الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 512 من قانون أصول المحاكمات السوري

الرأي الفقهي
واضح من هذا النص أنه لا يعمل به إلا إذا لم يكن بين الخصوم شرط خاص في عقد أو صك التحكيم حتى إذا وجد مثل هذا الشرط الخاص وجب الاعتداد به. كما إذا اتفق على أنه في حالة اعتذار المحكم أو عزله بتراخيهم يتولى التحكيم شخص آخر أو يقوم شخص آخر باختيار المحكم الخ… وواضح أيضاً أن المشرع شاء أن يمنح المحكمة المختصة أصلاً بنظر النزاع سلطة تعيين المحكمين أو المحكم في كل الأحوال التي يتطلب فيها الأمر ذلك أي في كل الحالات التي لم يتم الاتفاق فيها بين المحتكمين على خط التعيين. ويجوز للمحكمة المختصة تعيين محكم آخر بدل محكم سبقت وفاته أو حكم بتوقيع الحجر عليه أو افلاسه أو عزله جميع الخصوم أو اعتذر عن العمل أو امتنع عنه أو حكم بعدم صلاحيته لنظر الخصومة أو رده.
وترفع الدعوى بطلب تعيين المحكم بالاجراءات المعتادة لرفع الدعوى من جانب أحد أطراف الخصومة في مواجهة الخصم الآخر وبطبيعة الحال لاتتوافر المصلحة في رفع هذه الدعوى إلا إذا نشأ نزاع بين الطرفين مشمول باتفاق التحكيم. ولاتحكم المحكمة بتعيين الحكم أو المحكمين حسب الحال إلا إذا تحققت من اختصاصها المتعلق بالوظيفة واختصاصها النوعي بجسب نوع الدعوى حتى إذا رأت أنها غير مختصة أصلاً بنظر النزاع المتفق فيه على التحكيم وجب عليها الحكم من تلقاء نفسها بعدم اختصاصها بتعيين المحكم أو المحكمين لأن هذا الاختصاص وذلك من النظام العام. كما أنه عليها أن تتحقق من وجود مشارطة تحكيم نافذة بين الطرفين.
وإذا تمسك المدعى عليه بعدم اختصاص المحكمة اختصاصاً محلياً أو قيمياً وجب عليها التحقق من الاختصاص قبل الحكم في طلب التعيين.
ولكن قد يعرض أن يكون المحكم مفوضاً بالصلح أو قد يكون معيناً باسمه في مشارطة التحكيم أو عقد التحكيم حيث أسند إليه المحتكمون ذلك للثقة التي وضعوها في شخصه. في مثل هذه الحالة قضي بأنه إذا كان الحكم مفوضاً بالصلح وتنحى عن تأدية ماانيط به فلا تملك المحاكم تعيين بدله سواء كان التنحي قبل البدء في المهمة أو بعد وقبل اتمامها. كما اعتبر أنه بمجرد زوال صفة أحد المحكمين المصالحين لأي سبب من الأسباب كالوفاة أو الرد أو العزل أو عدم الصلاحية أو فقد الأهلية أو الامتناع عن العمل أو التنحي عنه يزول ويسقط التحكيم بالصلح ويعتبر كأن لم يكن بسبب فقده لركن جوهري بزواله ينهار هذا التحكيم. وفي هذا الاتجاه أيضاً ذهبت محكمة النقض السورية في قرارها رقم 928 أساس 1178 تاريخ 7 / 6 / 1984 عندما قررت أنه إذا كان الحكم مفوضاً بالصلح وتنحى أو امتنع عن تأدية ماينظر فيه فلا تملك المحكمة تعيين بدله سواء كان الامتناع قبل البدء في المهمة أم بعده. وامتناع أحد المحكمين بالصلح عن تأدية ماأنيط به يعيد النزاع إلى المحكمة المختصة أصلاً بنظر النزاع والتحكيم بالصلح يزول حتماً بامتناع المحكم عن العمل أو التنحي عنه ويسقط ويعتبر كأن لم يكن.
على أنه وفي غير الحالات التي يكون فيها المحكم معيناً بشخصه أو مفوضاً بالصلح حيث لايجوز تعيين بدلاً عنه في كل الصور الواردة في المادة 512 أصول محاكمات. فإن المحكمة ووفقاً للنص المذكور تملك تعيين بدله في كل الحالات ويكون القرار الصادر بهذا التعيين قطعياً ومبرماً غير خاضع لأي طريق من طرق الطعن وهذا ماأخذت به محكمة النقض في العديد من أحكامها نذكر منها الحكم رقم 638 تاريخ 8 / 6 / 1985 ورقم 2515 تاريخ 12 / 12 / 1982.
أما الحكم الذي تصدره المحكمة برفض تعيين المحكمين فإنه يقبل الطعن بكافة طرق الطعن المقررة في القانون ذلك أن نص المادة 512 / 3 أصول محاكمات مدنية قد قضى بإبرام القرار الصادر بالتعيين فقط ولم يتطرق إلى القرار الصادر برفض التعيين حيث يتوجب إعمال القواعد العامة في هذه الحالة وهذا مااتجهت إليه محكمة النقض السورية في قرارها رقم 706 أساس 2533 تاريخ 14 / 5 / 1977 الذي قضى بأن الحكم الصادر برفض تعيين المحكم هو وحده الذي يقبل الطعن وكذلك قرارها رقم 638 لعام 1985 الذي قبلت فيه الطعن بقرار محكمة الاستئناف الذي قضى بفسخ قرار محكمة البداية بتعيين المحكمين ورد الدعوى. وهذا الاتجاه لمحكمة النقض السورية يجد أصله في الفقه بأنه يجوز الطعن برفض تعيين المحكم لأي سبب كان من الأسباب لأن المادة 512 أصلها المصري 825 مرافعات لاتمنع الطعن إلا بالحكم الصادر بالتعيين.
وقد تحصل منازعة بين الخصوم أمام المحكمة عند النظر في طلب تعيين المحكم من ادعاء بنفي الاتفاق على التحكيم أو انقضاء مشارطة التحكيم أو كأن يدعي المدعى عليهم أن المحكم المطلوب تعيينه بديلاً عنه معين بشخصه ولايجوز تعيين بدلاً عنه بعد أن تنحى عن العمل الخ… ومع ذلك تصدر المحكمة قرارها بتعيين المحكم في هذه الحالة. فما هو الحل أو القيمة القانونية لهذا التعيين المبرم محكمة النقض السورية قالت انه يبقى لصاحب العلاقة الحق بإثارة الخلل الذي شاب تعيين المحكم أو المحكمين وسائر الاجراءات السابقة له عندما ينظر في طلب اكساء حكم المحكمين صيغة التنفيذ وقرارها أيضاً الذي قضى أنه يمكن للطرف الذي يجد خللاً في اجراءات التحكيم السابقة لصدور حكم المحكمين أن يثير مطاعنه حول ماشاب تلك الاجراءات من مخالفة القانون. غير أن محكمة النقض السورية عادت في قرار آخر لتقول أنه عندما تتولى المحكمة تعيين المحكمين لابد وأن تبت أولاً بأوجه المنازعة بين الطرفين أياً كان وجه النزاع وطبيعته ومداه طالما أنه لصيق بمسألة تعيين المحكمين ومنبثق ويتفرع عنها.
وبالرجوع إلى الاجتهاد العربي المقارن تجد أن محكمة استئناف بيروت قالت في أحد قراراتها أنه لايجوز لرئيس محكمة البداية أن يتناول في معرض طلب تعيين المحكمين أموراً تتصل بصحة التحكيم لأن هذا الأمر يخرج عن اختصاصه إذ لم يفوض إليه في عقد التحكيم سوى أمر تعيين المحكم في حال عدم اتفاق الفرقاء على تعيين محكم آخر بدلاً من المحكم المستقيل أو المتوفى. ولايجوز له مطلقاً أن يتعرض لأساس النزاع القائم حول زوال وابقاء عقد التحكيم لأن صلاحيته استثنائية أعطيت له بمقتضى عقد التحكيم وتنحصر بمسألة تعيين محكم دون سواها. ونحن نرى أن اجتهاد محكمة استئناف بيروت المتفق من حيث المبدأ مع اجتهاد محكمة النقض السورية بأن الحق بالدفع ببطلان الاجراءات وزوال التحكيم والخ… يكون حين اكساء الحكم الصادر عن المحكمين صيغة التنفيذ وليس أمام المحكمة التي تنظر بتعيين المحكمين وذلك لأنه في الأصل وحسب أحكام ومفهوم المادة 512 أصول محاكمات مدنية فإن مهمة المحكمة تقتصر على تعيين المحكم أو المحكمين دون أي بحث آخر ولمجرد أن يقدم إليها الطلب مشفوعاً بعقد أو مشارطة التحكيم وليس لهذه المحكمة أن تبحث في انقضاء عقد التحكيم أو زواله أو بطلانه أو غير ذلك من الأمور الموضوعية ويقتصر حكمها وتقريرها على تعيين المحكم أو المحكمين أو رد هذا الطلب فقط وحسب مايتراءى لها من الأوراق المقدمة مع طلب التعيين.
يضاف إلى هذا وذاك أنه من حق الخصوم اللجوء إلى المحكمة المختصة بنظر النزاع للبت بمسألة انعدام عقد أو شرط التحكيم أو زوال هذا الشرط لأحد أسباب الانقضاء القانونية أو النظر ببطلان هذا العقد وهذا ماذهب إليه وأخذ به اجتهاد محكمة النقض السورية حين قرر أن تقرير إبطال العقود أو صحتها إنما هو من اختصاص القضاء العادي ولو تضمن هذا العقد شرط التحكيم بين الطرفين لأن مشارطة التحكيم لاتقع إلا على العقود الصحيحة وليس على العقود الباطلة أو المطعون ببطلانها.
هذا بالنسبة للتحكيم المحلي أو الوطني حيث أنه بالنسبة للتحكيمات التي تأخذ الطابع الدولي فإن بعض البلدان أخذت بمبدأ استقلالية شرط التحكيم عن العقد الأصلي حيث أصبح هذا المبدأ هو السائد في التحكيم الدولي الخاص وبمعنى أن بطلان العقد الأصلي أو انعدامه لايؤدي إلى بطلان أو انعدام الشرط التحكيمي الذي يبقى سليماً ومستقلاً عن العقد الأصلي.
وفي التحكيم الدولي الخاص والمبادىء التي أرستها قواعد التحكيم لدى غرفة التجارة الدولية فإن هيئة التحكيم المنصوص عنها في المادة الأولى من نظام التحكيم لدى غرفة التجارة الدولية هي التي تتولى تعيين محكم بدلاً من المحكم الذي يتوفى أو يقبل طلب رده أو تقبل استقالته من التحكيم. وهي التي تقوم بتعيين البديل في حال وجود مانع قانوني أو فعلي يقف في سبيل تأديته مهمته ووفقاً للقواعد والأصول المنصوص عنها في المادة الثانية من نظام التحكيم المشار إليه.
هذا ولابد أن تشير إلى أن المحكمة المختصة المذكورة في المادة 512 أصول محاكمات مدنية موضوع التعليق هي المحكمة المختصة نوعياً ووظيفياً للنظر في أصل النزاع من جهة. وهي المحكمة المختصة اختصاصاً محلياً من جهة ثانية. إذ أنه يجب لصحة قرار تعيين المحكمين أن يصدر عن محكمة مختصة نوعياً ووظيفياً ومحلياً بنظر أصل النزاع وتحت طائلة اعتبار قرار التعيين معدوماً لصدوره عن محكمة غير مختصة. ولكن يشترط في هذه الحالة أن يقدم الدفع بعدم الاختصاص المحلي قبل أي دفع آخر وفقاً لأحكام المادة 145 من قانون أصول المحاكمات المدنية وتحت طائلة عدم الاعتداد بهذا الدفع وسقوطه. وقد استثنت محكمة النقض من هذه القاعدة حالة ماإذا لجأ المدعى عليه إلى سرد وقائع الدعوى في الجلسة الأولى ومن ثم بعد هذا السرد قال أنه يعترض على الاختصاص المكاني حيث قالت أن هذا الدفع يكون مترابطاً ولايكون ذلك ذهولاً في الدفوع قبل الاختصاص يبطل مفعول الدفع بعدم الاختصاص.