Call us now:
الرأي الفقهي
التسلم التزام لا ركن
بعد أن أصبحت الوديعة عقداً رضائياً يتم قبل التسليم تعين أن يكون نقل الشيء إلى يد المودع عنده التزاماً لا ركناً والتزاماً في ذمة المودع. ومن هنا امكن القول أن الوديعة عقد ملزم لجانب واحد إذ التسلم يلتزم به المودع عنده لا المودع. وإذ يغلب أن تكون الوديعة دون أجر ويصح ألا تنشىء التزامات في جانب المودع من رد مصروفات أو تعويض الضرر فيكون المودع غير ملتزم بشيء فإذا ما التزم بشيء كانت الوديعة عقداً ملزماً للجانبين.
ويلاحظ أن الوديعة قد تكون بأجر ولكن الأجر لا يدخل في عقود المضاربة. فيجوز للمودع أن يسترد الشيء المودع في أي وقت ولو قبل انقضاء الأجل. من ثم لا يمكن القول بأن للمودع عنده المأجور مصلحة في إلزام المودع بتسلم الشيء المودع إذا امتنع هذا عن تنفيذ الوديعة بعد تمامها. وعلى ذلك لا يكون التسليم التزاماً في ذمة المودع ويبقى التسليم التزاماً في ذمة المودع عنده وحده. وقد يتغير الأمر إذا كان أجل الوديعة محدداً في مصلحة المودع عنده أو كان هذا مأذوناً في استعمال الوديعة حيث لا يجوز للمودع أن يسترد الشيء المودع قبل انقضاء الأجل فقد يقال أن المودع يصبح في هذه الحالة ملزماً بتنفيذ الوديعة لمصلحة المودع عنده. ومن ثم يكون ملزماً بتسليم الشيء المودع كما التزم المودع عنده بتسليمه وتكون الوديعة عقداً ملزماً للجانبين.
كيف يكون التسلم والتسلم الحقيقي والتسلم الحكمي
يكون التسلم باستيلاء المودع عنده على الشيء المودع استيلاء مادياً بعد أن يضع المودع الشيء تحت تصرفه في الزمان والمكان المعينين. ويتبع في طريقة التسليم ووقته ومكانه القواعد في تسلم المشتري للعين المبيعة وهذا هو التسلم الحقيقي.
وقد يكون التسل حكمياً بأن يكون الشيء المودع موجوداً في يد المودع عنده قبل الوديعة ثم يتفق الطرفان على أن يبقى الشيء في حيازة المودع عنده على سبيل الوديعة. والتسلم الحكمي يفترض أن الشيء قد رد لصاحبه أولاً ثم سلمه هذا الأخير مرة ثانية بعقد الوديعة فيجتزأ عن عمليتي التسليم والتسلم ببقاء الشيء في يد المودع عنده بهذا السبب الجديد وهو عقد الوديعة.
جزاء الإخلال بالتزام التسلم
لما كان التسلم التزاماً في ذمة المودع فإن هذا مجبر على تنفيذه طبقاً للقواعد العامة. (الوسيط للسنهوري ج7 مجلد 1 ص698).
عدم جواز استعمال الوديعة
لا يجوز للمودع عنده أن يستعمل الوديعة ولا أن يسمح لأحد باستعمالها. ويتصل هذا الالتزام السلبي اتصالاً وثيقاً بالتزام المودع عنده بحفظ الشيء إذا الغرض من الوديعة هو حفظ الشيء لا استعماله.
على أنه يجوز للمودع أن يأذن للمودع عنده في استعمال الشيء ويبقى العقد مع ذلك وديعة بشرط أن يكون حفظ الشيء هو الغرض الأساسي من العقد واستعماله ليس إلا أمراً ثانوياً بجانب هذا الغرض الأساسي. والإذن كما يكون صريحاً قد يكون ضمنياً. ويستخلص الإذن الضمني من الظروف. ويمكن القول بوجه عام أن الإذن الضمني في استعمال الشيء يستخلص إذا كان هذا الشيء غير قابل للاستهلاك بأيسر مما يستخلص فيما لو كان الشيء قابلاً للاستهلاك.
وإذا أخل المودع عنده بالتزامه فاستعمل الشيء دون إذن صريح أو ضمني أو تصرف فيه من باب أولى كان مسؤولاً عن ذلك مسؤولية مدنية وجازت مساءلته جنائياً عن جريمة التبديد بالنسبة إلى المودع وعن جريمة النصب بالنسبة إلى من تصرف له. والإذن بالاستعمال لا يفترض بل يقع على المودع عنده عبء إثباته. (الوسيط للسنهوري ج7 مجلد 1 ص711 فقرة 359).
الاتفاق على تعديل قواعد المسؤولية
القواعد المقررة في مسؤولية المودع عنده عن حفظ الشيء لا يتعلق بالنظام العام فيجوز الاتفاق على ما يخالفه. ومن ثم يجوز الاتفاق على تشديد مسؤولية المودع عنده كما يجوز الاتفاق على تخفيفها أو على الإعفاء منها.
مثل تشديد مسؤولية المودع عنده أن يشترط المودع مسؤوليته عن عناية الشخص المعتاد حتى لو كان غير مأجور أو يشترط مسؤوليته إذا كان مأجوراً عن السبب الأجنبي.
ومثل تخفيف مسؤولية المودع عنده أن يشترط هذا وهو مأجور عدم مسؤوليته إلا عن عنايته الشخصية أو ألا يكون مسؤولاً عن التعويض إلا في حدود مبلغ معين ولو زاد الضرر على هذا المبلغ أو ألا يكون مسؤولاً عن أخطاء معينة.
وإعفاء المودع عنده من المسؤولية يكون بأن يشترط على المودع ألا يكون مسؤولاً عن خطأ ما. ويصح هذا الشرط حتى لو كانت الوديعة مأجورة لأن الإعفاء من المسؤولية عن الخطأ العقدي جائز. ولكن يبقى المودع عنده بالرغم من شرط الإعفاء مسؤولاً عن الغش أو الخطأ الجسيم. (الوسيط للسنهوري ج7 مجلد 1 ص710 فقرة 358).