الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 39 من قانون أصول المحاكمات السوري

الرأي الفقهي
1 – يتبين من النص أن البطلان يكون واجباً في حالتين
الحالة الأولى – عندما ينص القانون على البطلان. يجب على القاضي أن يحكم به ولو لم يترتب عليه ضرر بالغير.
الحالثة الثانية – إذا شاب الإجراء عيب جوهري ترتب عليه ضرر بالغير يجب الحكم بالبطلان ولو لم ينص القانون عليه.
وهكذا يلاحظ أن المشرع السوري أخذ بالحالتين. فطبق قاعدة لا بطلان بدون نص كما طبق قاعدة لا بطلان بدون ضرر.
آ) – تطبيقات قاعدة لا بطلان بدون نص
إن الإجراءات التي تعتبر باطلة لسبب عدم مراعاة أحكام القانون هي الإجراءات التالية
1 – ما نصت عليه المادة 18 من قانون أصول المحاكمات.
2 – ما نصت عليه المادة 19 والمادة 20 و21 .
3 – ما نصت عليه المادة 22 بالنسبة للتبليغ في الموطن وللأشخاص الذين يجوز لهم التبليغ نيابة عن الشخص المطلوب تبليغه.
4 – ما نصت عليه المادة 23 بالنسبة للإجراءات التي يجب على المحضر القيام بها عند عدم وجود من يصلح تبليغه في موطن المطلوب تبليغه أو عند الامتناع عن تسلم الورقة أو التوقيع.
5 – ما نصت عليه المادة 24 .
6 – ما قضت به المادة 25 بالنسبة للأشخاص الذين يحق لهم التبليغ نيابة عن الشخص الاعتباري.
7 – ما قضت به المادة 26 بالنسبة لتبليغ الأشخاص غير المعلومين الموطن بواسطة الالصاق والنشر في الصحف اليومية.
8 – ما نصت عليه المواد 26 و28 و29 و30 و31 و32 بالنسبة للتبليغ بواسطة البريد.
9 – ما نصت عليه المواد 34 و35 و36 و37 بالنسبة للمواعيد.
10 – ما نصت عليه المادة 41 .
11 – ما نصت عليه المادة 50 .
12 – ما نصت عليه المادة 232 فقرة 2 .
13 – ما نصت عليه المادة 252 فقرة 2 .
فبالنسبة لهذه الحالات وللحالات الأخرى التي نص فيها القانون صراحة على البطلان يترتب على المحكمة أن تحكم بالبطلان. ولكن يحق للمحكمة أن تستبعد البطلان إذا كان الخطأ الوارد في الورقة ليس من شأنه التشكك في حقيقة البيانات. كلك يجوز للمحكمة تكملة البيانات الناقصة ببيانات أخرى واردة بذات الورقة. مثال ذلك إذا لم يبين في محضر التبليغ اسم الشهر واضحاً عند بيان تاريخ الجلسة فلا يكن محضر التبليغ مشوباً بالبطلان.
ب) – تطبيقات قاعدة لا بطلان بدون ضرر
يستفاد من النص أنه يقتضي لتطبيقه توافر شرطين أساسيين. الأول أن يكون العيب الذي شاب الإجراء جوهرياً. والثاني أن يترتب على هذا العيب ضرر للخصم المتمسك بالبطلان.
ولم يعرف القانون العيب الجوهري. ولكن الإجراء يكون جوهرياً بحسب الاجتهاد – عندما يرد النص عليه في قانون يتعلق بالنظام العام أو عندما يعطى للورقة المطلوب تبليغها صفتها الخاصة المميزة التي بدونها لا تتحقق الغاية التي وجدت من أجلها واستخلص الاجتهاد من هذا التفريق وجود عيب جوهري إذا ترتب على إجراء جوهري فاعتبر هذا العيب ملزماً للحكم بالبطلان وإن لم ينص على البطلان صراحة في القانون.
وأما بالنسبة للضرر الذي يقتضي أن يصيب الخصم ليعتبر العيب الجوهري سبباً للبطلان فقد جاء في المذكرة التفسيرية لقانون المرافعات المصري ما نصه إن المقصود بالضرر هو أن يكون العيب من شأنه أن يفقد الإجراء إحدى صفاته الخاصة به والمميزة له بحيث لا يتحقق الغرض المقصود منه على الوجه الذي يريده القانون وبحيث تفوت على الخصم مصلحته التي يقصد القانون إلى صيانتها وحمايتها بما أوجبه وحصلت المخالفة فيه. ولا حاجة بعد أن يثبت فوات تلك المصلحة على صاحبها إلى اقامة الدليل على وقوع أي ضرر خاص.
ولا شك أن الشرح الوارد في المذكرة التفسيرية للقانون المصري هو تعريف العيب الجوهري والضرر في آن واحد.
على أنه يستثنى من ضرورة توافر شرط الضرر حالتان الأولى عندما يكون البطلان متعلق بالنظام العام فالمحكمة تحكم به عندئذ من تلقاء نفسها وبدون حاجة إلى طلب الخصم المضرور. والثانية إذا كان البطلان يتعلق بحكم من الأحكام.
2 – آثار البطلان
تتألف الدعوى من سلسلة من الإجراءات. فلا شك أن بطلان أحد الإجراءات لا يرتب مبدئياً أي أثر على الإجراءات السابقة. ولكن ما هو أثر البطلان بالنسبة للإجراءات اللاحقة يجب التفريق بين الإجراء المتلازم للإجراء الباطل وبين الإجراء المستقل عنه. فإذا كانت الإجراءات اللاحقة للإجراء الباطل متلازمة معه تسقط مع الإجراء الباطل ولا ينتج عن البطلان ضياع الحق. بل يجوز إعادة الإجراء الذي تقرر إبطاله إذا الميعاد الذي يجب أن يتم فيه لم ينقض بعد.
ويتضح من النص المتقدم أن البطلان يكون واجباً في حالتين
الحالة الأولى إذا نص القانون على البطلان يتعين على القاضي أن يحكم به اعتباراً بأن المشرع قدر أهمية الإجراء وافترض ترتب الضرر عليه في الغالب.
وينص القانون على البطلان بلفظه أي صراحة وقد ينص عليه بعبارة ناهية أو نافية أي دلالة.
ومن أمثلة النص على البطلان صراحة نص المادة 27 على أن يجب أن يحصر مع القاضي في الجلسات وفي جميع إجراءات الإثبات كاتب يتولى تحرير المحضر والتوقيع عليه مع القاضي وإلا كان العمل باطلاً. ونص المادة 339 على أنه لايجوز أن يشترك في المداولة غير القضاة الذين سمعوا المرافعة وإلا كان الحكم باطلاً. ونص المادة 345 على أنه ينطق بالحكم بتلاوة منطوقه أو بتلاوة منطوقه أو بتلاوة منطوقه مع أسبابه ويكون المنطق به علانية وإلا كان باطلاً. ونص المادة 347 على أنه يجب أن تكون الأحكام مشتملة على الأسباب التي بنيت عليها وإلا كانت باطلة.
ومن أمثلة الحالات التي يستفاد منها البطلان دلالة من القانون بعبارة ناهية أو نافية نص المادة 340 على أنه لايجوز للمحكمة أثناء المداولة أن تسمع أحد الخصوم أو وكيله الا بحضور خصمه ونصها أيضاً على أنه لايجوز قبول أوراق أو مذكرات من أحد الخصوم دون اطلاع الخصم الآخر عليها.
ويتعين على القضاء أن يعمل على التخفيف من جزاء البطلان بالقواعد الآتية وهي ذات القواعد والضوابط التي وضعها الفقه والقضاء في فرنسا لهذا الغرض والتي سلك منهجها القضاء المصري في ظل القانون الملغى.
أولاً – يجب عدم التقيد عند ذكر البيانات التي أوجب القانون اشتمال أوراق المرافعات عليها بألفاظ معينة وإنما يكفي أن تكون بعبارة دالة على المعنى المقصود.
ثانياً – يجب أن يكون النقض أو الخطأ المبطل للورقة مؤدياً إلى الشك في حقيقة البيانات الواردة بها. فإذا وقع خطأ أو نقص ليس من شأنه التشكيك في حقيقة البيانات فلا يترتب عليه البطلان.
ثالثاً – إذا كان الأصل أنه لا يجوز تكملة البيانات الناقصة في الورقة بدليل خارج عنها وفق ما تقدم بيانه عند الكلام عن أوراق المرافعات فإنه يجوز تكملة البيانات الأخرى الواردة بذات الورقة فتوقيع المحضر توقيعاً ظاهراً في ذيل الورقة يغني عن ذكر اسمه في صلبها إذا كان قد سها عن ذكره.
الحالة الثانية – يكون الحكم بالبطلان واجباً ولو لم ينص القانون على ذلك إذا كان العيب الذي شاب الإجراء عيباً جوهرياً وبشرط أن يثبت أنه أضر بالمتمسك به.
وكان الفقه والقضاء في ظل القانون الملغى يميزان بين الإجراءات الجوهرية وغيرها وكانا يرتبان البطلان إذا كان العيب أو المخالفة واقعاً في إجراء جوهري بحيث يصبح الإجراء غير محقق للغاية التي شرع من أجلها. وكانت هذه التفرقة تقتضي النظر إلى العيب وتأثيره على الإجراء في ذاته بغض النظر عن أثره ي الواقع على الخصم الذي قد تتأثر أو لا تتأثر مصلحته بالعيب أو المخالفة. وقد استلزم القانون الجديد فضلاً عن هذا الشرط أن يترتب على المخالفة أو النقض في الإجراء ضرر لطالب البطلان. فيتشرط إذن لوقوع البطلان عند عدم النص عليه توافر شرطين الأول ت أن يكون هناك عيب جوهري أي خطأ أو اغفال لوضع جوهري. والثاني – أن يكون هناك ضرر أصاب الخصم المتمسك بالبطلان. وجاء في المذكرة التفسيرية للقانون أن المقصود بالضرر هو أن يكون العيب من شأنه أن يفقد الإجراء احدى صفاته الخاصة به والمميزة له بحيث لا يتحقق الغرض المقصود منه على الوجه الذي يريده القانون وبحيث تفوت على الخصم مصلحته التي يقصد القانون إلى صيانتها وحمايتها بما أوجبه وحصلت المخالفة فيه ولا حاجة بعد أن يثبت فوات تلك المصلحة على صاحبها إلى اقامة الدليل على وقوع أي ضرر خاص.
فمثلاً لا يوجب المشرع الحكم بالبطلان إذا لم يذكر المدعي في صحيفة دعواه وقائعها وأدلتها وأسانيد طلباته وإنما جعل الحكم به جوازياً تقضي به المحكمة أو لا تقضي به بحسب ما يتبين من ظروف كل قضية. فعند اغفال البيانات المتقدمة يكتفى أن يثبت المتمسك بالبطلان أن عدم مراعاتها سبب عجزه عن اعداد دفاعه مما فوت عليه المصلحة التي قصد القانون حمايتها بما أوجبه وحصلت المخالفة فيه.
ويستثنى من استلزام شرط الضرر حالتان الأولى – إذا كان البطلان متعلقاً بالنظام العام فعلى المحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها دون حاجة إلى أن يتمسك به الخصم.
الثانية – إذا كان البطلان متعلقاً بحكم من الأحكام فللأحكام قواعد خاصة هي القواعد المتعلقة بطرق الطعن فيها.
حالة البطلان الجوازي الأصل أنه ليس للمحكمة سلطة تقديرية في الحكم بالبطلان فمتى تحققت شروط موجباته وجب عليها أن تحكم به لأن الحكم به لا يتوقف على ظروف كل قضية بذاتها. ومع ذلك فقد نص القانون في بعض الحالات الاستثنائية على جعل الحكم بالبطلان جوازياً تقضي به المحكمة أو لا تقضي به بحسب ما يتبين لها من ظروف كل دعوى ومن جسامة خطأ الخصم أو عذره في المخالفة. ومن أمثلة البطلان الجوازي نص المادة 281 على جواز الحكم بسقوط دعوى التزوير الفرعية إذا لم يعلن مدعي التزوير خصمه بشواهد التزوير وإجراءات التحقيق التي يطلب إثباته بها في ميعاد ثمانية أيام تالية للتقرير بالطعن بالتزوير.
طرق التمسك بالبطلان الأصل أن البطلان لا يقع بقوة القانون وإنما يجب أن تقضي به المحكمة بناء على طلب صاحب الشأن فيه. فالإجراء المعيب يبقى قائماً منتجاً كل آثاره إلى أن يحكم ببطلانه.
ولا يجوز أن يتمسك بالبطلان الا من شرع لمصلحته ولا يجوز التمسك بالبطلان من الخصم الذي تسبب فيه.
وذلك كله فيما عدا الحالات التي يتعلق فيها البطلان بالنظام العام.
وتختلف طرق التمسك بالبطلان باختلاف الإجراء المعيب. فإذا كان الإجراء المعيب من إجراءات الخصومة وجبت التفرقة بين أوراق التكليف بالحضور وغيرها من الأوراق. فالأولى يحصل التمسك ببطلانها بإبداء الدفع ببطلان أوراق التكليف بالحضور هو دفع شكلي مع مراعة أن حضور الخصم يزيل بطلان الورقة في بعض الأحوال كذلك يحصل التمسك ببطلان إجراءات الخصومة الأخرى بدفع شكلي يبدي قبل التكلم في الموضوع ويسقط الحق في التمسك بالبطلان ويزول البطلان إذا نزل عنه من شرع لمصلحته أو إذا رد على الإجراء بما يدل على أنه اعتبره صحيحاً أو قام بعمل أو إجراء آخر باعتباره كذلك (م 26) كأن يناقش أحد الخصوم ما جاء بتقرير الخبير فيعتبر هذا رداً على ما جاء في التقرير ويفيد بأن الخصم قد اعتبره صحيحاً مما يترتب عليه زوال البطلان الذي يشوب عمل الخبير. وهذا إذا كان البطلان ناشئاً عن مخالفة القواعد المقررة لصالح الخصوم خاصة أما إذا كان البطلان متعلقاً بالنظام العام فإنه يجوز التمسك به في أية حالة تكون عليها الدعوى ويجوز للنيابة أن تتمسك به إذا كانت طرفاً منضماً في الخصومة.
وإذا كان البطلان وارداً على حكم من الأحكام فإن التمسك ببطلانه يحصل عن طريق الطعن فيه بطرق الطعن المقررة في القانون. فإذا انقضى ميعاد الطعن زال عن الحكم (وعن الإجراءات السابقة عليه) كل الشوائب التي تعيبه.
وتجب التفرقة بين الأحكام الباطلة () والأحكام المعدومة () فالأخيرة لا يلزم الطعن فيها بل ولا يلزم رفع دعوى بطلب بطلانها ويكفي انكارها والتمسك بعدم وجودها. على أنه من الجائز اقامة دعوى أصلية بطلب بطلانها. ومن أمثلة هذه الأحكام الحكم الذي لا يوقع عليه رئيس الهيئة التي أصدرته ولا كاتبها والحكم الصادر من هيئة مكونة من قاضيين بدلاً من ثلاثة قضاة.
أما إذا كان البطلان وارداً على إجراء من إجراءات التنفيذ فإن التمسك ببطلانه يحصل برفع دعوى مبتدأة.
البطلان في أحوال التضامن
اتخاذ الإجراء من غير ذي صفة أو على غير ذي صفة يؤدي إلى بطلانه.
التفرقة بين البطلان في القانون المدني والبطلان في قانون المرافعات.
آثار الحكم بالبطلان يترتب على الحكم ببطلان الإجراء اعتباره كأن لم يكن فيسقط وتسقط معه كل الإجراءات اللاحقة له متى كان هو أساساً لها وترتبت هي عليه. كما يترتب على بطلان الإجراء زوال كافة الآثار القانونية المترتبة عليه. فإذا قضى مثلاً ببطلان صحيفة الدعوى استتبع ذلك بطلان جميع إجراءات الخصومة بما في ذلك الحكم الصادر في الدعوى وإنما لا يمنع البطلان من تجديد الإجراء الذي حكم ببطلانه مصححاً ما لم يكن الحق في إجرائه قد سقط لسبب من أسباب السقوط.
أثر بطلان الإجراء في الإجراءات المتقدمة عليه أو التالية أو المعاصرة له
يراعى أن الحكم ببطلان الإجراء لا يستتبع بطلان ماتقدم عليه من إجراءات كما لا تبطل الإجراءات المتأخرة عليه إذا كان لها كيان مستقل بذواتها ولم تكن معتمدة عليه (م 159 من القانون الإيطالي). ولا تبطل الإجراءات المعاصرة له ما لم ترتبط برباط لا يقبل التجزئة بسبب طبيعتها أو طبيعة موضوعها.
تصحيح الإجراء الباطل بتكملته تنص المادة 25 / 2 المستحدثة بمقتضى القانون رقم 100 لسنة 1962 على أنه يجوز تصحيح الإجراء الباطل ولو بعد التمسك بالبطلان على أن يتم ذلك في الميعاد المقرر قانوناً لاتخاذ الإجراء فإذا لم يكن للاجلااء ميعاد مقرر في القانون حددت المحكمة ميعاداً مناسباً لتصحيحه (ولا مقاب لهذا في التشريع السوري).
تصحيح الإجراء الباطل بالحضور أو بحكم بصحة الشكل
رأينا عند دراسة المدفوع الشكلية أن الحضور يصحح البطلان الذي يشوب صحف الدعاوي في الأحوال الخاصة المقررة في التشريع. ونضيف أن الإجراء الباطل يصحح أيضاً بصدور الحكم بصحة الشكل بعد التمسك بالبطلان من جانب ذي الصفة والمصلحة.
ويلاحظ بعد ذلك كله أننا أفضنا بشرح نص المادة 29 وأوردنا الكثير من شروح القانون المصري نظراً لتطابق نص المادة المذكورة مع نص المادة 40 من قانون المرافعات المصري إلا أننا ننبه إلا أن القانون السوري لم يتضمن نصاً بجواز تصحيح الإجراء الباطل كما هو عليه القانون المصري المعدل أو تصحيح الإجراء الباطل بتكملته كما هو عليه القانون المصري مما يقتضي التنويه بذلك في ختام هذا البحث.
ومن ثم يكون تصحيح الإجراء الباطل إما بالتكملة أو بالحضور أو بحكم بصحة الشكل.