الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 506 من القانون المدني السوري

الرأي الفقهي
1 – يظهر من تعريف القرض كما أوردته المادة 538 مدني مصري (506 سوري) أن القرض يتم بمجرد تلاقي الإيجاب والقبول. أما نقل ملكية الشيء المقترض فهذا التزام ينشئه عقد القرض في ذمة المقرض وليس ركناً في العقد ذاته.
والقرض ينشىء التزامات متقابلة في جانب كل من المقرض والمقترض. فهو إذن عقد ملزم للجانبين. والالتزامات التي ينشئها في جانب المقرض هي أن ينقل ملكية الشيء المقترض ويسلمه إياه ولا يسترده منه إلا عند نهاية القرض ويضمن الاستحقاق والعيوب الخفية. أما الالتزامات التي ينشئها في جانب المقترض فهي أن يرد المثل عند نهاية القرض وإن يدفع المصروفات وقد يدفع فوائداً مقابل القرض.
والأصل في القرض أن يكون تبرعاً. إذ المقرض يخرج عن ملكية الشيء إلى المقترض ولا يسترد المثل إلا بعد مدة من الزمن وذلك دون مقابل. على إنه إذا اشترط على المقترض دفع فوائد معينة في مقابل القرض أصبح القرض عقد معاوضة. ولكن الفوائد لا تجب إلا إذا اشترطت.
ويتميز القرض عن الهبة في إنه نقل ملكية الشيء على أن يسترد مثله. أما الهبة فنقل ملكية الشيء دون أن يسترده لا هو ولا مثله. ويشتركان في أن القرض بغير فائدة والهبة كلاهما عقد تبرع. ويتميز القرض عن عقد الإيجار بأن القرض ينقل ملكية الشيء أما الإيجار فلا ينقل الملكية وإنما يلزم المؤجر بتمكين المستأجر من الانتفاع بالشيء على أن يرده بعينه في نهاية الإيجار لا أن يرد مثله كما في القرض. وإنما يتشابه القرض والإيجار بالفائدة من الناحية الاقتصادية في أن صاحب المال في الحالتين يجعل الغير ينتفع بماله في نظير مقابل. ومن هنا سمي المقرض بمؤجر النقود.
ويتميز القرض عن عقد البيع في أن البيع نقل ملكية المبيع في مقابل ثمن النقود. أما القرض فنقل ملكية الشيء المقترض على أن يسترد مثله بفوائد أو بدون فوائد. على أن القانون المدني الجديد نوع من الاتفاقات وهي شرط التملك عند الوفاء بمقتضاه يقبل المقترض إذا لم يف القرض في الميعاد أن يتملك المقرض العين المرهونة في نظير القرض فينقلب القرض بيعاً. وشرط التملك عند الوفاء باطل (مادة 1052/1 مدني وأنظر بالنسبة إلى رهن الحيازة نص المادة 1108 مدني). أما بيع العينة فإنه في حقيقته قرض. وصورته أن يبيع المقترض متاعاً للمقرض بثمن معجل يقبضه منه (وهذا هو القرض) ثم يعيد المقرض بيع نفس المتاع من المقترض بثمن مؤجل أعلى من الثمن المعجل الذي دفعه. والقرض فوائد يغلب أن تكون فوائد فاحشة سترها عند البيع.
ويتميز القرض عن الشركة تمييزاً واضحاً. فالمقرض يسترد المثل من المقترض ولا شأن له بما إذا كان المقترض قد ربح أم خسر من استغلاله للقرض. أما الشريك فلا يسترد حصته من الشركة بعد انقضائها إلا بعد أن يساهم في الربح أو في الخسارة. علماً بأن المساهمة في الربح أو في الخسارة هي التي تميز الشركة عن عقد القرض. أما إذا قدم شخص مالا لآخر واشترط عليه أن يسترد منه وإن يساهم في الربح دون الخسارة فهناك من رأى أن هذه الشركة مرآها شركة باطلة هي شركة الأسد وهناك من رأى أن هذا قرض اعتبر أن من قدم المال قد أقرضه للآخر واستطرد فائدة للقرض هي نسبة معينة من الربح. وتكون الفائدة هنا أمراً احتمالياً قد يتحقق إذا تحقق ربح وقد لا يتحقق إذا انعدام الربح. فإذا تحقق ربح وزاد نصيب المقرض فيه على الفائدة المسموح بها قانوناً أنزل النصيب إلى الحد القانوني ولا يشترط المقرض غالباً في إدارة العمل الذي قدم المال من أجله ولا يكون له رقابة عليه إذ هو ليس بشريك. ويتوقف الأمر على نية الطرفين. فإذا انصرفت نيتهما إلى المشاركة في العمل اعتبر من قدم المال شريكاً اشترط عدم المساهمة في الخسارة فتكون الشركة باطلة وإلا كان العقد قرضاً.
ويتميز القرض عن الوديعة في أن القرض ينقل ملكية الشيء المقرض إلى المقترض على أن يرد مثله في نهاية القرض إلى المقرض. أما الوديعة فلا تنقل ملكية الشيء المودع عنده بل يبقى ملك المودع ويسترده بذات. هذا إلى أن المقترض ينتفع بمبلغ القرض بعد أن أصبح مالكاً له. أما المودع عنده فلا ينتفع بالشيء المودع بل يلتزم بحفظه حتى يرده إلى صاحبه. فإذا كانت الوديعة مبلغاً من النقود أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال وكان المودع عنده مأذوناً له في استعماله اعتبر العقد قرضاً (مادة 726 مدني) وهو ما يعرف بالوديعة الناقصة.
ويتميز القرض عن العارية بأن في القرض ينقل المقرض ملكية شيء مثلي على أن يسترد المثل عند نهاية القرض ومن ثم كان القرض يتميز عن العقود التي ترد على الملكية. أما في العارية فالمعير لا ينقل ملكية العين المعارة إلى المستعير بل يقتصر على تسليمها إياه لينتفع بها على أن يردها بذاتها عند نهاية العارية ومن ثم كانت العارية من العقود التي ترد على الانتفاع بالشيء. ومن أجل ذلك فرق القانون المدني الجديد ما بين العقدين فوضع القرض بين العقود التي ترد على الملكية والعارية بين العقود التي ترد على الانتفاع بالشيء.
والذي يميز القرض عن العارية أن محل القرض يجب أن يكون شيئاً مثلياً لأن المقترض يلتزم برد مثله (مادة 538 مدني). أما محل العارية فيجب أن يكون شيئاً قيمياً لا مثلياً لأن المستعير يرده بعينه لا بمثله. والصحيح أن العبرة بالملكية والقيمية لا بالقابلية للاستهلاك وعدم القابلية له.
وتسري القواعد العامة في نظرية العقد على عقد القرض باعتباره عقداً رضائياً حيث لا توجد في هذا الصدد أحكام خاصة وأصبح الوعد بالقرض يعدل القرض.
ومن صور القرض غير المألوفة إصدار سندات من إحدى الشركات أو الأشخاص المعنوية العامة فمن يكتتب فيها يعد مقرضاً للشركة أو الشخص المعنوي بقيمة ما اكتتب به.
ومنها منح اعتماد لعميل في مصرف. فالعميل يعد مقترضاً من المصرف مبلغاً حده الأقصى هو الاعتماد المفتوح.
ومنها إيداع نقود في المصرف. فالعميل يكون هو المقرض والمصرف هو المقترض. ومنها تعجيل مصرف مبلغاً من النقود لعميل لقاء أوراق مالية مودعة في المصرف فالمصرف يكون قد أقرض العميل هذا المبلغ الذي عجله في مقابل رهن هو الأوراق المالية المودعة في المصرف.
ويخضع القرض في إثباته للقواعد العامة في الإثبات.
ويترتب على أن القرض تجاري أو مدني إلى جانب طرق الإثبات أن السعر القانون للفائدة يختلف فهو 5% في القرض التجاري و 4% في القرض المدني. ويجوز للمتعاقدين أن يحررا بالقرض سند تحت الإذن حتى يسهل تداوله ولا يكون في ذلك تجديد لعقد القرض.
ويجب أن تتوافر في المقرض أهلية التصرف إذ هو ينقل ملكية الشيء المقترض إذا كان القرض بفائدة. أما إذا كان بغير فائدة فهو تبرع ومن ثم يجب أن تتوافر في المقرض أهلية التبرع.
وقد نصت المادة 756 من التقنين اللبناني على وجوب أن يكون المقرض حاصلاً على الأهلية اللازمة للتفرغ عن الأشياء التي يريد إقراضها.
وإذا أقرض القاصر أو المحجور بغير فائدة كان القرض باطلاً لأنه ضار به ضرراً محضاً. أما إذا أقرض بفائدة فإن القرض يكون قابلاً للإبطال لمصلحته. ويجوز للأب وللجد أن يقرضا من مال القاصر بفائدة وبإذن من المحكمة (مادة 9 قرار 199 لسنة 1952 بشأن الولاية على المال). ولا يجوز للأب الإقراض من مال القاصر بغير فائدة إلا لأداء واجب إنساني أو عائلي وبإذن من المحكمة (مادة 5 ق 199 لسنة 1952). أما الوصي والقيم فلا يجوز لهما إقراض مال القاصر أو المحجور بفائدة إلا بإذن من المحكمة (مادة 39 و 78 ق 119 لسنة 1952).
ولا توجد أحكام خاصة في عقد القرض في صدد عيوب الإرادة فتسري القواعد العامة المقررة في نظرية العقد.
والمقرض كالبائع يلتزم بنقل ملكية الشيء المقترض إلى المقرض. ومن هنا كان القرض عقداً وارداً على الملكية. وهو كالبائع أيضاً يلتزم بتسليم الشيء المقترض وبضمان الاستحقاق وبضمان العيوب الخفية.
ويجوز للمقترض أن يجبر المقرض على تنفيذ التزامه عيناً. (الوسيط للسنهوري ج5 ص419 وما بعدها).