Call us now:
الرأي الفقهي
الاسترداد هو تسليم دولة لأخرى شخصياً منسوباً إليه اقتراف جريمة أو صادراً ضده حكم بالعقاب كي نتولى محاكمته أو تنفيذ العقوبة فيه فهو عمل حكومي من أعمال السيادة. ويفترض الاسترداد علاقة بين دولتين أحدهما تطالب بأن يسلم إليها مرتكب الجريمة لتتخذ إجراءاتها قبله.. وثانيتها يوجه إليه هذا الطلب فتستجيب إليه أن كان مطابقاً لمعاهدة تربط بينها وبين الدولة الأخرى.. أو موافقاً لتشريع نافذ فيها أو ترفضه في غير هاتين الحالتين.
والاسترداد كنظام قانوني ليحول دون فرار المجرم من العقاب إذا التجأ بعد جريمته أو الحكم عليه في إقليم دولة لا تختص وفقاً لقانونها بمحاكمته أو تنفيذ العقوبة فيه.
وخاصة في عصرنا الحاضر وتطور وسائل المواصلات التي أتاحت تكوين عصابات إجرام دولية ترتكب عدداً من الجرائم في إحدى الدول.. ثم تنتقل إلى دولة أخرى للإقامة فيها تمهيداً الجرائم جديدة. كل هذا ويضاف إلى أن الحدود بين أكثر الدول غير واضحة وغير متوفر فيها المراقبة الكافية ولا توجد صعوبة كبيرة في اجتيازها.
وقد اهتمت الدول في جميع أصقاع العالم بوضع قواعد دقيقة وواضحة لتسليم المجرمين. وخاصة بعد انتشار عصابات تهريب المخدرات وتهريب.. وتزييف العملة والسطو على المصارف والخطف فأوجدت مراكز لها صفة دولية لمراقبة المجرمين. وقد عقدت في صدد تسليم المجرمين مجموعة كبيرة من الاتفاقيات الدولية. لطفاً أنظر أول الهامش المعاهدات.
وللاسترداد بعد ذلك جدواه للدولة المطلوب منها إذ يتيح لها الخلاص من مجرم فر إليها وقد يكون خطراً عليها.
وللاسترداد شروط أربعة أولاً- الاختصاص الدولي للدولة طالبته وانتقاء هذا الاختصاص بالنسبة للدولة المطلوب منها الاسترداد والتجريم المزدوج للفعل المطلوب الاسترداد من أجله وألا تقوم بهذا الفعل جريمة استقر العرف الدولي على عدم جواز الاسترداد فيها.
أولا- الاختصاص التشريعي للدولة طالبة الاسترداد تستهدف به محاكمة شخص أو تنفيذ العقوبة فيقتضي ذلك أن تكون مختصة طبقاً لقانونها بهذه المحاكمة أو التنفيذ وبغير ذلك لا يكون الاسترداد الذي تطالب به مبرر الدكتور الفاضل تسليم المجرمين عام 1967 ص 75 والأصل أن ينعقد هذا الاختصاص لها إذا كنت الجريمة قد ارتكبت في إقليمها. إذ تكون قد مست بأمنها وأهدرت حقوقاً فيها. وينعقد هذا الاختصاص من تطبيقاً لمبدأ العينية ولابد للملاحظة بأن المبدأ العالمية لا يصلح بأن يكون سنداً للمطالبة بالاسترداد. لأن للاختصاص المستند إليه طابع احتياطي بحت.
ويتوافر هذا الاختصاص كذلك إذا كان مرتكب الجريمة يحمل جنسية الدولة طالبة الاسترداد ويكون سند اختصاصها عندئذ مبدأ الشخصية الذي تحدثنا عنه بالهوامش السابقة وقد حرص الشارع على بيان هذه الأسانيد الثلاثة للاختصاص في المادة / 31 / عقوبات. والأسانيد الثلاثة مرتبة من حيث أهميتها على الوجه السابق فإذا تنازعت عدة دول على المطالبة باسترداد مجرم.. قدمت صاحبة الاختصاص الإقليمي ثم صاحبة الاختصاص العيني على ذات الاختصاص الشخصي الدكتور حمود الحقوق الجزائية ص 877 لعام 1963 والدكتور عبود السراج التشريع الجنائي المقارن ص 139.
الشرط الثاني – انتقاء الاختصاص التشريعي للدولة المطلوب منها الاسترداد وفر إليها المجرم مختصة بجريمته الأدنى إلى المنطق والأليق بالحرص على السيادة والأيسر عملاً أن تتولى محاكمته أو تنفيذ العقوبة فيه وبذلك لا يكون وجه لإجابته طلب الاسترداد المقدم إليها من أية دولة. وهذا ما نصت عليه المادة / 32 / عقوبات. كما أنه لا تبيح الاسترداد الجرائم الداخلية في نطاق صلاحية التشريع السوري والتي حددتها المواد من 15 – 17 ونهاية الفقرة 18 من المواد 19 إلى 21 عقوبات سوري.
والشرط الثالث التجريم المزدوج ويعني أن يكون الفعل المطلوب الاسترداد من أجله مجرماً في تشريعي الدولتين طالبة الاسترداد. والمطلوب منها الاسترداد وتعليل ذلك بالنسبة للدولة طالبة الاسترداد أنها تبتغي بطلبها محاكمة من نسب إليه الفعل أو تنفيذ العقوبة فيه ويفترض ذلك بداهية تجريم قانونها له الدكتور الفاضل المرجع السابق ص 42 أما تعليله بالنسبة للدولة المطلوب منها الاسترداد فهو أنه لا يجوز مطالبتها بالمشاركة في إنزال عقاب من أجل فعل ترى أنه ينبغي أن يظل مباحاً فقد يصطدم ذلك بمبادئ أساسية راسخة فيها. ولكن هذا الشرط لا يقتصر على تطلب تجريم القانونين للفعل بل يجاوز ذلك إلى تطلب قدر من الخطورات فيه وسبب ذلك أن الشخص المطلوب استرداده. بطبيعته يتطلب إجراءات معقدة ونفقات كثيرة وسلب حرية الشخص المطلوب استرداده. فلا مبرر لذلك إن كان الفعل ذا خطر قليل الدكتور سعيد مصطفى السعيد ص 163.
لقد قنن الشارع العرف الدولي المادة / 34 / عقوبات ومنها تخليص بأن العرف الدولي استقر على حظر الاسترداد في طوائف من الجرائم وسند هذا العرف تفادى أن يكون الاسترداد وسيلة إلى اتخاذ إجراءات انتقامية لا يقهرها التنظيم الحديث للمجتمع الدولي. وعلة هذا الحظر احتمال تعرض المجرم السياسي لانتقام شديد إذا سلم إلى الدولة التي يحكمها خصومة ثم احتمال أن ترى السلطات السورية في الطابع السياسي لجريمة ما يبرر التسامح معه أو التخفيف عنه.
وعلى ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة / 34 / وتحريم تسليم الأرقاء مطلق. فهؤلاء لا يجوز تسليمهم سواء أكان هروبهم من أسيادهم تخليصاً من الاسترقاق واسترداد حريتهم.. أم كان هروباً من مسؤوليتهم عن جرائم اقترفوها مهما كان نوعها الدكتور عبود السراج ص 140 المرجع السابق.
أما الشرط الرابع يرجع في تحديد معنى الجريمة السياسية إلى القواعد التي وضعها الشارع في هذا الشأن بالمواد / 196 – 199 / عقوبات عام. وقد خطر الشارع فيها الاسترداد إذا ثبت أنه لغرض سياسي.
ويقرر الشارع في النهاية رفض الاسترداد إذا كانت العقوبة المنصوص عليها في شريعة الدولة طالبة الاسترداد مخالفة لنظام المجتمع وقد استقر العرف الدولي على خطر الاسترداد في جرائم الاعتداء على الأديان وجرائم الفرار من الخدمة العسكرية البرية أو البحرية أو الجوية. وعلى الرغم من أن الشارع السوري لم يشر إلى هذا الحظر فإن من حق السلطات السورية الاسترشاد به عند تقدير ملاءمة الاستجابة لطلب الاسترداد الدكتور سعيد مصطفى السعيد المرجع السابق.
ومن استقراء المادة 30 عقوبات نلحظ أنه إذا لم ترتبط بين الدولتين معاهدة فالأمر متروك لتقدير الدولة المطلوب الاسترداد منها. ولا تثريب عليها أن رفضت.. ولو كان تشريعها الداخلي يجيز الاسترداد في هذه الحالة.
وتختلف التشريعات في تحديد السلطة المختصة بالنظر في طلب الاسترداد.. فبعضها يجعلها السلطة التنفيذية وبعضها يجعلها القضاء. وقد تبنى القانون السوري بمادته / 35 / الاختصاص المختلط فطلب الاسترداد يعرض على القضاء أولاً.. ورأى القضاء إلزامي حالة رفضه طلب الاسترداد.. أما إذا رأى القاضي الموافقة على طلب الاسترداد فللحكومة بعد ذلك سلطة تقديرية في إجابة الطلب أو رفضه في ضوء الاعتبارات السياسية التي تقدرها.. ويعني ذلك بأن رأي القاضي في حالة موافقته يكون استشارياً.
والأثر المنطقي للاسترداد هو أن تباشر الدولة طالبة التسليم اختصاصها التشريعي والقضائي إزاء الشخصي الذي تسلمته ولكن هذه السلطة التي اكتسبتها بالاسترداد مقيدة بمبدأ التخصيص وهذا ما نصت عليه المادة 36 عقوبات. ويعني هذا المبدأ أصلاً عدم جواز مباشرة الاختصاص السابق إلا من أجل الجريمة التي كان الاسترداد من أجلها. ويقتضي ذلك عدم جواز ملاحقة مرتكبها من أجل جريمة سابقة على استرداده. وسبب هذا الخطر خشية أن تكون الجريمة السابقة غير جائز الاسترداد من أجلها أو احتمال أن يختلف تقدير السلطات السورية الملاءمة إجابة طلب الاسترداد . لو علمت أنه من أجل هذه الجريمة. ويرتبط بعدم جواز الملاحقة من أجل هذه الجريمة حظر تسليمه إلى دولة ثالثة كي تلاحقه من أجلها لأن هذه الملاحقة ممنوعة أياً كانت الدولة التي تباشرها. ويقتصر الحظر على الملاحظة الوجاهية أما الملاحقة الغيابية وجميع أعمال الاتهام والتحقيق التي كان جائزاً إجراؤها في حالة عدم الاسترداد. فتظل بطبيعة الحال جائزة. وهذه القاعدة مستمدة من المادة / 21 / من قانون الاسترداد الفرنسي الصادر في 10 / 3 / سنة 1927.
ويكشف ذلك عن نظر الشارع إلى الملاحقة من أجل جريمة سابقة فيعتبرها كما لو كانت مقتضية استرداد تالياً بما يفترضه من إجراءات متميزة وقد نص الشارع في المادة / 36 / أن هذه الموافقة غير منوطة بأحكام الفقرة الثانية من المادة / 33 / وهذه الفقرة هي التي تشترط كون العقوبة المنصوص عليها في قانون الدولة طالبة الاسترداد تبلغ السنة حبساً عن مجمل الجرائم المطلوب الاسترداد من أجلها ويعلل ذلك بأن حرص الدولة التي تسلمت المجرم على ملاحقته من أجل جريمته السابقة وسعيها إلى الحصول على موافقة السلطات السورية على ذلك يفترض أن هذه الجريمة جسيمة وأنه لا بد معاقب عليها بعقوبة لا تقل عن المقدار السابق.
للتوسع أنظر الدكتور حومد والدكتور عبود السراج والدكتور حسني والدكتور سعيد مصطفى السعيد والأستاذ أحمد صفوت