الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 532 من قانون أصول المحاكمات السوري

الرأي الفقهي
1) – رغم أن أحكام المحكمين لاتصدر عن هيئة قضائية نظامية إلا أن المشرع السوري وبالرغم من ذلك أجاز الطعن بهذه الأحكام بطريق الاستئناف وطبقاً للقواعد والمهل المنصوص عنها في القانون لاستئناف أحكام المحاكم. ويبدو أن المشرع قد أخذ بقواعد جواز الطعن بحكم المحكمين من القاعدة المتفق عليها في الفقه والقائلة بأن تكون لأحكام المحكمين حجية الشيء المحكوم فيه بمجرد صدورها ولو لم يكن قد صدر الأمر بتنفيذها. ولكن المشرع السوري في ذات الوقت يبدو أنه قد لحظ أن أحكام المحكمين تستمد في الأصل من اتفاقيات يضعها الخصوم المحتكمين. وأن التحكيم في الأصل يقوم على إرادة المحتكمين ووفق الطريقة التي يقررها هؤلاء في اللجوء إلى المحكمين للحكم في منازعاتهم بدلاً من القضاء العادي فنص في المادة 532 أصول محاكمات على حالتين لايجوز فيها استئناف أحكام المحكمين والحالتين المذكورتين مستمدتين من اتفاق الخصوم على التحكيم كما نص في ذات المادة على حالتين قرر فيها عدم جواز الاستئناف وقد استمدها المشرع من قواعد الأصول المتعلقة بالنظام العام.
وهكذا نجد أن المشرع السوري قد استثنى من القاعدة العامة وهي جواز استئناف أحكام المحكمين الحالات الأربعة التالية
1 – إذا كان المحكمون مفوضين بالصلح يبدو أن المشرع قد أقر هذه القاعدة لأن الطعن بالاستئناف بحكم المحكم المفوض بالصلح إنما يتعارض مع التفويض الذي يعطيه المحتكمون له من حيث قبول الخصوم سلفاً لقضائه ومن حيث اعفاء المحكم المصالح من التقيد بقواعد المرافعات والقانون مما لايستقيم معه طعن بالاستئناف يفيد التظلم من قضاء هذا المحكم المصالح الذي نال ثقة أطراف النزاع حتماً قبل تعيينه محكماً مصالحاً. ولكن قد لايستعمل الأطراف في عقودهم التي تضمنت اللجوء إلى التحكيم عبارة التحكيم بالصلح قد لايستعملون هذا اللفظ بالذات تفويض المحكم بالصلح ولكن قد يذكرون أية عبارة أخرى يمكن أن تدل عليها. وهنا اختلف شراح القانون في جواز الاعتداد بالعبارة التي استعملها المحتكمون في عقودهم لتكييف العقد واعتباره تحكيماً بالصلح أو عدم اعتباره كذلك. وهنا أخذ الفقه في مجال التفسير وتحديد ماإذا كان العقد تحكيماً بالصلح أم لا وجوب أخذ الحيطة والحذر في تفسير عبارة العقد وفي تحري إرادة الخصوم وهل هي تتجه فعلاً إلى التحكيم بالصلح واعتبار المحكمين مفوضين بالصلح أم لا حتى أنه قد وضعت قاعدة عامة في هذا الموضوع اتفق عليها جميع شراح القانون وهي تقضي بانه لايصح اعتبار المحكم مفوضاً بالصلح إلا إذا وضحت إرادة الخصوم وضوحاً تاماً وكانت ترمي إلى ذلك.
فالمبدأ لا بد لقيام التحكيم بالصلح من نص على ذلك في عقد التحكيم أو مشارطته يفضي إليه أو يشير إليه بشكل لايدعو إلى الالتباس فيه. فإذا قيل مثلاً أن للمحكمين حق الفصل في النزاع بصفة مصالحين أو قيل أن لهم الحق في فصل النزاع وفقاً لما يقتضيه الانصاف بدون التقيد بالقواعد القانونية. أو إذا قيل الفصل في النزاع بحسب الوجدان والضمير جميع هذه التعابير تؤدي إلى أن إرادة المحتكمين اتجهت إلى التفويض بالصلح. هذا رأي. وهناك رأي آخر يقول أنه إذا اتفق الطرفان على اعتبار حكم المحكمين غير قابل للطعن واتفق أيضاً وفي الوقت ذاته على اعفائه من التقيد بأوضاع المرافعات وقواعد القانون فإن هذا يعني وبوضوح وحتى اعتبار الحكم مفوضاً بالصلح أو إذا اتفق الطرفان على منح الحكم سلطة الفصل في النزاع معتداً بمبادىء العدالة دون التقيد بقواعد القانون فإن هذا الاتفاق يقطع في الدلالة على اعتباره محكماً مصالحاً. وهذا ما أخذت به محكمة استئناف دمشق عندما قالت إذا انصب اتفاق الخصوم على اعتبار حكم المحكم مبرماً مع اعفائه من التقيد بالأصول والقانون فإن هذا يكفي لاعتبار المحكم مفوضاً بالصلح.
وبالمقابل إذا اتفق الطرفان على جعل حكم المحكمين غير قابل للطعن. أو إذا اتفقا على اعفاء المحكم من مراعاة أحكام قانون المرافعات أو على جعل حكم المحكمين غير قابل لأي طعن مع الاتفاق في الوقت ذاته على اعفائه من مراعاة قانون المرافعات. أو الاتفاق على جعل حكم المحكمين غير قابل لأي طعن مع النزول عن التمسك ببطلانه. فإن كل ذلك لايكفي وبحد ذاته لاعتبار الحكم مفوضاً بالصلح ولايمكن أن يستشف منه رغبة الخصوم في اجراء التحكيم بالصلح.
ونحن نرى أنه لا بد لتحديد ما إذا كان التحكيم بالاصلح أم لا من وضوح العبارة الواردة في عقد التحكيم أو في صك التحكيم وأن تكون هذه العبارة الواضحة تدل على اتفاق الخصوم في الأساس على اعتبار المحكم أو المحكمين مفوضين بالصلح وبما لايدع مجالاً للشك في إرادة المتعاقدين لأنه عند الشك في ذلك يعتبر التحكيم عادياً أي بالقضاء وليس بالصلح.
فإذا وضحت إرادة المتعاقدين على التحكيم بالصلح اعتبر الحكم في هذه الحالة مشمولاً بالاستثناء من قاعدة حق الاستئناف المنصوص عنها في المادة 532 أصول محاكمات مدنية. وهذا الاستثناء كما رأينا مستند أو يقوم على إرادة الخصوم واتفاقهم.
2 – إذا كان الخصوم قد تنازلوا صراحة عن حق الاستئناف. يبدو أن المشرع وفي مجال التحكيم فقط قد خرج عن القواعد العامة الأساسية والتي تقضي بعدم صحة التنازل عن حق قبل اكتسابه. فأجاز للأطراف في التحكيم وقبل صدور حكم التحكيم – في عقد التحكيم بالذات أو في صك التحكيم أو أية ورقة أخرى موقعة منهم – التنازل عن ممارسة حق الطعن فيه بطريق الاستئناف. وهذا الذي أخذ به المشرع إنما يأتلف أصلاً مع الغاية الأساسية من التحكيم وسرعة الفصل في المنازعات ومع مبدأ احترام إرادة المحتكمين خاصة وأن التحكيم في الأصل يقوم على أساس إرادة الخصوم واتفاقاتهم وبأتلف مع الخروج عن الأصل العام الذي يقضي بأن يكون القضاء والفصل في المنازعات للقضاة النظاميين المعينين من الدولة وفقاً لأحكام السلطة القضائية. ومادام أن المشرع أجاز هذا الخروج عن الأصل العام فإنه أباح في المقابل الخروج عن الأصل العام والقواعد العامة في جواز التنازل عن ممارسة طرق الطعن أو عدمه. وقد يكون هذا الخروج عن الأصل العام والقواعد العامة هو نتيجة حتمية للقواعد التي تقول أن التحكيم في الأصل هو تعاقد وأن الأحكام الصادرة عن المحكمين تصدر بناء على هذا التعاقد الخاص وتكون مشمولة بأصوله.
على أنه وإن كان المشرع قد أوجب أن يكون هذا التنازل صريحاً نظراً للنتائج القانونية التي تترتب عليه إلا أن ذلك لايمنع من اللجوء إلى عبارات أخرى تفيد هذا التنازل طالما أن التحكيم برمته نتيجة تعاقد بين طرفين يرغبان فض منازعاتهم عن طريق التحكيم وليس عن طريق القضاء المختص فلايلزم والحالة هذه أن يرد في عقد التحكيم أو في مشارطة التحكيم نص يقول تنازل الطرفان عن طرق الطعن بحكم المحكمين بل يكفي أية عبارة أخرى تفيد مثل هذا التنازل بوضوح.
فإذا ورد في الاتفاق أن يصدر حكم المحكمين مكتسباً الدرجة القطعية وملزماً للطرفين. أو اعتبار الحكم قطعياً وغير قابل للطعن أو النص في عقد التحكيم على أن يصدر حكم المحكمين مبرماً أو غير قابل لأي طريق من طرق الطعن أو الاتفاق على اعتبار حكم المحكمين غير قابل لأي طعن. فإن كل هذه العبارات وفي مدلولها القانوني تفيد معنى التنازل الصريح عن ممارسة حق الطعن بالاستئناف ضد حكم المحكمين ومن ثم لايصح لأي من الطرفين الادعاء بأنه لم يتنازل صراحة عن حق الاستئناف رغم أنه اتفق مع خصمه على اعتبار حكم المحكم في صدد نزاعه معه قطعياً أو نهائياً أو غير قابل للطعن طالما أنهما حددا سلفاً وباتفاقهما نوعية الحكم الصادر وقابليته للطعن أم لا. مما يوجب اعتبار مثل هذه التعابير التي قد ترد في عقد التحكيم أو مشارطة التحكيم بمثابة النزول الصريح المنصوص عنه في المادة 532 أصول محاكمات مدنية.
ويمكن أن يتم الاتفاق على التنازل عن حق الطعن بالاستئناف ابتداء في عقد التحكيم أو مشارطته أو في أي اتفاق آخر قبل صدور الحكم. كما يمكن أن يتم هذا التنازل بعد صدور حكم المحكمين فإذا ثبت مثل هذا الاتفاق أو بما يفضي إلى مثل هذا الاتفاق اعتبر التحكيم مبرماً وبما يؤدي حتماً إلى عدم جواز قبول الاستئناف حتى أنه قضي بأن قرار التحكيم الصادر بالصلح (عن محكم مصالح) لايقبل الاستئناف ولو لسبب يتعلق بالنظام العام.
ولكن ما القول إذا أحال الأطراف منازعاتهم إلى قواعد تحكيم منصوص عنها في نظام معين سواء كان هذا النظام محلي أو دولي أو هيئة أو مركز من هيئات التحكيم أو مراكزه ودون أن يضعوا في اتفاقاتهم هذه أي نص على التنازل عن استئناف حكم المحكمين أو عدم التنازل. كأن يتفق الطرفان على حل منازعاتهما التي تنشأ عن تنفيذ العقد عن طريق التحكيم وفقاً لنظام المصالحة والتحكيم لدى غرفة التجارة الدولية دون أية شروط أخرى.
لا شك أنه بمجرد قبول الخصوم بتطبيق قواعد التحكيم المنصوص عليها في هذا النظام يوجب الرجوع إلى نظام الهيئة لاعطاء الوصف القانوني للصيغة التي يصدر بها الحكم التحكيمي لأنه في هذه الحالة يعتبر النظام السائد أو المعمول به لدى هذه الغرفة التي أحال الطرفان منازعاتهما إليها جزءاً لايتجزأ من عقد التحكيم ومشارطة التحكيم ومن الشروط العامة في العقد والتي يتوجب مراعاتها حكماً باعتبار أن العقد كل لايتجزأ وبحيث لايجوز التنصل من أحد شروط العقد. وهذا ماتأيد باجتهاد محكمة النقض القائل أن اللجوء إلى الهيئات التحكيمية الأجنبية أو الدولية يستتبع تطبيق الأنظمة المعمول بها لدى هذه الهيئات. وهكذا لابد وفي سبيل تخصيص هذا الدفع أنه لابد من الرجوع إلى أحكام العقد أو مشارطة التحكيم ومن ثم إلى النظام التحكيمي الذي أحال إليه الطرفان منازعاتهم لاعطاء الحكم التحكيمي الوصف القانوني الصحيح من حيث قابليته للطعن أم لا وعلى اعتبار أن قواعد هذا النظام أصبحت جزءاً من العقد والاتفاق.
فإذا كانت قواعد النظام التحكيمي الذي اتفق عليه الطرفان يقضي بأن يكون الحكم نهائياً وبأنه قد تنازل الطرفان عن حق استئناف الحكم أو الطعن فيه ولم يكن في عقد التحكيم أو مشارطة التحكيم أي نص يقول بغير ذلك اعتبر الطرفان قد تنازلا عن حق الاستئناف بمفعول نظام الهيئة التي قبلا به وأحالا نزاعهم إليه.
وخلاصة القول أنه لايشترط أن يكون التنازل صريحاً في العقد أو في صك التحكيم لتحقيق شرط عدم امكان استئناف حكم المحكمين ولكن يمكن القول بهذا التنازل إذا كان هناك قاعدة أو شرط تقول به في نظام التحكيم الذي لجأ إليه الطرفان وعندها لابد من اعتبار حكم المحكمين نهائياً وقطعياً وغير قابل للاستئناف. ويمكننا إذاً أن نضع قاعدة عامة لهذا الشرط الوارد في المادة 532 أصول. يمكن أن نقول لايجوز استئناف أحكام المحكمين إذا كان هناك تنازل صريح عن حق الاستئناف في عقد التحكيم أو صك المشارطة أو نظام هيئة التحكيم التي لجأ إليها الطرفان لفض المنازعة فإذا تحقق وجود مثل هذا التنازل بالرجوع إلى الجهات المذكورة أو الوثائق المذكورة اعتبر الحكم غير قابل للاستئناف ومن ثم يتوجب رده إذا وقع.
وأخيراً لا بد لنا من الإشارة إلى أن ماورد في هذه الحالة (حالة التنازل عن حق الاستئناف) إنما يقوم على اتفاق الخصوم وهو مستمد من نظام التحكيم أساساً وليس من عمل المشرع مطلقاً. فالمشرع عندما أقر نظام التحكيم كما رأينا في التعليق والشرح الوارد على المادة 506 أصول إنما أقره وباعتباره كسائر العقود الرضائية التي يمكن أن تجري بين طرفين وبالتالي فإن الحكم التحكيمي إنما يخضع في طرق الطعن فيه للأصول التي يتفق عليها الطرفان وليس لأحكام القانون.
3 – إذا كان التحكيم في الاستئناف فقد قرر المشرع في المادة 532 من قانون الأصول أنه إذا كان التحكيم قد جرى في قضية معروضة على محكمة الاستئناف أو تنظر أمام المحكمة المذكورة فإن القرار التحكيمي يصدر في هذه الحالة غير قابل للاستئناف لأن اجازة استئناف حكم المحكمين في هذه الحالة يتنافى مع قواعد درجات المحاكم من حيث عدم جواز عرض النزاع على أكثر من درجتين بالإضافة إلى أن هيئة التحكيم تحل قانوناً محل الجهة القضائية التي كانت تنظر في أصل النزاع فهي تكون مساوية لها بالدرجة. وعليه لايجوز استئناف قرار المحكمين أمام المحكمة التي جرى التحكيم أمامها وباعتبارها من محاكم الدرجة الثانية ولذلك اكتفى المشرع في مثل هذه الحالة بعرض القرار التحكيمي على رئيس محكمة الاستئناف بوصفه قاضياً للأمور المستعجلة للنظر في طلب اكساء صيغة التنفيذ بناء لطلب أحد الخصوم.
4 – إذا كان موضوع أو قيمة النزاع الجاري بشأنه التحكيم مما يفصل فيه بحكم غير قابل للاستئناف. والظاهر أن المشرع في هذه الحالة لم يشأ أن يخلق درجة ثانية للطعن بالأحكام على عكس ماهو مقرر أصلاً في القانون خاصة وأنه افترض أن هناك نوع من الأحكام يصدر مبرماً من محكمة الدرجة الأولى (الحكم الصلحي بما لايجاوز القيمة فيه أو البدل ألف ليرة سورية) وباعتبار ان الأصل في قواعد التحكيم أن تحل هيئة المحكمين محل المحكمة في فصل النزاع فإن المشرع لم يشأ أن يجعل هذا القضاء الاستثنائي (قضاء التحكيم) وسيلة جديدة للطعن بالأحكام التي كان من المفترض بحكم القانون صدورها مبرمة من محكمة الدرجة الأولى وأبقى هذه المنازعات كما كانت في الأصل بالنسبة لطرق الطعن رغم التحكيم فيها.
وظاهر النص أن الحالتين موضوع الفقرتين 3 و 4 من هذا التعليق قد استمدهما المشرع من أحكام القانون مباشرة ولم يستمدها من اتفاق أطراف التحكيم وعقودهم كما في الحالتين 1 و 2 من هذا التعليق. فتطبق الحالتان موضوع الفقرتين 3 و4 بدون حاجة إلى وجودها في اتفاق التحكيم أو صك التحكيم حيث أن المشرع لم يتركها للمحتكمين.
2) – يرفع الاستئناف طبقاً للقواعد والمهل المقررة لاستئناف أحكام المحاكم العادية. أي أنه يرفع بموجب استحضار تراعى فيه الشروط المعينة للاستحضار الاستئنافي ويودع ديوان محكمة الاستئناف ويترتب على رفع الاستئناف وقف تنفيذ القرار التحكيمي مالم يكن مقترناً بالنفاذ المعجل كما يترتب عليه نقل النزاع إلى محكمة الاستئناف بجميع وجوهه. ويجوز للخصوم الادلاء أمام محكمة الاستئناف بجميع الأسباب والدفوع التي يمكن الادلاء بها في الاستئناف العادي.
وبعد تعديل قانون أصول المحاكمات المدنية يتوجب ارفاق صورة مصدقة عن القرار المطعون فيه بالاستئناف تحت طائلة الحكم ببطلان الاستئناف. ويترتب على هذه القاعدة الأصولية الجديدة أن الاستئناف لايمكن تقديمه إلا بعد ايداع حكم المحكمين في ديوان المحكمة المختصة لإمكان الحصول على صورة مصدقة عن هذا القرار لارفاقها مع لائحة الاستئناف.