الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 445 من القانون المدني السوري

الرأي الفقهي
1 – ما هو مرض الموت
هناك شروط ثلاثة ليكون المرض مرض موت وكلها أمور موضوعية من شأنها أن تقيم في نفس المريض حالة نفسية هي أنه مشرف على الموت. فيفسر تصرفه في ضوء هذه الحالة ويفترض أنه إنما يوصي فجعل لتصرفه حكم الوصية. ولا حاجة بعد ذلك إلى التفتيش عن خفايا نفس المريض واستكناه ما يضمره ويكفي أن تقوم هذه العلامات المادية امارات على حالته النفسية فنقف عندها. وشروط مرض الموت هي
1 – المرض يقعد المريض عن قضاء مصالحه
يجب أن يجعل المرض المريض عاجزاً عن قضاء مصالحه العادية المألوفة التي يستطيع الأصحاء عادة مباشرتها. وليس واجباً ليكون المرض مرض موت أن يلزم المريض الفراش. فقد لا يلزمه ويبقى مع ذلك عاجزاً عن قضاء مصالحه.
ولا عبرة بانتقال المريض مرض الموت نفسه إلى المحكمة للتصديق على العقد الصادر عنه لأن الكاتب المختص بالتصديق غير مقيد بإثبات حالة البائع (استئناف مصر 6 مايو 1931 المحاماة 12 رقم 220/7 ص440). وقد يجازف المريض مرض الموت بالخروج من بيته للقيام ببعض أعمال فردية كالحضور أمام محكمة الجنح للدفاع عن نفسه في تهمة تبديد (محكمة مصر 29 مايو 1937 المحاماة 6 رقم 539/6 ص996).
2 – ويغلب في المرض خوف الموت
لا يكفي أن يقعد المرض المريض عن قضاء مصالحه بل يجب أيضاً أن يغلب فيه خوف الموت فيكون مرضاً خطيراً من الأمراض التي تنتهي عادة بالموت أو يكون مرضاً بدأ بسيطاً ثم تطور حتى أصبحت حالة المريض سيئة يخشى فيها عليه من الموت. أما إذا كان المرض لم يصل إلى هذا الحد من الخطورة فإنه لا يعتبر مرض موت ولو أعجز المريض عن قضاء مصالحه.
وقد يكون المرض من الأمراض التي يشفى منها المريض عادة ولا يغلب فيها عادة خوف الموت. فهنا لا يعتبر المريض في مرض الموت وإن عجز عن قضاء مصالحه لأن المرض لا يغلب فيه الهلاك.
وكذلك الأمراض المزمنة إذا طالت بحيث يطمئن المريض إلى ابتعاد خطر الموت العاجل. وهناك رأي يقول بأنه لا يكفي أن يغلب في المرض خوف الموت بل يجب أيضاً أن يشعر المريض بذلك وقعوده عن قضاء مصالحه ليس إلا وضعاً مادياً يدل على شعوره بذلك.
3 – أن ينتهي المرض بالموت فعلاً
وأخيراً يجب أن ينتهي المرض بالموت فعلاً ولو لم يكن الموت بسبب المرض كان قتل المريض أو غرق. ذلك أن المريض وقت أن تصرف كان يشعر بدنو أجله ولو لم يمت بهذا السبب العارض لمات بسبب المرض.
ونرى من ذلك أن المريض بمرض يقعد عن قضاء المصالح يغلب فيه خوف الموت إذا تصرف في ماله أثناء هذا المرض كان تصرفه به حال حياته ولا يجوز للورثة الاعتراض عليه ما دام المريض حياً. فإذا انتهى المرض بالموت تعين عند ذلك أن التصرف وقع في مرض الموت وجواز الطعن فيه على هذا الأساس.
على أنه يمتد المرض من وقت صدور التصرف إلى وقت الموت (استئناف وطني 21 ديسمبر 1905) فإذ انتهى بمرض آخر (ديزنطاريا حادة) هو الذي انتهى بالموت لم يكن المرض الأول مرض الموت (استئناف مختلط 28 مارس سنة 1918 محاماة 30 ص316).

2 – الأمراض المزمنة واشتداد المرض
قد يطول المرض بأن يكون من الأمراض المزمنة كالشلل والسل ثم ينتهي بالموت ولكن بعد مدة طويلة. والقاعدة في هذه الأمراض المزمنة أنها لا تعتبر للوهلة الأولى مرض موت إذا طالت دون أن تشتد بحيث يطمئن المريض إلى أن المرض قد وقف سيره ولم يعد هناك من خطر داهم وهذا حتى ولو كان المرض قد أقعد المريض عن قضاء مصالحه وألزمه الفراش ما دام لم يعد يغلب فيه خطر الموت العاجل.
ولكن إذا اشتد المرض بعد ذلك وساءت حالة المريض حتى أصبحت تنذر بدنو الأجل واستمر المرض في الاشتداد حتى انتهى بالموت فعلاً فإنه يعتبر مرض موت من الوقت الذي اشتد فيه.
وهناك رأي في الفقه الإسلامي أخذت به المجلة يقدر المدة التي يطول فيها المرض ويستقر فلا يعود يخشى منه خطر عاجل بسنة. فإذا طال المرض المزمن سنة دون أن يشتد لم يعتبر مرض موت. وإذا اشتد المرض بعد ذلك حتى انتهى بالموت فعلاً قبل انقضاء السنة من اشتداده اعتبر في هذه الفترة مرض موت.
هذا وقد قضي
1 – أن السل وإن كان من الأمراض التي تطول مدتها إذا دخل في دور جديد واشتدت وطأته يجعل تصرفات المريض في ذلك الوقت قابلة للبطلان (محكمة الإسكندرية الوطنية 13 إبريل سنة 1912).
2 – لا يعتبر مرض موت تصلب الشرايين وإصابة القلب والكلى فهي من الأمراض المزمنة التي لا يصح اعتبارها في الأصل مرض موت لبطء سيرها وعدم إحساس المريض بخطورتها. ولكن إذا اشتدت فجأة وشعر المريض بتفاقم خطورتها اعتبرت مرض موت (محكمة مصر الوطنية 29 مايو 1927 المحاماة 9 رقم 539 ص996).
3 – لا يعتبر مرض موت احتباس البول وتضخم البروستات ما لم يثبت أن هذا المرض المزمن قد تزايد فجأة وانتهى بالموت (محكمة مصر 4 مايو سنة 1937 المحاماة 17 رقم 74 ص155).
4 – لا يعتبر مرض موت الالتهاب الشعبي المزمن ما لم يتزايد (محكمة مصر 20 ديسمبر 1938 المحاماة 20 رقم 111 ص304).
5 – أن الربو المصحوب بنزلة شعبية ولو توفي به شخص فجأة في سن يندر في الجيل الحاضر تجاوزها لا يعتبر مرض موت لأن هذا المرض ذاته قابل للشفاء وغير مانع للمريض من مباشرة أعماله في الفترات التي تتخلل النوبات (محكمة مصر 24 إبريل سنة 1928 المحاماة 9 رقم 38 ص58).
6 – لا يعتبر مرض موت السرطان أو السل إذ أنه يظل أكثر من سنة قبل أن يأتي على حياة المصاب به. وعلى الوارث أن يثبت أن المؤرث الذي مات بمرض السرطان أو السلك لم يمكث مرضه أكثر من سنة (محكمة الاستئناف الوطنية 18 يونيه سنة 1917). ويحسب حساب السنة من وقت اشتداد المرض إلى وقت الموت (استئناف مختلط 22 مايو سنة 1913 المحاماة 40 ص33 و 25 فبراير سنة 1930 المحاماة 42 ص315). (الوسيط للسنهوري ج4 – عقد البيع والمقايضة ص314 وما بعد).
3 – أصحاء تقوم بهم حالة نفسية تجعلهم في حكم المرضى بمرض الموت
أن أية حالة مادية تجعل الإنسان يعتقد بدنو أجله يكون من شأنها أن تثير في نفسه هذه الحالة بالذات وتكون لتصرفاته حكم تصرفات المريض مرض الموت ولو أنه لم يكن مريضاً أصلاً. مثل المحكوم عليه بالإعدام الذي ينتظر التنفيذ من كان في سفينة على وشك الغرض ومن داهمه حريق لا سبيل للنجاة منه ومن حوصر في حرب وأيقن أنه مقتول ومن عقد نيته على الانتحار.
4 – إثبات مرض الموت
أن مرض الموت بالشروط المتقدمة الذكر واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع طرق الإثبات ومنها البينة والقرائن. وأكثر ما يثبت بالشهادات الطبية الدالة على حالة المريض في أواخر أيامه. كذلك يثبت بشهادة الشهود. وعلى الورثة الذين يطعنون في تصرفات مؤرثهم بأنها صدرت في مرض الموت يقع عبء إثبات المرض.
(الوسيط للسنهوري – المرجع السابق ص320 فقرة 179 وفقرة 180 ص321)