الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 486 من قانون أصول المحاكمات السوري

الرأي الفقهي
1 – الأشخاص الذين تقام عليهم دعوى المخاصمة
حسب مفهوم النص يمكن أن توجه دعوى المخاصمة ضد جميع القضاة سواء في الدرجة الأولى أو الثانية أو محكمة النقض وضد ممثلي النيابة العامة أينما كانوا أي أياً كانت مراكزهم. ويبدو أن النص جاء شاملاً جميع القضاة الذين يقومون بوظيفة عدلية وذلك في مختلف أنواع المحاكم ودرجاتها. كما أن قضاة النيابة لا يقتصرون فقط على المدعين العامين والمحامين العامين بل يشملون أيضاً قضاة التحقيق. فيعتبر جميع القضاة العدليين خاضعين إذاً لدعوى المخاصمة. وكذلك المحاكم العدلية سواء كانت مدنية أو جزائية.
وقد اختلف الرأي بشأن اللجان القضائية والمحاكم الاستثنائية التي يرأسها قاضي ويكون اعضائها الباقين من غير القضاة. فذهب رأي إلى جواز اقامة دعوى المخاصمة على كل من اعضائها ولو كانوا من غير القضاة لأن قراراتها تحوز الصفة القضائية. ومن هذا القبيل قرارات مجالس النقابات وقرارات لجان الاستملاك ورئيس مجلس العمل التحكيمي. فيما يذهب رأي آخر إلى عدم جواز قبول دعوى المخاصمة ضد هذه اللجان والهيئات فلم يقبل مثلاً دعوى المخاصمة ضد رئيس المجلس التحكيمي الأعلى الزراعي رغم أنه من القضاة طالما أنه رئيس لمجلس استثنائي يؤلف من بعض الموظفين برئاسته للنظر في المنازعات الزراعية.
ولا تصح دعوى المخاصمة ضد قضاة المحاكم الإدارية أو المحاكم العسكرية إذ يخرج هؤلاء عن دائرة القضاء العدلي وليس لمحكمة التمييز أو لهيئتها العامة حق الرقابة على أعمالهم أو النظر في الشكوى المرفوعة عليهم. ولا تصح تلك الدعوى أيضاً بوجه المحكمين طالما أنهم ليسوا موظفين عامين والدولة ليست مسؤولة عن أعمالهم.

2 – أسباب مخاصمة القاضي
عدد المشرع أسباب مخاصمة القاضي على وجه الحصر في المادة 486 من قانون أصول المحاكمات المدنية وهي على الشكل التالي
آ – إذا وقع من القاضي أو ممثل النيابة في عملهما غش أو تدليس أو غدر أو خطأ مهني جسيم
آ – الغش يفترض قيام القاضي بتحريف الوقائع والأدلة عن سوء نية بغية اصدار الحكم ضد خصم بدافع الكراهية والتشفي أو لمصلحة خصم آخر بعامل التكسب والمحاباة أو المصلحة الشخصية. فيرتكب غشاً تنبني عليه دعوى المخاصمة. وكذلك يدخل في باب الغش القاضي الذي يحرف عن قصد أقوال الخصوم أو افادات الشهود أو ينظم في القضية تقريراً يضمنه وقائع مغلوطة أو غير واردة فيها أو يصف فيه مستنداً بغير ما اشتمل عليه بقصد تضليل سائر اعضاء المحكمة. فيكون القاضي في هذه الحالة قد انحرف عن العدالة مستعملاً عن عمد وسوء نية وسائل التحريف في الوقائع والمستندات أو الأدلة التي بني عليها حكمه بقصد الاضرار بأحد الخصوم أو محاباة خصم على حساب العدالة.
ويذهب رأي في الفقه إلى أن الغش يتميز بسوء النية حيث وصفت محكمة الاستئناف المختلطة المصرية الغش بأنه ارتكاب الظلم عن قصد بدافع المصلحة الشخصية أو بدافع كراهية أحد الخصوم أو محاباته كما لو حرف القاضي وعن قصد ما أدلى به أحد الخصوم أو شاهده من أقوال فسوء النية أمر لازم لتوفر الغش. ويذهب رأي آخر إلى تعريف الغش بأنه يتركز في أن القاضي انحرف عن العدالة مستعملاً وسائل التحريف العمد في المستندات أو الوقائع أو الأقوال التي أسس عليها حكمه أو قراره أو تصرفه بقصد الاضرار بأحد الخصوم أو محاباته على حساب العدالة.
فصورة الغش صعبة الإثبات ما لم يتضح وبصورة واضحة جازمة من صورة الحكم موضوع المخاصمة هذا التحريف وبعد الرجوع إلى اضبارة الدعوى كاملة للمقارنة بين ما ورد في الدعوى من أقوال للخصم وشهوده وبين ما أورده القاضي في حكمه. ومن ثم يتوجب في هذه الحالة على مدعي المخاصمة أن يربط مع دعوى المخاصمة صورة مصدقة عن أقوال الخصم التي يرى أنه جرى تحريفها في الحكم. كما يتوجب عليه أن يربط صورة مصدقة عن أقوال الشهود المستمعين والتي يرى أنها قد حرفت في الحكم موضوع المخاصمة مع التعليل على مواطن التحريف فيها وتأثيرها على النتيجة التي انتهى إليها القاضي في حكمه موضوع المخاصمة. ونحن نرى أنه لا يتوجب على مدعي المخاصمة إثبات سوء النية أو قصد القاضي لأنه إذا ثبت من المقارنة بين الوثائق المشار إليها وحيثيات الحكم قيام التحريف فإن سوء النية والقصد يصبح مفترضاً خاصة وأن سوء النية والقصد من الأمور التي يصعب إثباتها أو يستحيل إثباتها بصورة منفردة وبمعزل عن ثبوت التحريف أو عدمه. ونحن نرى أن المهم في هذه الحالة إثبات التحريف الذي لجأ إليه القاضي مصدر الحكم مجافياً للعدالة وعلى حسابها محاباة لأحد الخصوم في الدعوى.
2 – التدليس وقد قال شراح القانون أنه يقع عندما يصدر الحكم أو الأمر أو أي عمل آخر من أعمال القاضي مخالفاً للعدالة نتيجة لخضوع القاضي إلى عامل المحبة والبغضاء أو المصلحة الشخصية)3). كما قال عنه آخرون أنه سكوت القاضي عن مرافعة تمت أمامه أو عن أوراق ومستندات قدمت إليه ذات تأثير في الحكم.
3 – وأما الغدر فيشمل جميع تصرفات القاضي الضارة بأحد المتخاصمين وقد يقع الخداع أو الضرر عن طريق الكذب والكتمان ولطمس الحقيقة أو يخفي وثيقة هامة يكون لها أثر في فصل الدعوى. فالغدر يفترض التعمد والقصد لدى القاضي في ارتكاب الخطأ لايقاع الضرر بأحد الخصوم بعامل الحقد والبغضاء أو لمنفعة الخصم الآخر بدافع الحمية أو المصلحة الشخصية.
4 – يبقى العنصر الرابع والأهم والأكثر شيوعاً في دعاوي المخاصمة وهو الخطأ المهني الجسيم. عرفت المادة 18 من قانون التنظيم القضائي الخطأ المهني الجسيم بأنه الخطأ الذي يرتكبه القاضي لوقوعه في غلط فاضح ما كان ليساق إليه لو اهتم بواجباته الاهتمام العادي. فهذا الخطأ يسأل عنه القاضي ولو لم يكن سيء النية إي قاصداً ايقاع الضرر بأحد الخصوم.
ويشترط لجواز المخاصمة أن يكون خطأ القاضي الجسيم قد أدى إلى الاضرار بالمدعي.
ومن صور الخطأ المهني الجسيم فقد حدد الفقه بعض صور هذا الخطأ على الشكل التالي
1 – تفسير القانون تفسيراً يناقض أحكامه الصريحة.
2 – تأويل العقود والمستندات المقدمة في الدعوى خلافاً لنصها الواضح.
3 – تأكيد أمور يستند إليها الحكم تتعارض مع وقائع الدعوى وأدلتها الظاهرة والصريحة.
4 – الحكم برد الدعوى أو المراجعة شكلاً لفوات المهلة بينما يظهر من مجرد الاطلاع على الأوراق أنها مقدمة ضمن المدة القانونية.
5 – اصدار الحكم بدون تعليل.
6 – خطأ القاضي في تطبيق المبادىء الأولية للقانون.
7 – اهمال القاضي الفاضح كتسبيبه بضياع مستند أبرز في الدعوى.
8 – الخطأ الفاحش الذي يخرج عن الغش.
9 – الجهل الذي لا يغتفر بالوقائع الثابتة بملف الدعوى.
10 – الاهمال وعدم الحيطة البالغة الخطورة.
11 – الخطأ الفاحش الذي لا يقع فيه القاضي الذي يهتم اهتماماً عادياً بعمله.
12 – اصدار القاضي حكمه بدون أسباب موجبة.
13 – أن يجهل ما يتعين عليه معرفته.
وبالاجمال يشترط أن يكون مهنياً وأن يكون جسيماً وأن يلحق الضرر بأحد المتخاصمين.
وبالمقابل فقد أخرج الفقه من دائرة الخطأ المهني الجسيم الحالات التالية
1 – خطأ القاضي في التقدير لأن استخلاص الوقائع وتفسير القانون عمل غاية في الدقة.
2 – الخطأ في تفسير النصوص القانونية التي تقبل التأويل.
3 – تقدير الوقائع واستخلاص النتائج القانونية الصحيحة منها لا يعد خطأ مهنياً جسيماً مبرراً لدعوى المخاصمة.
4 – اعتماد القاضي عن حسن نية إجراءات غير صحيحة.
5 – خطأ القاضي في تقدير صحة أو ملاءمة أحد إجراءات المحاكمة.
6 – رفض القاضي القيام بإجراء يتعلق بالتحقيق والإثبات عن غير اهمال أو سوء نية بل بخطأ في التفسير أو التقدير فقط.
7 – ما يذهب إليه القاضي في تقدير الأدلة واستخراج النتائج منها لا يعتبر خطأ مهنياً جسيماً مادام ليس هناك جهل بالمبادىء القانونية الصريحة.
8 – إذا اعتبرت المحكمة بالاستناد إلى مخطوطات وتصريح الفرقاء أن عناصر بدء بينة خطية متوفرة وكلفت أحدهم تقديم البينة لاكمال الإثبات على ما يدعيه فإنها لا تتجاوز حدود صلاحياتها.
وأما محكمة النقض المصرية فقد قالت أنه لا يدخل في نطاق الخطأ المهني الجسيم مجرد الخطأ في التقدير أو في استخلاص النتائج أو في تفسير القانون أو قصور الأسباب لأن سبيل تدارك ذلك هو الطعن في الحكم بطريق الطعن المناسب. وهذا النظر صحيح في القانون إذا كان الحكم الصادر والذي يحمل مثل هذه العلل القانونية قابلاً للطعن بإحدى طرق الطعن المقررة في القانون فمن المفروض أن تصحح المحكمة الأعلى هذه الأخطاء وأن تحكم على هدى القانون. ولكن ما هو الحل إذا صدر الحكم مبرماً غير قابل للطعن ولا سبيل لتدارك هذه العلل والأخطاء القانونية. إننا نقول أن ذلك كله يصبح خطأ مهنياً جسيماً ينطوي تحت هذا الشرط من شروط دعوى المخاصمة مادام أنه ليس هناك طريق طعن لتدارك هذه الأخطاء.
9 – تفسير المستندات وتقدير الوقائع يدخلان ضمن سلطان المحكمة ولا يشكلان خطأ جسيماً.
10 – عدم اجابة بعض الطلبات وعدم بحث بعض الدفوع يدخلان في دائرة تفسير القانون وتقدير الوقائع ولا يشكلان خطأ جسيماً.
11 – ما يذهب إليه القاضي في تقدير الأدلة واستخراج النتائج منها لا يعتبر خطأ مهنياً جسيماً وإن انطوى في الواقع على غلط.
ومحكمة النقض السورية فيما أصدرته من أحكام في قضايا المخاصمة ذللت الكثير من الصعاب في فهم هذه الدعوى واستنادها القانوني ووضعت الكثير من المبادىء القانونية والقواعد القانونية التي تميز بين ما هو معتبر خطأ مهني جسيم وما هو معتبر غير ذلك ويجد القارىء هذه المبادىء القانونية في نهاية هذا البحث.
ب – إذا امتنع القاضي عن الاجابة على استدعاء قدم له أو عن الفصل في قضية جاهزة
القانون يقر لكل شخص حق مراجعة القضاء لتثبيت حقوقه أو صيانتها مانعاً عليه أن يقبض حقه بنفسه. ولذلك فهو يوجب على القضاة مقابل هذا الحق للخصوم أن يفصلوا في المنازعات التي ترفع إليهم. ولا يجوز للقضاة أن يتملصوا من هذا الواجب بحجة انتفاء النص أو غموضه إذ يمكنهم في هذه الحالة فصل الدعوى بالاستناد إلى المبادىء العامة أو الاجتهاد أو قياساً على الحالات المماثلة أو أيضاً بناء على قناعتهم الذاتية. ويقصد بامتناع القاضي عن الاجابة امتناعه عن الاجابة على عريضة قدمت إليه أي امتناعه عن اتخاذ أمر ولائي طلب منه اتخاذه سواء برفضه أو بقبوله. أما الامتناع عن الحكم فيقصد به امتناع القاضي عن الفصل في القضية بعد أن تهيأت للحكم. ولا يدخل في ذلك التأجيل العادي لموعد معين ولو حصل أكثر من مرة إذا لم تظهر نية القاضي من التملص من اصدار الحكم أو إذا قام لديه سبب مشروع في ذلك.
ويثبت امتناع القاضي أو ممثل النيابة العامة باعذار يتم بواسطة الكاتب بالعدل ولا ترفع دعوى المخاصمة عليه إلا بعد انقضاء ثمانية أيام على الاعذار.
ج – في الأحوال الأخرى التي يقضي فيها القانون بمسؤولية القاضي والحكم عليه بالتضمينات
ويشمل هذا السبب جميع الحالات التي توجب قانوناً مسؤولية القاضي الجزائية أو المدنية تجاه أحد المتخاصمين في الدعوى كأن يثبت على القاضي ارتكابه تزويراً في إحدى وثائق الدعوى أو أخذ رشوة من أحد الخصوم.
وهناك شرط رابع يضعه بعض الفقهاء لقبول دعوى المخاصمة في كل الحالات حيث أنه لا يسوغ المخاصمة مبدئياً إذا كان للخصم طريق آخر للطعن بالحكم أو إذا كان أهمل اللجوء إلى طرق الطعن المعتادة حتى انبرم الحكم بوجهه. ولكن هذا الشرط ليس راجحاً في القضاء والاجتهاد فبعد أن قررت محكمة التمييز اللبنانية أنه إذا كان الحكم قابلاً للاستئناف وقد استؤنف فعلاً فإن هذا يقتضي عدم قبول طلب المخاصمة في الشكل. عادت في قرار آخر لها لتقول أن دعوى المخاصمة تقبل ولو كان العمل المشكو منه قابلاً للطعن لدى مرجع آخر. وهذا الاتجاه يستند إلى اعتبار طريق المخاصمة طريق طعن في الحكم يغني عن الالتجاء إلى طريق آخر. وفي هذا الاتجاه أيضاً يرى الاستاذ فتحي والي بأنه لما كانت دعوى المخاصمة ترمي إلى تقرير مسؤولية القاضي أو الهيئة ولا يكون الغاء العمل الذي قام به القاضي المخاصم إلا نتيجة مترتبة على ثبوت سبب المخاصمة مما يخل بالثقة المفروضة في عمل القضاة فإن دعوى المخاصمة تكون مقبولة متى توافر سببها ولو كان أمام الخصم طريق للطعن في الحكم.