الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 517 من القانون المدني السوري

الرأي الفقهي
يخلص من هذا النص أن للصلح مقومات ثلاث
1 – نزاع قائم أو محتمل.
2 – نية حسم النزاع.
3 – نزول كل من المتصالحين على وجه التقابل عن جزء من ادعائه.

1 – نزاع قائم أو محتمل
أول مقومات الصلح أن يكون هناك نزاع بين المتصالحين قائم أو محتمل. فإذا لم يكن هناك نزاع قائم لو في القليل نزاع محتمل لم يكن العقد صلحاً. فإذا كان هناك نزاع قائم مطروح على القضاء وحسمه الطرفان بالصلح كان هذا الصلح قضائياً. ولكن يشترط ألا يكون قد صدر حكم نهائي في النزاع.
وليس من الضروري أن يكون هناك نزاع قائم مطروح على القضاء بل يكفي أن يكون النزاع محتملاً فيكون الصلح لتوقي هذا النزاع ويكون في هذه الحالة صلحاً غير قضائي.

2 – نية حسم النزاع
ويجب أن يقصد الطرفان بالصلح حسم النزاع بينهما أما بإنهائه إذا كان قائماً وأما بتوقيه إذا كان محتملاً ولكن ليس من الضروري أن يحسم الصلح جميع المسائل المتنازع فيها بين الطرفين. فقد يتناول الصلح بعض المسائل فيحسمها ويترك الباقي للمحكمة تتولى هي البت فيه. كذلك يجوز للطرفين أن يتصالحا عليه فيوجهان الدعوى على هذا الأساس حتى يصدر من المحكمة الحكم المرغوب فيه فيكون هذا صلحاً بالرغم من صدور الحكم.

3 – نزول كل من المتصالحين عن جزء من ادعائه
ويجب في الصلح أن ينزل كل من المتصالحين على وجه التقابل عن جزء من ادعائه. فلو لم ينزل أحدهما عن شيء مما يدعيه ونزل الآخر عن كل ما يدعيه لم يكن هذا صلحاً بل هو محض نزول عن الادعاء. فإقرار الخصم لخصمه بكل ما يدعيه أو نزوله عن ادعائه لا يكون صلحاً. وهذا هو الذي يميز الصلح عن التسليم بحق الخصم وعن ترك الادعاء.
وليس من الضروري أن تكون التضحية من الجانبين متعادلة. فقد ينزل أحد الطرفين عن جزء كبير من ادعائه ولا ينزل الآخر إلا عن الجزء اليسير ويعتبر هذا صلحاً مهما كانت تضحية الطرف الأول قليلة بالنسبة إلى تضحية الطرف الآخر. فإذا أقر المدعى عليه بمبلغ الدين كله ولكنه اتفق مع المدعي على أن يدفع جزءاً بعد أجل فإمهال الدائن لمدينه في دفع جزء من الدين إلى أجل يعد تركاً منه لشيء من حقوقه ويكون هذا صلحاً.
وقد يعمد شخص إلى الصلح مع خصمه حتى يتفادى التقاضي بما يجد من إجراءات معقدة وما يجشم من مصروفات باهظة وما يستغرق من وقت طويل أو حتى يتفادى علانية الخصومة والتشهير في أمر يؤثر كتمانه فينزل عن جزء من ادعائه لهذا الغرض حتى يسلم له الخصم بباقي حقه فيحصل عليه في يقين ويسر أو في سكوت وتستر ويؤثر بذلك صلحاً يخسر فيه على قضية يكسبها.
وكما يتحقق الصلح لو أن كلاً من الطرفين نزل عن جزء من ادعائه كذلك يتحقق لو أن أحد الطرفين نزل عن كل ادعائه في مقابل مال آخر خارج عن موضوع النزاع. ويسمى المال الذي أعطي في نظير الصلح بدل الصلح.

4 – تكييف عقد الصلح
القاضي هو الذي يكيف الاتفاق بأنه صلح أو بأنه عقد آخر وفقاً لعناصر الصلح ولا يتقيد في ذلك بتكييف الخصوم. فقد يسمي الخصوم الصلح باسم عقد آخر أو يسمون عقداً آخر بأنه صلح. وقاضي الموضوع هو الذي يبت في وجود عناصر الصلح من حيث الواقع فيقرر ما إذا كان هناك نزاع قائم أو محتمل وما إذا كانت نية الطرفين حسن النزاع وما إذا كانت هناك تضحية من الجانبين فتوافر بذلك عناصر الصلح ولا معقب عليه في ذلك من محكمة النقض. أما وجوب توافر هذه العناصر جميعاً في كون العقد صلحاً فهذه مسألة قانونية لا يستقل بها قاضي الموضوع بل تخضع لرقابة محكمة النقض.

5 – خصائص عقد الصلح
عقد الصلح من عقود التراضي فلا يشترط في تكوينه شكل خاص بل يكفي توافق الإيجاب والقبول حتى يتم الصلح. ولكن الكتابة ضرورية لإثبات الصلح لا لانعقاده.
وهو عقد ملزم للجانبين إذ يلتزم كل من المتصالحين بالنزول عن جزء من ادعائه في نظير تنازل الآخر عن جزء مقابل فينحسم النزاع على هذا الوجه.
وهو عقد من عقود المعاوضة فلا أحد من المتصالحين يتبرع للآخر وإنما ينزل كل منهما عن جزء من ادعائه بمقابل وهو نزول الآخر عن جزء مما يدعيه. وقد يكون الصلح عقداً محدداً كما هو الغالب. وعقد الصلح كاشف للحقوق لا منشىء لها وهو عقد غير قابل للتجزئة فبطلان جزء منه يقتضي بطلان العقد كله. (الوسيط للسنهوري ج5 ص508 وما بعد).

الصلح القضائي
قد ينعقد الصلح بعد رفع الدعوى فيترتب عليه إنهاؤها. وقد يتم قبل رفع الدعوى فيكون من أثره تجنبها. ويسمى في الحالة الأولى صلحاً قضائياً ويدعى في الحالة الثانية صلحاً غير قضائي. فالصلح القضائي هو الصلح الذي يتراضى فيه الخصمان أثناء نظر الدعوى ويترتب عليه إنهاؤها. وحتى يتحقق الغرض من الصلح القضائي في حسم الدعوى يقدم الخصوم عادة إلى المحكومة المرفوعة إليها هذه الدعوى مثبتة في محضر الجلسة وهذا ما يعرف عملاً بالتصديق على الصلح. فالتصديق أن هو إلا إثبات للصلح في محضر الجلسة.
وطلب الخصوم إثبات ما اتفقوا عليه في محضر الجلسة فإنه يكون قد أسبغ على القاضي في هذه الحالة صفة الموثق ويصبح التصديق على الصلح مكسباً له صفة المحرر الرسمي وجاعلاً منه سنداً قابلاً للتنفيذ شأنه في ذلك شأن غيره من المحررات الرسمية. ولكن التصديق على الصلح لا يجعل منه حكماً لأن المحكمة لم تفصل بوجه ما في النزاع القائم بين طرفي الخصومة بل أثبتت ما اتفق عليه صلحاً فيكون الطعن فيه بدعوى جديدة كما يطعن في كل العقود لا بطريق الاستئناف أو النقض كما هو الشأن في الأحكام.
ويشترط لإمكان التصديق على الصلح حضور الطرفين الجلسة فلا يجوز للمحكمة أن تثبت صلحاً رسمياً بين شخصية غير حاضرين أمامها أو حضر أحدهما وغاب الآخر. كما لا يجوز لها ذلك إذا حضر الاثنان ولكنهما رفضاً أو رفض أحدهما الصلح أمامها. (العقود المسماة ص17 وما بعد – للدكتور محمود جمال زكي).