الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 548 من قانون أصول المحاكمات السوري

الرأي الفقهي
استحدث القانون نظام الطعن من النائب العام وقضاتها لمصلحة القانون لمواجهة صعوبات تعرض في العمل وتؤدي إلى تعارض الأحكام في المسألة القانونية الواحدة. ويحسن لمصلحة القانون والعدالة أن تعرض هذه المسائل على المحكمة العليا لتقول كلمتها فيها فتضع حداً لتضارب الأحكام ولهذه الفكرة نظير في كثير من التشريعات الاجنبية كالتشريع الفرنسي والايطالي والبلجيكي. وقد رأى المشرع تعميم هذا النوع من الطعن بما يحقق الفائدة منه على نحو أكمل فلم يقصره على حالة تفويت الخصوم لميعاد الطعن أو نزولهم عن الطعن حيث يكون الطعن جائزاً وإنما بسطها أيضاً على الحالة التي يمنع المشرع الطعن فيها وسواء اكان المنع من الطعن بصفة عامة ام كان المنع من الطعن بالنقض – وسواء ورد هذا المنع في قانون المرافعات أم في قوانين خاصة لأن المنع من الطعن في كل الحالات انما ينصرف إلى الخصوم وحدهم حتى تستقر الحقوق المحكوم بها. ولكن ذلك لا يمنع من استهداف مصلحة عليا هي مصلحة القانون التي يحققها الطعن المرفوع من النائب العام لارساء المبادىء القانونية الصحيحة على أساس سليم كي تتوحد أحكام القضاء فيها – ولما كان أساس الفكرة تحقيق مصلحة عليا هي مصلحة القانون. فإن مقتضى ذلك الأخذ بها في كل حالة تتحقق فيها هذه المصلحة وعدم قصرها على الحالة التي يكون الحكم فيها قابلاً للطعن بالنقض ونزول الخصوم عنه أو فوتوا ميعاده. ومقتضى ذلك ألا يفيد الخصوم من هذا الطعن في جميع الحالات حتى يخلص هذا الطعن لوجه القانون.
وغني عن البيان أن الحكم بعدم قبول الطعن المرفوع من الخصوم أو بطلانه لا يحول طبقاً للنص دون ممارسة النائب العام لحقه مستقبلاً في الطعن لمصلحة القانون في هذا الحكم. لأن كلاً من الطعنين يختلف عن الآخر. فأحدهما مرفوع من الخصوم ويفيدون منه والاخر مرفوع من النائب العام ولا يفيد منه الخصوم. كما أن اسباب كل من الطعنين يختلف عن الآخر.
ولما كان الخصم الحقيقي في هذا الطعن هو ذات الحكم المطعون فيه فقد اكتفى المشرع بالنص على أنه لا محل لدعوى الخصوم في هذا الطعن وعلى نظره في غرفة المشورة لأن الغايه منه هي تحقيق مصلحة القانون فحسب والطعن المرفوع من النائب العام لمصلحة القانون لا يتقيد بميعاد. إذ قد لا يتبين سبب الطعن إلا بعد انقضاء المواعيد كما أن النيابة ليست خصماً في جميع الدعاوى المدنية والتجارية حتى تعلن بالاحكام الصادرة فيها. ولأن تحديد ميعاد الطعن بني على فكرة منتفية في الطعن المرفوع من النائب العام لمصلحة القانون إذ أن الحكم الصادر فيه لا يؤثر في مراكز الخصوم أو حقوقهم المحكوم بها.
وطلب النقض لمنفعة القانون يهدف أساساً إلى اصلاح الحكم الذي أصبح مبرماً من الاخطاء القانونية الواردة فيه للحؤول دون تكوين اجتهاد خاطىء ومخالف للقانون قد يؤثر في رأي المحاكم في المستقبل ومن ثم ما يجب أن يتعرض للطعن بهذا الطريق أن يكون مبني على مخالفة للقانون أو الخطأ في تطبيقه أو تفسيره. أما الأسباب المتعلقة بمصلحة الخصوم والتي يقتصر عليهم حق اثارتها كالسبب المبني على اغفال البت بأحد المطالب أو الحكم بما لم يدع به أو بأكثر مما ادعي به أو الأسباب الاخرى التي لا يترتب عليها تكوين اجتهاد أو تقرر حلول مبدئية مثلا يحال لتأسيس الطعن عليها.
وليس للخصوم أن يتدخلوا في هذا الطعن لعدم المصلحة ولا يحق لهم كذلك الاعتراض على القرار الذي يصدر بشأنه لذات العلة.
وكل ذلك بالنسبة للنص الأصلي يقبل اضافة الفقرة الاخيرة إليه بالمرسوم التشريعي رقم 10 لعام 1983 ولكن باعتبار أن هذه الفقرة الأخيرة المضافة قد جاءت مغايرة للهدف الحقيقي من الطعن نفعاً للقانون في الدعاوي الأخرى (غير العمالية) طالما أنه بموجب النص المضاف
1 – الطعن يوقف التنفيذ آلياً وبدون حاجة لصدور قرار بذلك.
2 – تفيد الخصوم من الطعن.
3 – في حال النقض تعاد الدعوى إلى المحكمة لاتباع النقض أو الحكم في الدعوى من جديد.
أي أنه يترتب على الطعن نفعاً للقانون في الدعاوي العمالية ذات الأثر التي تترتب على الطعون الأخرى العادية المرفوعة من الخصوم.
ولما كان سبب نظر الطعن في قضاء الولاية بدون دعوة الخصوم في النص الأصلي وقبل الاضافة المستحدثة بالمرسوم رقم 10 لعام 1983 هو أن الهدف من هذا الطعن هو تحقيق مصلحة القانون فقد وان الحكم الذي سيصدر عن محكمة النقض لا يؤثر في مراكز الخصوم أو حقوقهم المحكوم بها باعتبار أن الحكم المطعون فيه يبقى وحده نافذاً مهما كانت العيوب والاخطاء القانونية التي تتخلله. وعلى ذلك لا مصلحة قانونية في دعوة الأطراف أو ابلاغهم الطعن. ولكن في النص المستحدث المضاف بالمرسوم رقم 10 لعام 1983 فإن الغاية من الطعن تختلف تماماً كما ذكرنا. لذلك نرى
1 – يجب ابلاغ الخصوم صورة عن طعن النيابة العامة. واعطائهم الحق بالجواب على الطعن. طالما ان هذا الطعن قد يؤثر في مراكزهم القانونية أو حقوقهم المحكوم بها.
2 – ان هذا الطعن لا يمكن أن يكون كلياً. طالما أن لهذا الطعن ذات آثار الطعون الاصلية المرفوعة من الخصوم ولا بد من اتباع اجراءات الطعن الاخرى المنصوص عنها في القانون من وجوب رفع الطعن باسم النائب العام واعتبار الخصوم في الدعوى خصوم في الطعن أيضاً وبالتالي توجيه الطعن اليهم بالذات.
وعلى هذا نرى أنه لا بد لصحة الطعن المرفوع في القضايا الحالية من تحقيق صحة الخصومة فيه طالما أن الخصم الحقيقي في هذا الطعن لم يعد ذات الحكم المطعون فيه كما هو الحال في النص الأصلي قبل الاضافة. وبالتالي لا بد من تحقيق شرائط الطعن. من تقديم الطعن بلائحة وليس بكتاب. ومن اعتبار الخصوم طرفاً فيه ومن ابلاغهم صورة عن الطعن ليتسنى لهم اعداد دفوعهم وردودهم على هذا الطعن. والدفاع عن حقوقهم في الحكم موضوعه.
ومن جهة فإن نص الفقرة الأخيرة وان جاء خالياً من تحديد مدة زمنية للنيابة العامة وقضاتها للطعن بالأحكام العمالية لذات السبب الذي امتنع فيه المشرع عن تحديد المدة الزمنية في الطعون نفعاً للقانون في الحالات الأخرى.
ولكن باعتبار أن نص الفقرة الأخيرة المضافة بالمرسوم رقم 10 لعام 1983 قد أوجب وقف التنفيذ لمجرد تقديم الطعن من النيابة العامة أي أن المشرع قرر اعتبار الطعن موقفاً للتنفيذ بدون حاجة إلى حكم بذلك. فإن الأمر يبدو لي مرهقاً بالنسبة لأصحاب الحقوق والمحكوم لهم. لأنه يمكن أن لا تتخذ النيابة العامة اجراءات الطعن إلا حين تنفيذ الحكم واذا كان المحكوم عليه دائرة رسمية أو مؤسسة عامة فإن هذه المؤسسة أو الدائرة تمنع عند التنفيذ بانتظار رأي النيابة العامة بالطعن بالحكم نفعاً للقانون فتطول المدة كثيراً في مراسلات الدائرة أو المؤسسة وادارة قضايا الدولة والنيابة العامة مما يوجب تحديد مدة زمنية للطعن تلي تاريخ تبلغ صاحب العلاقة الحكم إلى الدائرة المختصة أو إلى النيابة العامة.