Call us now:
الرأي الفقهي
القانون لم يذكر أسباب وقف التقادم على سبيل الحصر بل ترك تقدير ذلك لقاضي الموضوع. فله أن يقضي بوقف التقادم كلما تبين له من الظروف والملابسات المحيطة بالدعوى توافر المانع الذي يتعذر معه على الدائن أن يطالب بحقه. وأهم التطبيقات العملية التي ترد في الموانع التي يتعذر فيها على الطاعن أن يطالب بحقه هي
أولاً – القوة القاهرة
القوة القاهرة تضع صاحب الحق في موضع الاستحالة المانعة من اتخاذ أي إجراء الحق. وتفريعاً على ذلك يجب وقف سير التقادم ما بقي العذر القهري قائماً. ولا فرق في ذلك بين أن يكون هذا العذر قد طرأ في بدء المدة أو في وسطها أو في نهايتها.
وقد ذهب بعض الشراح والقضاء إلى اعتبار القوة القاهرة هي التي تمنع صاحب الحق بين المطالبة بحقه منعاً كلياً. أما الموانع الوقتية فلا توقف التقادم.
وبهذا قضت محكمة استئناف مصر العليا. إذ قررت بأن العذر الذي يوقف سريان مدة التقادم هو القوة القاهرة التي تمنع صاحب الحق من المطالبة بحقه منعاً كلياً. أما المانع الوقتي فلا يوقف سريان المدة المسقطة للحق. ولكن للقاضي أن يعفي صاحب الحق من الحكم بسقوط حقه إذا باشر حقوقه بمجرد زوال المانع. إذ يجب التفريق بين صاحب حق خوله القانون مدة لاستعمال حقه فصادفته ظروف قهرية قرب انتهاء المدة منعته من استعمال حقه مدة من الزمن ثم انتهت تلك الظروف ولا تزال أمامه مدة لاستعمال حقه وإهمال استعماله حتى انتهت جميع المدة (استئناف مصر العليا 8 ديسمبر سنة 1931 – المحاماة السنة 12 ص762 رقم 386).
ولكن الأستاذ محمد عبد اللطيف يخالف هذا الرأي فيقول أنه لا يجوز أن يقاس العذر بمدته سواء كان مؤقتاً أو مستمراً بل يجب أن يكون مناط البحث عند الحكم بوقف سير التقادم منحصراً في درجة تأثير هذا العذر على مقدرة المرء في مباشرة الإجراءات الكفيلة بصون الحق. فإذا ثبت لدى القاضي أن صاحب الحق كان عاجزاً عن اتخاذ أي إجراء قاطع للتقادم مدة قيام المانع القهري وجب استبعاد المدة من مدة التقادم.
ثانياً – استحالة اتخاذ الإجراءات
يمكن تطبيق حالة القوة القاهرة على الدائن الذي يكون في حالة يتعذر عليه فيها اتخاذ الإجراءات القانونية ضد مدينه بسبب أي مانع ناشىء عن القانون أو عن الاتفاق. إذ يجب في هذه الحالة استبعاد المدة التي يستحيل فيها على صاحب الحق أن يقوم بالإجراءات اللازمة لحفظ حقه مدة التقادم. ومن التطبيقات القضائية
1 – إن النزاع على عقد أمام القضاء من شأنه أن يوقف سريان التقادم على الالتزامات المترتبة على هذا العقد (نقض مصري 22 يناير 1953).
2 – إن الدعوى التي يرفعها الموكل بالمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي أصابه من أعمال وكيله لا يسقط الحق فيها بالتقادم طالما أن دعوى تقديم الحساب قائمة وهي الدعوى التي يدور البحث فيها حول إثبات هذا الضرر ودعوى الحساب هذه لا يبدأ سقوطها إلا بعد انتهاء الوكالة (استئناف مختلط 25 يناير 1905 – مجموعة أحكام النقض 17 ص89).
3 – إن التقادم يقف كلما استحال على صاحب الحق مادياً أو قانونياً أن يطالب بحقه. فهو يقف بالنسبة إلى كل صاحب حق حالت بينه وبين المطالبة بحقه القوة القاهرة أو انقضاء الدين يمنعه من المطالبة بدينه ما بقي سبب الانقضاء قائماً (نقض مصري 3 يناير 1946 – مجموعة القواعد القانونية ج5 ص37 رقم 19).
4 – قضي بوقف سريان التقادم عن حق المطالبة بالغلة التي استولى عليها الدائن المرتهن من العين المرهونة ما دام الرهن قائماً. ولأنه بالنظر لكون الدائن مسؤولاً عما يستغله من الرهن فإن الدين يبقى مبهماً حتى ينتهي الرهن ويصفى الحساب بين الدائن والمدين (استئناف مصر العليا 6 يناير 1920).
ثالثاً – حالة الإفلاس
بالنسبة لهذه الحالة هناك من يرى أن حالة الإفلاس موقفة للتقادم حتى تاريخ حكم الإفلاس إلى أن يصدر حكم يفصل التفليسة. وهناك رأي آخر يؤيده الأستاذ محمد عبد اللطيف بأن حالة الإفلاس لا يترتب عليها وقف سريان التقادم بالنسبة لحقوق المفلس ضد الغير أو حقوق الدائنين ضد المفلس.
رابعاً – اتحاد الذمة
إذا اجتمعت صفتا الدائن والمدين في شخص واحد اعتبر ذلك مانعاً طبيعياً من موانع سريان المدة. فإذا زال السبب الذي أفضى إلى اجتماع هاتين الصفتين زوالاً مستنداً وعاد الدين إلى الوجود اعتبر التقادم قد وقف طوال الفترة التي تحقق الاتحاد خلالها.
خامساً – وقف التقادم بين الزوجين
لعدم ورود نص يدخل في تقدير سلطة القاضي الموضوعية ما إذا كانت العلاقة مانعة من المطالبة بالحق أو غير مانعة بحسب ما يبين له من ظروف كل دعوى.
سادساً – علاقة الأصيل بالوكيل
يرى الأستاذ محمد عبد اللطيف أن تقدير وقف سير التقادم في هذا الخصوص هي مسألة موضوعية. ومن واجب القاضي أن يبحث مدى هذه العلاقة وأن يقدر ما إذا كانت مانعة أو غير مانعة من المطالبة بالحق. فلا يقضي به إلا إذا توافر لديه قيام المانع الأدبي الذي تعذر على الدائن المطالبة بحقه.
وقد قضت محكمة النقض المصرية بأنه إذا قررت محكمة الموضوع أن قيام النزاع بين الموكل والوكيل على عنصر من عناصر الحساب بينهما لا يعتبر عائقاً يمنع من المطالبة بتقديم الحساب ويقف مدة تقادم دعوى طلبه. واستدلت على ذلك بأن الوكيل سبق له تقديم الحساب في قضية أخرى عن مدة سابقة قبل تصفية ذلك النزاع لا يكون حكماً مخالفاً للقانون (نقض مصري 21 / 10 / 1948).
سابعاً – علاقة المخدوم بالخادم
ويرى الأستاذ محمد عبد اللطيف بأنه لا يجوز الحكم بوقف سريان التقادم بين الخادم والمخدوم إلا إذا تبين للقاضي من ظروف الدعوى توافر قيام المانع الأدبي الذي تعذر معه على الخادم مطالبة مخدومه بحقه.
ثامناً – الجهل بالحق
أغلب الشراح لا يرون الأخذ بنظرية الجهل بالحق واعتباره مانعاً من سريان التقادم لأن الأصل في التقادم أنه يسري بصفة عامة ضد كل صاحب حق أهمل المطالبة بحقه ولأن نظام التقادم قد شرع لمصلحة عامة وهي المحافظة على الأوضاع المستقرة.
أما الجهل باغتصاب الحق فيعتبر من الأسباب الموقفة للتقادم إذا لم يكن ناشئاً عن إهمال صاحب الحق ولا تقصيره (نقض مصري 22 إبريل 1938 – مجموعة عمر ج5 ص602 رقم 203).
تاسعاً – مفاوضات الصلح
استقر الفقه والقضاء على اعتبار مفاوضات الصلح سبباً لوقف التقادم لأن مثل هذه المفاوضات قد تتطلب تبادل المستندات بين الطرفين ثم حجز مستندات كل طرف بمعرفة الطرف الآخر للإطلاع عليها والمماطلة والتسويف أثناء المفاوضات.
وبهذا قررت محكمة النقض المصرية أن المفاوضات الدائرة بين الطرفين توقف ميعاد رفع الدعوى ولا يستأنف الميعاد سيره إلا من تاريخ حبوط المفاوضات.
عاشراً – أسباب وقف التقادم التي تتعلق بالشخص
(نص الفقرة 2 من المادة 382 مصري – 379 سوري).
حادي عشر – الغياب
غير أنه إذا ترك وكيلاً عنه قبل غيابه لحفظ أمواله وإدارة مصالحه أو نصب القاضي وكيلاً عنه فإنه يسري التقادم ضده.
أما إذا لم يترك وكيلاً ولم ينصب له القاضي وكيلاً عنه فإنه يترتب عليه أن يثبت أنه قد طرأ عليه حادث قهري أثناء غيابه كالأسر أو قطع المواصلات أو الحجر الصحي أو الوباء أو أنه لم يكن بوسعه في أثناء ابتعاده عن بلاده أن يختار وكيلاً له.
ثاني عشر – المحكوم عليه بعقوبة جنائية
التقادم المكسب والمسقط للاستاذ محمد عبد اللطيف ص 131 وما بعد).