الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 468 من القانون المدني السوري

الرأي الفقهي
قيود الرجوع في الهبة بغير التراضي
إن رجوع الواهب في الهبة ليس أمراً تحكمياً يجري على حسب إرادته المطلقة. فهو إذا لم يتراضى مع الموهوب له على الرجوع وأراد أن يرجع بإرادته وحده يتقيد بقيود ثلاثة
أولاً – هناك هبات لازمة لا يجوز الرجوع فيها إلا بالتراضي. وهذه هي الهبات التي يقوم فيها مانع من موانع الرجوع.
ثانياً – في الهبات غير اللازمة التي لا يقوم فيها مانع من موانع الرجوع لا يجوز للواهب بغير التراضي أن يرجع في الهبة بإرادته المنفردة إلا إذا كان عنده عذر مقبول للرجوع.
ثالثاً – العذر المقبول لا يترك إلى تقدير الواهب وحده بل يراقبه القضاء. فإذا رأى القاضي أن العذر الذي يقدمه الواهب للرجوع في هبته عذر مقبول أقره عليه وقضى بفسخ الهبة. ولذلك قيل أن الرجوع بالتقاضي في الهبة هو فسخ قضائي لها يسوغه عذر مقبول متروك لتقدير القاضي.
ويلاحظ أن التقنين المدني قيد من إطلاق الرجوع في الهبة فأوجب أن يكون هناك عذراً مقبولاً وعدد أمثلة منه ولم يجعل الواهب يستقل بتقدير هذا العذر بل جعل القضاء رقيباً عليه.
على أن الرجوع في الهبة مقيداً بهذه القيود يعتبر من النظام العام فلا يجوز للواهب أن يتفق مع الموهوب له مقدماً على النزول عنه وإنما يجوز له بعد قيام العذر في الرجوع أن ينزل عن هذا الحق بعد وجوده. وحكم الفقه الإسلامي في هذه المسألة أنه يجوز للواهب الصلح عن حق الرجوع ويعتبر البدل في هذه الحالة كعوض عن الهبة ولا يجوز له إسقاط هذا الحق لأنه حق الشارع. (الوسيط للسنهوري ج5 ص184 فقرة 131).

– وأما الدكتور محمد كامل مرسي فيقول
يكون الرجوع بأي لفظ يفيده مثل رجعت في هبتي أو ارتجعتها أو ارتددتها أو رددتها إلى ملكي أو أبطلتها أو نقضتها الخ… فإن لم يتلفظ في ذلك ولكنه باعها أو رهنها لم يكن هذا رجوعاً. ويستوي في الهبة في حكم الرجوع أن يكون الموهوب له مسلماً أو غير مسلم إذ اختلاف الدين لا يمنع الهبة. ولا يصح الإبراء عن حق الرجوع أما لو صالحه عن حق الرجوع على شيء فإنه يصح ويكون عوضاً عن الهبة ويسقط حق الرجوع. ويجوز الرجوع في كل الموهوب أو في بعضه ولو ترتب على الرجوع الشيوع لأنه شيوع طارىء.
وشرط الرجوع في الهبة التراضي أو حكم القضاء. فلا بد من الفصل بالرضا أو القضاء. ويؤخذ من هذا أن القاضي عندما ترفع إليه الدعوى بطلب استرداد الموهوب يبحث عن سبب الهبة وسبب الرجوع حتى تظهر له الحقيقة من كلام كل منهما ويحكم بما يظهر له.
وينبني على وجوب التراضي أو حكم القضاء للرجوع في الهبة ما يأتي
1 – لو تصرف الموهوب له في الموهوب بالبيع مثلاً قبل القضاء والتسليم نفذ تصرفه لأنه لا يخرج عن ملك الموهوب له إلا بالقضاء أو بالرضا فيصح تصرفه قبلهما.
2 – لو منع الموهوب له الموهوب عن الواهب بعد الرجوع وقبل القضاء أو التسليم فهلك الموهوب في يد الموهوب له لا يضمن لقيام ملكه فيه أما لو طلبه بعد القضاء ومنعه الموهوب له فهلك في يده ضمنه.
3 – لو أخذ الواهب العين الموهوبة قبل القضاء أو الرضا فهلكت أو استهلكت ضمن قيمتها للموهوب له.
ولا خلاف في أن الرجوع في الهبة بقضاء القاضي فسخ. (العقود المسماة ج2 ص160 وما بعد – للدكتور محمد كامل مرسي).

– وأما الدكتور زكي فيقول
إذا تراضى طرفاً الهبة على الرجوع فيها كان هذا صحيحاً وترتب عليه كل آثاره ولو قام أحد الموانع في سبيل طلبه قضاء. والرجوع في الهبة فسخ لها وأثر الفسخ كما هو معلوم لا يقتصر على العاقدين بل يتعداهما إلى الغير ولا يقف عند الحاضر بل يمتد إلى الماضي. ويترتب على ذلك أن ما يرتبه الموهوب له من حقوق عينية غير الرهن يكون معلقاً إلى حد كبير على إرادة الطرفين في الهبة إذا شاءا أزالاه بالرجوع فيها وضاع حق الغير.
أما إذا لم يقبل الموهوب له استحال الرجوع في أربع أنواع من الهبات تنتقل فيها إلى الموهوب له (ملكية لازمة) وهي
1 – علاقة القرابة المحرمية.
2 – الهبة بين الزوجين.
3 – الهبة بعوض.
4 – الصدقة وأعمال البر.
أما في غير هذه الهبات فيجوز للواهب الرجوع في الهبة ولو لم يقبل الموهوب له متى كان يستند إلى عذر مقبول ولم يوجد مانع من الرجوع. فأول قيد على جواز الرجوع هو قيام عذر يبرره وقيام هذا العذر أو عدم قيامه مسألة تخضع لتقدير القاضي إذ لم يضع المشرع ضابطاً لها. ولا يكفي أن يكون عند الواهب عذر مقبول بل يجب ألا يوجد مانع يطرأ بعد الهبة يمنع من الرجوع فيها.
وواضعو القانون المدني اخذوا عن أئمة المذهب الحنفي أنه لا يجوز للواهب أن يسقط حقه في الرجوع لأنه من حق الشارع فإن تنازل عن حق الرجوع فإن تنازله لا يعتبر ويجوز له الرجوع بالرغم من هذا التنازل. (مبادىء القانون المدني في العقود المسماة للدكتور محمود جمال الدين زكي ص162 وما بعد).