سوى بين ولد الملاعنة وولد الزنى وكان حكم المادة 303 مع مراعاة المدة المبينة في المادة 300 يرث ولد الزنى وولد اللعان من الأم قرابتها.. وترثهما الأم وقرابتها.
ونرى بمراعاة هذه المادة المشار إليها يجب ربط أحكام المادة 236 والمادة 298 والمادة 300 التي روعيت فيهما شروط النسب من الأم إذا كان الحمل ولد الزنى.. وارثاً أو موروثاً.
ملخص بتصرف صابوني ص 697 وسباعي ص 197 ومحمد يوسف موسى ص 353 وبدران بدران ص 323