Call us now:
الرأي الفقهي
قدمنا بذيل المواد 341 – 348 عنصر الركن المادي والمعنوي لجريمة الرشوة والنتيجة الجرمية المترتبة على الراشي والمرتشي و أوضحنا فيها العقوبات الواجبة التطبيق والإعفاء وشروطه. وإن المشرع قد خص جرائم الرشوة في الموظف العام.. وفق التسمية الأخيرة في القانون المنظم للعاملين في الدولة وقانون العقوبات الاقتصادية.
ومن استقراء المواد 350 – 356 عقوبات موضوع جريمة الاختلاس نلحظ بأنها مرتبطة أيضاً بشخصية الموظف العام.. أو العاملين في الدولة تحديداً.
وجريمة الاختلاس تقرر بمقتضى المادتين 349 و 350 من قانون العقوبات السوري.
ومن مدلول الموجودة في حيازته (سواء ما وكل إليه أمر إدارتها أو جبايتها أو صيانتها). بمقتضى وظيفة سواء أكانت تلك الأموال عامة.. أم كانت أموالاً خاصة أو مملوكة لأحد الأفراد.
ولا بد من الإشارة إلى موضوع الاختلاس والرشوة وإساءة الائتمان عمل من أعمال شراح قانون العقوبات الاقتصادية وقد عرفت مواد العقوبات الاقتصادية الموظف ومسؤوليته كما عرفها قانون العقوبات العام إلا أن الفارق بينهما بأن قانون العقوبات الاقتصادية قد شدد على هذه الجرائم وللرجوع إليها أخص منها المادتان 22 و25 عقوبات اقتصادية.
والعلة وراء تجريم هذا الاختلاس إذا كان المال عاماً. هي عدوان الموظف على الأغراض التي خصصت الدولة هذا المال من أجل تحقيقها أو استمرارها.. وعلى نزاهة الإدارة الحكومية وثقة المواطنين بالقائمين على أمرها إذا كان المال المختلس خاصاً..
ونلحظ مما سبق بأنه لا بد من ربط جناية الاختلاس وجنحة إساءة الائتمان وإن اختلفنا. حيث نلحظ من استقراء نصوص الجريمتين بأن جناية الاختلاس تتفق مع جنحة إساءة الائتمان من حيث الجوهر. لأنه في الجريمتين تحويل الحيازة الناقصة وتتمثل في حيازة المال باسم الدولة ولحسابها في جريمة الاختلاس وحيازته باسم المجنى عليه… ولحسابه في جرم إساءة الأمانة إلى حيازة كاملة تتغير فيها نية الحائز لتصبح نية مالك كما تتفق الجريمتان في العلة التي تقف وراء تجريمها. وهي خيانة الثقة واستحالة تصور الشروع فيهما باعتبارهما من الجرائم التي تتطلب توفر النية من جهة أخرى هذا وإن اختلفتا في أن جناية الاختلاس لا تقع إلا من موظف عام.. وعلى أموال في حيازته بسبب وظيفته في حين أن جنحة إساءة الائتمان قابلة لأن تقع في أي فرد حاز بمقتضى عقد من العقود المعدودة في القانون مالاً باسم آخر ولحسابه.
ومن البديهي بأن لا تقوم جناية الاختلاس إلا إذا توافرت فيها أركانها الثلاثة.. الركن المفترض وهو صفة الموظف العام. والركن المادي وهو اختلاس المال الموجود في حيازة الموظف بمقتضى وظيفته والركن المعنوي وهو القصد الجنائي.
أولاً – الركن المفترض. الاختلاس جرم من جرائم الموظف العام ويلزم لتقوم الجريمة أن يكون فاعلها موظفاً عاماً بالمدلول الجنائي للموظف العام الذي ورد بنص المادة / 340 / من قانون العقوبات العام. وقد أتينا على توضيحها بذيل المادة 341 وما يليها.
هذا وتنطبق نظرية الموظف الفعلي في صدد جناية الاختلاس. إذ لا يشترط في قيامها أن يكون الموظف لم يصدر بعد قرار تعيينه.. أو أن يكن هذا القرار قد صدر باطلاً أو أن تتوقف علاقته بالدولة لفترة مؤقتة أو بصورة نهائية ما دام هذا الشخص يقوم فغلاً بأعباء الوظيفة ولم يكن العيب الذي يشوب علاقته بالدولة مفضوحاً.
إذاً إذا لم يكن الجاني موظفاً عاماً فلا تقوم في حقه جناية الاختلاس.. بل تعد جريمة إساءة ائتمان أو سرقة حسب الفعل الذي وقع منه مثلاً إذا اختلست زوجة أحد الموظفين بغير علمه مالاً وجد في حيازته بسبب وظيفته لا يشكل فعلها اختلاساً.. وإن ما قامت به يعد جريمة السرقة.
ثانياً – الركن المادي ويتحلل هذا الركن إلى عنصرين. هما فعل الاختلاس. ومحل الاختلاس وهو كل مال وجد في حيازة الموظف بمقتضى وظيفته.
العنصر الأول لا يفرق مطلقاً بين فعل الاختلاس في جناية الاختلاس وبين جريمة إساءة الائتمان. وذلك لاشتراك الجريمتين في حيازة فاعلهما للمال حيازة ناقصة أي مؤقتة لا تجيز له التصرف في المال. إذ يتحقق هذا الفعل بكل سلوك يكشف بصورة قاطعة عن نية الفاعل في تغيير حيازته الناقصة للمال..إلى حيازة كاملة – أي تحقق نية التصرف فيه تصرف المالك بأي فعل يكشف عن تلك النية.
وقد يتمثل هذا الفعل في تبديد المال بإنفاقه أو إقراضه أو بيعه أو رهنه أو.. الخ.. وفي النهاية يدل عن انصراف نية الموظف إلى التصرف في المال تصرف مالكه.
إذاً الجريمة تقوم بمجرد التصرف في المال تصرف الملاك.. ولو لم يقع ضرر فعلي للمال من جراء هذا التصرف. وبالتالي تكون الجريمة تامة في حق جندي سائق بالجيش اتفق مع شخص على أن يبيعه كمية من بنزين السيارة الحكومية التي يقودها شرط علم المشتري بأنه مسروق أو مختلس أنظر قرار محكمة النقض السورية رقم 448 لعام 1956 ومن ثم تتوفر الجريمة لنفس السبب ولو رد المتهم المال المختلس بعد إتمامه الاختلاس تخفض العقوبة المنصوص عليها إلى النصف إذا عوض الضرر تعويضاً تاماً قبل إحالة القضية على المحكمة.. وكذلك إذا حصل الرد أو التعويض في أثناء المحاكمة وقبل أي حكم في الأساس ولو غير مبرم أنظر المادة 256 عقوبات والقرار رقم 12 لعام 1982.
وأما إذا كان حكماً في الدعوى قد صدر ولو لم يكن مبرماً فلا تأثير للرد على مقدار العقوبة. ومع ذلك فينبغي أن يلاحظ أن رد الأموال المختلسة في بعض الصور يعتبر دليلاً على انتفاء نية الاختلاس وعدم قيام الجريمة بالتالي. لأن جرائم الاختلاس من الجرائم القصدية التي تعتبر فيها النية الجريمة عنصراً من عناصر تكوينها فتتم بوجودها وتنتفي بانتفائها وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض السورية بقرارها رقم 2301 لعام 1980.
وعلى ذلك فإن فعل الاختلاس يتحقق بتصرف الجاني في المال بحيازته على اعتباره انه مملوك له. وهو معنى مركب من فعل مادي.. هو التصرف في المال ومن فعل قلبي يقترن به.. ألا وهو نية إضاعة المال على ربه. وفهم فعل الاختلاس على هذا النحو ولو اتخذت هذه النية شكل العزم الجازم على الاختلاس المال لأن الجريمة لا تقوم به بمجرد النية. وإنما يلزم أن تتكشف هذه النية بسلوك خارجي قاطع في دلالته على انصراف نية الموظف إلى إضافة المال الذي تسلمه بمقتضى وظيفته إلى ملكه.
ومن الجدير بالذكر بأن الاختلاس يثبت بكل دليل يصلح لإقناع القاضي بحصوله تماماً مثل كل الجرائم. فليس لإثبات جريمة الاختلاس طريقة خاصة غير طرق الاستدلال العامة. أي يجوز إثباته بكافة طرق الإثبات مهما كانت قيمته.
والعنصر الثاني – محل الاختلاس كل مال وجد في حيازة الموظف بسبب وظيفة وعلى هذا ينبغي أن ينصب الاختلاس على مال وأن يكون هذا المال قد وجد في حيازة الموظف.. و-ن تكون وظيفته هي سبب هذا الوجود. وهذا ما عبرت عنه المادة / 349 / عقوبات بقولها من نقود أو أشياء أخرى للدولة أو لأحد الناس وهكذا عبرت عنه المادة / 349 / بتقريره كلمة أو أشياء أخرى أراد أن يمد محل الاختلاس ليشمل كل شيء ذي قيمة قد يوجد بين يدي الموظف بسبب وظيفته كالنقود والأوراق المالية والأثاث والأغذية والملبوسات.. الخ. وما يجري مجرى ذلك كله.
ونحن نتفق مع رأي في الفقه. حيث يرى أن موضوع جريمة الاختلاس لا يختلف عن موضوع جرائم السرقة والاحتيال وإساءة الائتمان. فهو في جميع هذه الجرائم مالاً منقولاً فيلزم أولاً أن يكون الشيء مالاً.. فإذا زالت عن الشيء تلك الصفة فلا تتحقق الجريمة باختلاسه مثال الأوراق التي عهد إلى الموظف بإتلافها إذا استولى عليها لنفسه.
إذا يكون المال موجوداً في حيازة الموظف إذا كان من مقتضيات الوظيفة وجود المال وفي متناول حيازة الموظف المادية دون أن يشترط وجود هذا المال بين يديه حقيقة وفعلاً طالما كان من مقتضيات وظيفته وصول يديه إلى المال.
إلا أنه لا يكون المال في حوزة الموظف بحكم وظيفته إذا لم يكن من أعمال وظيفته.. أو بعبارة أخرى لم يكن من اختصاصه حيازة المال الذي وقع بين يديه إما لأن صاحب الحاجة ائتمن الموظف وهو يعلم بأنه غير مختص على المال الذي سلمه إليه فإن بدد الموظف هذا المال كما فعله إساءة ائتمان لا اختلاساً وأما إذا كان الموظف بفعل ذاتي قد مد يده على المال الذي يحوزه الموظف المختص دون أن يكون للأول بحيازة المال شأن أو اختصاص فتكون الجريمة هنا السرقة.
إذن لكي يلزم تحقق الركن المادي لجريمة الاختلاس يجب أن يقع من الموظف العام أو من في حكمه فعل الاختلاس على مال وكل إليه أمر إرادته أو جبايته أو صيانته بحكم وظيفته.
ثالثاً – الركن المعنوي إن الاختلاس جريمة قصدية يتخذ الركن المعنوي فيها صورة القصد الخاص في جميع صورها. فالخطأ مهما كان جسيماً لا يكفي لتحقيق الركن المعنوي فيها صورة القصد الخاص في جميع صورها. فالخطأ مهما كان جسيماً لا يكفي لتحقيق الركن المعنوي لهذه الجريمة.. وبالتالي لا يكفي إهمال الموظف المؤدي إلى سرقة المال أو ضياعه أو تعرضه للهلاك إلى قيام الركن المعنوي للجريمة مهما كان هذا الإهمال جسيماً.
وعلى هذا فإنه يلزم لقيام الركن المعنوي لهذه الجريمة أن يتوفر لدى الجاني القصد العام والقصد الخاص.
والقصد العام هو اتجاه إرادة الموظف إلى فعل الاختلاس وهو عالم بكافة عناصر الركن المادي لجريمة الاختلاس.
إذاً يجب أن يعلم الفاعل بصفته كموظف وبأن المال الناقص في حيازته الناقصة بسبب وظيفته وبأن تصرفه يقطع حيازة السلطة للمال. فإذا كان الموظف جاهلاً بصفته هذه.. أو معتقداً بأن يده على المال يد مالك لا حائز بصفة مؤقتة كما لو كان الموظف مكلفاً بصرف الرواتب وأخذ مبلغاً من خزانة المرتبات مساوياً لمرتبه ثم اتضح أن مرتبه الشخصي لم يستحق بعد صرفه.. أ اعتقد بأن المال وإن كان في حيازته الناقصة وأنه لم يوجد في حيازته بحكم وظيفته وإنما كوديعة خاصة من صاحبه. كذلك ينتفي القصد إذا كان الموظف معتقداً أثناء تصرفه في المال على وجه معين أنه يتصرف وفقاً للقانون.. أو بناء على أمر رئيس تجب طاعته.
إذاً القصد العام ينتفي سواء أكان انتفاء العلم راجعاً إلى غلط في الواقع أو في القانون طالما لم يكن موضوع الغلط هو نص التجريم ذاته.
وأما القصد الخاص فهو انصراف نية الجاني إلى إضافة المال إلى ملكه أي انصراف نية الموظف الحائز للمال بصفة مؤقتة إلى التصرف فيه تصرف المالك.
فإذا انصرفت إرادة الموظف إلى استعمال المال فقط ولم يكن من مقتضى الانتفاع بالمال إهلاكه – كما هو الأمر بالنسبة للأموال التي يتخذ الانتفاع بها صورة الاستهلاك كالنقود – فلا يقوم الركن المعنوي لانتفاء القصد الخاص وهو نية التملك.
إذاً الاختلاس المعاقب عليه هو الواقع على ملكية الشيء أما اختلاس المنفعة فلا يتحقق بها الاختلاس. كمن يستخدم إحدى السيارات الحكومية المسلمة إليه بمقتضى وظيفته لقضاء أغراضه الخاصة بعد تزويدها بالوقود الذي يسيرها لقضاء هذه المصالح.. فإن كان الوقود وقود الدولة وقع الاختلاس.
ومتى تحقق القصد الجنائي قامت الجريمة بصرف النظر عن البواعث التي حدت بالموظف إلى الاختلاس. فتقع الجريمة ولو كان الباعث عليها نبيلاً أو ملحاً أو قهرياً طارئاً طالما لم تتوافر شرائط الضرورة كما حددها القانون.
وقيام الدليل على توافر القصد العبرة فيه بما يقنع به القاضي.. لكن لا يلزم أن يتحدث الحكم استقلالاً عن نية الاختلاس ما دامت الواقعة الجنائية التي أثبتها الحكم تفيد بذاتها أن المتهم قد قصد بفعلته إضافة المال إلى ملكه.
وجريمة الاختلاس في القانون السوري جنحة عقوبتها الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وغرامة أقلها قيمة الردود المادة 349 عقوبات.
إلا أن هذه الجنحة تنقلب إلى جناية عقوبتها الأشغال الشاقة المؤقتة وغرامة أقلها قيمة الردود إذا ارتبط فعل الاختلاس بأية حيلة ترمي إلى منع اكتشافه وأهم هذه الحيل هو التزوير في الدفاتر.. أو كتابات غير صحيحة في الفواتير أو الدفاتر أو بتحريف أو إتلاف الحسابات والأوراق أو غيرها من الصكوك أنظر المادة 350 عقوبات.
إلا أن المشرع السوري قرر بالمادة 356 سببين مخففين للعقوبة ويترتب على توفر إحداهما تخفيض نصف العقوبات المنصوص عليها لجريمة الاختلاس سواء كان الفعل جناية أو جنحة.
أما السبب الأول فهو إذا كان الضرر الحاصل أو النفع الذي يتوخاه المجرم زهيدين.. أي في حالة تفاهة المال المختلس وهو أمر موضوعي لقاضي الموضوع الحق في تقديره.
أما السبب الثاني فهو إذا قام المختلس بتعويض الضرر المرتب على اختلاسه تعويضاً. إما برد المال المختلس وإما برد قيمته إذا كان المال المختلس من غير النقود.
إلا أنه ليتمكن القاضي من استعمال سلطته بتخفيض العقوبة إلى النصف أن يتم الرد.. أو التعويض قبل إحالة القضية إلى المحكمة أو قبل صدور أي حكم في الدعوى.
فإذا صدر حكم في الدعوى ولو كان هذا الحكم غير مبرم فلا تأثير للرد أو التعويض على مقدار العقوبة.