الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 404 من قانون العقوبات

الرأي الفقهي

عرف الفقهاء شهادة الزور بأنها جريمة عمدية فيلزم لقيامها توافر القصد الجنائي العام أي انصراف إرادة الجاني إلى تحقيق وقائع الجريمة مع الإحاطة بأركانها كما يتطلبها القانون. فلا يتحقق ركن العمد إذا كانت أقوال الشاهد غير صحيحة لضعف في ذاكرته أو في حواسه أو عن تسرع في الإدلاء بها بغير تدبر أو حتى عن ميل طبيعي فيه إلى المبالغة عن حسن قصد.
وبعبارة أخرى فإنه يلزم هنا أن يتعمد الجاني أن يكذب ويغير الحقائق بحيث يكون ما يقوله محض افتراء في مجلس القضاء وبسوء نية.
ولا يلزم فيها أي قصد خاص مثل نية الإيقاع بالمتهم أو الإضرار بخصم من الخصوم أو خدمته. وقد أشار إلى ذلك بعض عبارات أحكام قليلة لمحكمة النقض السورية إلا أ يتعمد الشاهد تغيير الحقيقة بقصد تضليل القضاء. وقصد تضليل القضاء هذا يدخل في عناصر القصد العام هنا طالما كانت الجريمة تتطلب ضرراً خاصاً هو بالذات تضليل القضاء على أي نحو كان.
وكما هي القاعدة لا عبرة بالباعث كركن قانوني سواء أكان في رغبة خدمة أحد أطراف الدعوى أم الانتقام منه أم تحقيق مصلحة مادية أو أدبية وأن جاز أن يدخل ذلك وأمثاله في الاعتبار عند تقدير العقوبة من وجهة قضائية فحسب.
ويرى البعض أنه إذا كانت شهادة الزور قد أبديت في تحقيق تجريه المحكمة المدنية فتتم الجريمة من وقت أن يقفل القاضي المحقق تحقيقه ولا يملك الشاهد أن يحضر بعد ذلك أمام المحكمة ويعدل عن شهادته. وهذا الرأي يبدو لنا محل نظر لأن من الأسلم من الوجهة العملية أن نفسخ مجال العدول لشاهد الزور ما دام أن من شأنه أن يصحح الأقوال الكاذبة قبل إتمام المرافعة في الدعوى بما ينبني عليه من إمكان تدارك أثرها في الوقت المناسب.
ومن استقراء المواد 397 – 404 عقوبات سوري يتضح أن شهادة الزور بالأصل جنحة. وعقوبتها الحبس إذا كانت الدعوى التي أديت فيها جناية. والحبس مع الأشغال عشر سنوات إذا كانت الدعوى التي أديت فيها جنحة أو مخالفة فالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات إذا كانت الدعوى التي أديت فيها مدنية.
وإنما تصبح الواقعة جناية إذا تحقق لها أحد ثلاثة ظروف مشددة
أولها – أن يترتب على شهادة الزور الحكم على المتهم – أي أن المحكمة لا تفطن إلى زورها إلا بعد الحكم بالفعل – وعندئذ تصبح عقوبتها الأشغال الشاقة عشر سنوات.
وإذا كانت العقوبة المحكوم بها على المتهم هي الإعدام ونفذت فيه أو بعقوبة مؤبدة فلا تنقص عقوبة الكاذب عن الأشغال الشاقة لعشر سنوات ويمكن إبلاغها إلى الخمس عشرة سنة على شاهد الزور أما إذا لم تكن قد نفذت فيه عقوبة الإعدام فيحكم بإحدى العقوبتين المبينتين آنفاً.
ثانيها – أو أن تكون شهادة الزور قد تمت نتيجة عطية أو وعد بشيء ما وعندئذ يعاقب الشاهد – ومن وعده أو أعطاه – بعقوبة الرشوة فضلاً عن غرامة تساوي قيمة ما أعطى أو وعد به (341 عقوبات). وأن كانت عقوبة شهادة الزور أشد من ذلك – كما إذا تحقق الظرف المشدد السابق – طبقت هذه الأخيرة.
ثالثها – أن تكون الشهادة من طبيب أو جراح أو قابلة أو محامي إذا طلب لنفسه أو لغيره أو قبل أو أخذ وعد أو عطية لأداء الشهادة زوراً بشأن حمل أو مرض أو عاهة أو وفاة أو وقعت منه الشهادة بذلك نتيجة لرجاء أو توصية أو وساطة. ففي هذه الحالة يعاقب الراشي والوسيط بالعقوبة المقررة للمرتشي أيضاً (المادة 341 – 342).
إذاً الضرر في شهادة الزور ركن موضوعي قائم بذاته تقوم الجريمة بقيامه – مع باقي الأركان الأخرى – وتنتفي بانتفائه. والضرر الذي يقصده الشارع بالحظر المباشر فيها هو تضليل القضاء وهو ضرر أدبي عام يغني عن البحث في توافر الضرر الذي قد يلحق خصماً في الدعوى مادياً كان أم أدبياً فمن يشهد لصالح متهم كذب بقصد تخليصه من العقاب يعد مضللاً للقضاء وبالتالي إلى شاهد زور.
والشروع في شهادة الزور بكافة صورها غير متصور. لأن إصرار الشاهد على شهادة الزور حتى إتمام المرافعة تكون الجريمة تامة بصرف النظر عن الحكم الصادر في الدعوى ومدى تأثره بها وأما أن يعدل عنها قبل فلا تقع الجريمة أصلاً كما بينا.
أما الاشتراك في شهادة الزور بإحدى طرق الاشتراك أو بأكثر طريقة فهو متصور الوقوع ويخضع للقواعد العمة فيه. وذلك إذا لم تأخذ المحكمة بشهادة شاهد الزور أو إذا أخذت بها ولكن صدر الحكم سليماً مع ذلك لتوافر أدلة أخرى أو حتى إذا قضت بالبراءة مثلاً لأن الواقعة لا تعد في القانون جريمة وسواء تعرضت لثبوتها أم لا أو إذا حكمت بعدم الاختصاص أو نحوه.
إلا أنه يترتب على استلزام الضرر المحقق أو المحتمل في شهادة الزور أن الجريمة لا تتحقق إذا عدل الشاهد عن أقواله الكاذبة قبل انتهاء المرافعة في الدعوى ولو كان عدو له بعد توجيه شهادة الزور إليه ما دامت المرافعة لم تتم أنظر القاعدة 907. وقضاؤنا مستقر على ذلك فإذا حكمت المحكمة على شاهد الزور بالعقوبة وكانت المرافعة له تتم فإن حكمها يعد سابقاً لأوانه وبالتالي باطلاً. وفي هذه الحالة يتعين نقض الحكم والقضاء ببراءة المتهم الطاعن.
ولا يقبل عدول الشاهد عن أقواله بعد إتمام المرافعة ومن باب أولى عدوله أمام المحكمة التي تنظر الاستئناف أو المعارضة أو النقض إذ يمكن القول بأنه كان من الجائز ألا يطعن الحكم وعند إعادة المحاكمة من جديد أمام محكمة الموضوع.
وتعتبر المرافعة منتهية أمام المحاكم الجزائية بقرار إقفال باب المرافعة (المادة 308 أصول جزائية) وكذلك أمام المحاكم المدنية. وإنما صدور قرار صريح بإقفال باب المرافعة ليس وجوبياً في القانون ولا يترتب على إغفاله بطلان ما وعندئذ تعتبر المرافعة منتهية بالفراغ من سماع أطراف الدعوى وحجزها للحكم في نفس الجلسة أو في جلسة أخرى.
ويرى البعض أنه إذا كانت شهادة الزور قد أبديت في تحقيق تجريه المحكمة المدنية فتتم الجريمة من وقت أن يقفل القاضي المحقق تحقيقه ولا يملك الشاهد أن يحضر بعد ذلك أمام المحكمة ويعدل عن شهادته. وهذا الرأي يبدو لنا محل نظر لأن من الأسلم من الوجهة العملية أن تفسح مجال العدول لشاهد الزور ما دام أن من شأنه أن يصحح الأقوال الكاذبة قبل إتمام المرافعة في الدعوى بما ينبني عليه من إمكان تدارك أثرها في الوقت المناسب.
إذاً لشهادة الزور ارتباطاً وثيقاً بالمواد 280- 308 من قانون أصول المحاكمات الجزائية وأصول الإجراءات أمام محاكم الجنايات كذلك المواد 74 – 88 أصول جزائية وسماع الشهود أمام قاضي التحقيق. والمواد 192 – 196 من ذات القانون وسماع الشهود أمام محاكم البدائية. ولقد آثرنا الاكتفاء والإيجاز بهذا البحث في الإجراءات أمام محاكم الجنايات وموضوع الشهادة الزور وفق ما نصت عليه المواد المذكور من قانون أصول المحاكمات الجزائية فتقول
بعد إجراءات بدء المحاكمة يعطي الرئيس الكلام لرئيس النيابة العامة فيوضح أسباب الاتهام.. وعليه أن يوجز الجناية على سبيل الحكاية دون حاجة إلى التطويل.
ثم يطلب النائب العام تلاوة قائمة الشهود وشهود المدعي الشخصي وشهود المتهم فيتلوها كاتب المحكمة وهذا أيضاً إجراء أساسي. حتى يتمكن النائب العام والمتهم من الاعتراض على كل شاهد لم يعرف في القائمة تعريفاً صحيحاً. وقالت محكمة النقض بقرارها رقم 543 لعام 1985 بإبطال الإجراءات إذا لم تراع هذه القراءة.
ومن ثم يستجوب الرئيس المتهم.. أو المتهمين واحداً بعد الآخر حسب الترتيب الذي يراه فيسأله عن الجريمة. وإذا اعترف بارتكابها.. كيف ارتكبها وما هو تبريره لذلك ومن واجب الرئيس أن لا يسبق الوقائع في هذا الاستجواب.. وعليه أن لا يكون متشدداً على المتهم حتى لا يشعره أو يشعر الحضور بأنه كون قناعته بهذه القضية.
ومن مقتضيات العدالة ألا يكون هذا الاستجواب وسيلة لإغراق المتهم في التهمة المنسوبة إليه فقط.. وإنما يجب أن يكون وسيلة للدفاع أيضاً تمكنه من وجهة نظره.
وعلى ما صرحت به المادة 278 ف4 على كاتب الجلسة تدوين كل وقائعها بأمانة في محضر الجلسة والتوقيع عليه مع الهيئة الحاكمة وإلا غرم بالغرامة التي نصت عليها المادة 204 أصول جزائية.
وصرحت المادة 283 أنه لا يجوز سماع الشهود ما لم يمر على إبلاغ أسمائهم من قبل النائب العام.. أو المدعي الشخصي إلى المتهم أو من قبل المتهم إلى النيابة العامة أربعة وعشرون ساعة على الأقل. ويجوز تسمية شهود جدد خلال المحاكمة.. على أن تحدد الأطراف أسمائهم قبل 24 ساعة إلا أن عدم إبلاغ اسم الشاهد قبل سماعه بأربع وعشرين ساعة لا ينقص من حق الدفاع.
إلا أنه يحق لرئيس محكمة الجنايات أن يستمع إلى كل إنسان يشاء ولو كان ذلك خلافاً لهذه القائمة وبدون تبليغ.. وعندها يكون سماعهم على سبيل المعلومات المادة 266.
وقد جرى التعامل أ تبلغ قائمة الشهود مساء الجلسة وهذا لا ينقص حق الدفاع ولا يبطل صحة الإجراءات. لأن المتهم يستطيع أن يعترض على شهادة الشاهد الذي لم يبلغ إليه قبل 24 ساعة.. ويبقى للرئيس الحق سماعه على سبيل المعلومات كما سبق وأشرنا.
فإذا ادعى المتهم أنه لم يبلغ قائمة الشهود حسب الأصول فإن عليه أن يقدم اعتراضاً بذلك إلى محكمة الجنايات التي ترى الدعوى.. فإذا رفضت المحكمة اعتراضه جاز له أن يطعن فيه بطريق النقض مع القرار الأخير الصادر في أساس الدعوى عملاً بالمادة 337 أصول جزائية كما سبق وأشرنا.
وأشارت المادة 285 و286 بأن يأمر الرئيس بإدخال الشهود إلى الغرفة المختصة لهم. وإذا وجد الرئيس في اجتماع الشهود ما يسيء إلى التحقيق.. فله أن يتخذ الإجراء المناسب. ويؤدي كل شاهد شهادته منفرداً.
إلا أن الشراح متفقون على أن الإخلال بهذه القاعدة التي أتت عليها الفقرة الثانية من المادة 286 ليس سبباً موجباً للنقض. لأن أحكامها ليست من الأحكام الجوهرية.. غير أنه إذا طلب المتهم.. أو النائب العام أخذ الاحتياطات المذكورة وكانت لديه أسباب وجيهة طلب تسجيلها في الضبط ورفضت المحكمة اتخاذها.. فإن ذلك يكون سبباً للنقض إذا ثبت فعلاً أن ضرراً أكيداً لحق بالطلب.
وهذا القول ينطبق على تبادل شهود الطرفين الأحاديث فيما بينهم فهو ممنوع ولكنه ليس سبباً للنقض.
ومن ثم يسأل الرئيس الشاهد عن اسمه وشهرته وعمره الخ.. وعن درجة قرابة الشاهد والسبب في السؤال عن درجة القرابة هو إتاحة الفرصة للنائب العام أو المتهم ليطعن في الشاهد إذا شاء.
ويحلف الشاهد اليمين القانونية بأن ينطق بالحق دون زيادة أو نقصان وهذه اليمين واجبة بهذا الشكل تحت طائلة البطلان المادة 268 فلا يجوز التبديل فيها أو الإنقاص منها.. ولكن لا مانع من الزيادة عليها. والشاهد الذي يشهد دون أداء اليمين ولم يتنازل الأطراف في الدعوى صراحة بعد سماعه. يجوز سماعها على سبيل المعلومات والأخذ بها يكون شهادة باطلة ويستتبع بطلانها الإجراءات التالية وبطلان الحكم الصادر في نهاية الدعوى.. إذا كان مستنداً إليها وهذا ما استقر عليه اجتهاد محكمة النقض السورية ولكن إذا لم تكن ذات أثر في الحكم فإن هذا الحكم يظل سليماً.. ويجوز تصحيح هذا البطلان إذا أمكن دعوة الشاهد وتحليفه اليمين على أن ما قاله صحيح.
وإذا كان الشاهد متوفى أو مجهول الإقامة. فإن الرئيس يأمر بتلاوة شهادته في ملف التحقيق أو أمام الضابطة العدلية ولا تثريب على المحكمة إن اعتمدت على أقواله إذا قنعت بها لأن ذلك من حق المحكمة أن تصرف النظر عن الشهود المجهول الإقامة.
وللمتهم ومحاميه الحق في طرح أسئلة على الشاهد بواسطة الرئيس وبعد انتهائه من أداء شهادته كذلك للمدعي الشخصي ومحاميه هذا الحق. ولكن الرئيس يظل حراً في إجابة الطلب أو رفضه.. إلا أن الخصوم يملكون حق تدوين السؤال في ضبط المحاكمة ليكون مثار طعن إذا صدر الحكم ضده.
وللمتهم الحق في طلب سماع شهود الدفاع عنه وهؤلاء هم شهود النفي. ولا يحق للمحكمة أن تمتنع عن سماعهم إلا إذا كانت شهادتهم غير مجدية إلا أن عليها تبيان أسباب عدم قبول دعوتهم للشهادة.. لأن رد طلب المتهم بدعوة شهود الدفاع يتنافى مع حق الدفاع المقدس.
وزيادة في المحافظة على حق الدفاع الشخصي. أعطى الشارع المتهم الحق بأن يطلب إخراج من يريد من الشهود من قاعة المحكمة.. إلا أنه ليس للمدعي الشخصي هذا الحق. فنيته أن يفعل ذلك بسوء نية وبرغبة الإطالة وقد صرحت المادة 296 بأن هذا الحق للنائب العام والمتهم وحدهما.
وقد يطعن النائب العام أو المدعي الشخصي أو المتهم في شاهد بأنه كاذب. وفي هذه الحال يحق له أن يطلب توقيفه فوراً. لأن شهادة الزور في الجناية جرم جنائي. وقد أعطى رئيس المحكمة حق توقيفه بناء على هذا الطلب وإذا لم يطلب توقيفه أحد جاز لرئيس المحكمة توقيفه من تلقاء نفسه.. وذلك بناء على سلطته الشخصية وهذا ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 299 أصول جزائية.
وفي هذه الحال يتولى ممثل النائب العام وظيفة الادعاء العام.. كما يتولى رئيس المحكمة أو من ينوب عنه وظيفة قاضي التحقيق. فيستجوب الشاهد الكاذب وينظم بحقه المحضر اللازم ثم يرسل الأوراق إلى قاضي الإحالة. لأن الجناية لا بد أن تمر عليه إلا أنه لا حاجة لإرسالها إلى قاضي التحقيق ما دام الرئيس أو من ينوب عنه قد حل محله المادة 299 ف2 من قانون الأصول الجزائية.
وقد أجاز القانون بناء على طلب النائب العام أو المدعي الشخصي أو المتهم.. أو بناء على أمر الرئيس من تلقاء نفسه. تأجيل النظر في الدعوى الأصلية إلى أن يفصل في الشهادة الكاذبة. وفي هذه الحال تعتبر الشهادة الزور مسألة فرعية يترتب عليها التوقف عن السير في الدعوى الأصلية. إلا أنه في أغلب الأحوال المحكمة تقرر توحيد الدعويين الأصلية.. ودعوى الزور وتسير فيهما على هذا الشكل حتى تصدر قرارها فيهما معاً.
وقد صرحت المادة 300 أصول جزائية. بأنه رجوع الشاهد الكاذب عن شهادته قبل نهاية المحاكمة وقال الصدق فإن من الواجب إخلاء سبيله فوراً. لا يعود جرماً وفقاً لأحكام قانون العقوبات.
لذلك كان من الأفضل عدم نظر شهادة الزور إلا بعد ختام محاكمة الدعوى الأصلية واستمرار الشاهد الزور على كذبه لطفاً أنظر المادتان 399 و400 عقوبات.
ومما تجدر ملاحظته بأن هذه المعاملة مقتصرة على محاكم الجنايات فقط.. لذلك لا يجوز الأخذ بها وتطبيقها في محاكم الجنح. والسبب في ذلك أن شهادة الزور في القضايا الجنحية جنحة يعاقب القانون عليها الفاعل بالحبس.. وقاضي الإحالة غير مختص للنظر في الجرائم الجنحية. وبما أن شهادة الزور معتبرة اجتهاداً من جرائم الجلسات فإن قاضي الصلح ومحكمة الجنح يفصلان فيها في الحال كأي جنحة مشهودة ويعاقبان الشاهد الكاذب وفق ما نصت عليه المادة 168 الخاصة بمحاكم الصلح و170 الخاصة بالمحكمة الابتدائية.
فإذا لم تقم المحكمة الدعوى الجزائية بشأن الشهادة الكاذبة في الحال ويحكم فيها تصبح جريمة عادية.. وأصبح من الضروري أن تلاحق بادعاء مستقل من النيابة العامة.
واجتهاد محكمة النقض جار على أنه إذا أديت شهادة كاذبة في محكمة الجنايات فإن النائب العام لديها يقيم دعوى شهادة الزور على الشاهد ويقوم معه بالتحقيق رئيس المحكمة أو من ينوب عنه.. وترسل التحقيقات إلى قاضي الإحالة رأساً. ويبقى من حق قاضي الإحالة تقرير منع محاكمته إذا رجع عن شهادته الكاذبة عملاً بالمادة 399 عقوبات كما سبق وأشرنا.
وفي موضوع الشهادة الزور نظر الشارع نظرة بعيدة عن العاطفة والحساسيات فلم يشأ أن يؤدب شاهد الوزر على رغبته في تضليل العدالة ويجعله عبرة للآخرين. والقانون لم يفرق بين الشهادة الكاذبة وشهادة الزور بل أنه ارتفع إلى مستوى المسؤولية الاجتماعية.. ففضل الوصول إلى الحقيقة حتى لا يظلم البريء. ولو كان سبق وأشرنا ويكون هذا التراجع في التحقيق قبل انتهائه. وينتهي التحقيق بعد صدور قرار قاضي الإحالة حين تصل إليه الأوراق. كما يكون في محاكم الحكم قبل صدور الحكم في موضوع الدعوى.. أي قبل الفصل في الجريمة والعقوبة أنظر الفقرة الثانية من المادة 399 / عقوبات.
كذلك محكمة النقض تشترط في كثير من أحكامها أن يبحث القرار الصادر في موضوع الذي تعمده في أقواله والأدلة القائمة عليه.
ومن المؤكد أن الشهادة الكاذبة لا تظهر إلا بعد ثبوت الشهادة الصادقة ويجب أن يفهم هذا التعبير بأنه يعني ثبوت الواقعة. وهذه لا تثبت عملياً إلا بصدور الحكم في اصل التهمة. لهذا يحسن عدم التسرع في إصدار الحكم في موضوع الشهادة الكاذبة وتأجل الفصل فيه.. إلى حين الفصل في موضوع الدعوى الأصلية.
وقد أوجب القانون فيما إذا كان المتهم أو أحد الشهود لا يحسن اللغة العربية.. أن يعين له ترجماناً يترجم ما يقول للمحكمة. واشترط القانون لصحته أمران الأول أن لا يقل عمر الترجمان عن ثمانية عشر عاماً. والثاني أن يقسم على أنه يترجم بصدق وأمانة. وإذا لم تراع هذه الأحكام تكون المعاملة باطلة.
وقد منع القانون بالمادة 305 من ذات القانون انتخاب الترجمان من الشهود أو أعضاء المحكمة الناظرة في الدعوى.. ولو رضي المتهم والنائب بذلك.. وإلا كان الإجراء باطلاً.
وعلى ما نصت عليه المادة 292 من ذات القانون يجوز رد الترجمان إذا طعن فيه النائب العام أو المتهم. ولكن يجب أن يكون الطعن معللاً حتى تتمكن المحكمة حين الفصل في الطعن من تقدير وجاهته. والرد لا يمكن أن يكون مقبولاً إلا إذا بني على أحد الأسباب ويقدم الطعن شفاهاً في الجلسة مع بيان أسبابه.
وإذا حدث وخان الترجمان الأمانة فترجم ترجمة غير صحيحة في قضية قضائية بقصد تضليل العدالة تطبق عليه أحكام المادة 402 عقوبات فيعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة إذا كانت القضية جنائية. وبالحبس ثلاثة أشهر على الأقل وغرامة لا تقل عن مائة ليرة في القضايا الأخرى. ويمتنع من الترجمة نهائياً. إلا أنه رجع عن أقواله قبل ختام المحاكمة أعفي من العقوبة المادة 404 عقوبات.
وقد تنبه القانون إلى حالة الأصم الأبكم من المتهمين والشهود فنص على أنه في هذه الحال يعين الرئيس للترجمة بينه وبين المحكمة من اعتماد مخاطبته أو مخاطبة أمثاله بالإشارة أو الوسائل الفنية الأخرى إذا كان لا يعرف الكتابة. أما إذا كان يعرفها فعندها يأمر الرئيس كاتب المحكمة بتسطير الأسئلة فيجيب عنها المتهم أو الشاهد كتابة ويدفعها إلى الكاتب في نفس الجلسة وتتلى علناً.
ومن إمعان النظر بنص المادتين 306 و307 أصول جزائية المتضمنتين بحث حالة الصم البكم.. فإننا لا نجد فيها ما يشابه نص المادة 305 التي منعت اختيار الترجمان من بين الشهود وأعضاء المحكمة. لذلك جاز أن يؤخذ في حالة وجود أصم أبكم من يفهم عليه من ذويه أو من الشهود شريطة أن يذكر ذلك في المحضر.
وأخيراً يجب على المحكمة وبعد سماع الشهود أن تعطي للمدعي الشخصي أو وكيله ومن بعده للنائب العام ثم تعطي المتهم أو وكيله الكلام. ويجب أن يكون المدعى عليه ووكيله آخر المتكلمين.. وأن يذكر ما لديه من دفوع ليأخذ العدل مجراه وتظهر الحقيقة واضحة جلية.
ولا يكتفي بقول المحكمة بأن النيابة العامة كررت أقوالها السابقة.. بل يجب أن يشتمل الحكم على خلاصة عن مطالبة النيابة العامة.. وإلا كانت الإجراءات باطلة. وهذا ما أتت على ذكره المادة 196و308 أصول جزائية.
للتوسع في هذا البحث أنظر كتابنا مجموعة أصول المحاكمات الجزائية والأصول الجزائية للدكتور حومد والدكتور بسيسو وأصول الإجراءات الجنائية المرصفاوي والمبادئ الهامة في الإجراءات الجنائية والجرائم الواقعة على الأشخاص والأموال للدكتور عبيد والمسؤولية الجنائية للدكتور القللي