Call us now:
الرأي الفقهي
نرى من النص سالف الذكر أن هناك فروضاً ثلاثة تجوز فيها الحراسة القضائية
الفرض الأول
ويشتمل على حالات وردت في نصوص معينة. وقد أجاز القانون فرض الحراسة القضائية في هذه الحالات الخاصة المذكورة على سبيل الحصر إذا توافرت الشروط التي نص عليها.
الفرض الثاني
يتناول الحالات المشار إليها في المادة السابقة أي الحالات المشار إليها في المادة 729 (695 سوري) وهي المادة الخاصة بالحراسة الاتفاقية. فتجوز الحراسة القضائية على منقول أو عقار أو مجموع من المال يقوم في شأنه نزاع أو يكون الحق فيه غير ثابت (مادة 729 مدني / 695 سوري). إذا لم يتفق ذوو الشأن على الحراسة (مادة 730 مني / 696 سوري). وهنا نرى أننا انتقلنا خطوة من التخصيص إلى التعميم فجعلنا الحراسة جائزة في كل شيء يقوم في شأنه نزاع أو يكون الحق فيه غير ثابت. والمفروض طبعاً في هذا الفرض أن هناك خطراً عاجلاً وهو الشرط العام في كل حراسة قضائية. ولكن قيام الخطر العاجل لا يكفي بل يجب أيضاً أن يكون هناك نزاع أو أن يكون الحق غير ثابت.
الفرض الثالث
وفيه لا ترد حالات خاصة معينة بذواتها بل ولا يرد قيام النزاع أو عدم ثبوت الحق فيكفي أن يقوم خطر عاجل أو كما يقول النص أن تتجمع لدى صاحب المصلحة من الأسباب المعقولة ما يخشى معه خطراً عاجلاً من بقاء المال تحت يد حائزه حتى يجوز للقاضي أن يفرض الحراسة القضائية. فلا يشترط إذن في هذا الفرض الثالث إلا توافر الشرط العام في كل حراسة قضائية وهو قيام الخطر العاجل. ويشترط في جميع أحوال الحراسة أن يكون هناك استعجال وهو ما يسميه التقنين المدني في المادة 730 منه (خطراً عاجلاً) وما يسميه قانون المرافعات بالمسائل المستعجلة التي يخشى عليها من فوات الوقت. وهذا الشرط مطلوب في جميع أحوال الحراسة القضائية.
والخطر العاجل هو خطر فوري يهدد مصلحة ذي الشأن لاو يدفعه إلى وضع المال تحت الحراسة. وتقدير ما إذا كان هناك خطر عاجل يتوقف على ظروف كل حالة فيختلف من حالة إلى أخرى بحسب تغير الظروف ولذا كان الخطر العاجل أمراً تقديرياً متروكاً إلى قاضي الموضوع ولا معقب عليه في ذلك من محكمة النقص. فيكون هناك خطر عاجل إذا وقع نزاع على ملكية المال أو على حيازته وكان بقاء المال في حيازة واضع اليد يخشى منه ضياعه أو تلفه أو تبديد الريع. ويتحقق الخطر العاجل في إدارة المال الشائع إذا وقع خلاف بين الشركاء بحيث يصبح بعضهم مهدداً بضياع نصيبه في الريع أو بحيث يصبح المال نفسه مهدداً بنزع الملكية. ويتوافر شرط الخطر العاجل في التركة إذا قام خلاف بين الورثة على قيمة نصيب كل منهم أو على قسمة أموال التركة أو على إدارتها.
والخطر العاجل يكمن في طبيعة الحالة التي تستوجب الحراسة القضائية ولا شأن لها بإرادة الخصوم. فإذا رأى القاضي أن الخطر العاجل غير متحقق حكم برفض الحراسة القضائية حتى لو كان الخصوم جميعاً متفقين على وجود هذا الخطر مع عدم الإخلال باتفاق الخصوم على الحراسة الاتفاقية.
والخطر العاجل والاستعجال أمر واحد فحيث يوجد خطر عاجل يكون الأمر مستعجلاً ويدخل في اختصاص القضاء المستعجل كما يدخل في اختصاص محكمة الموضوع باعتباره أمراً مستعجلاً يقتضي اتخاذ إجراء تحفظي هو وضع المال تحت الحراسة القضائية.
فإذا رفعت دعوى الحراسة أمام محكمة الموضوع فما على المحكمة إلا أن تتثبت من وجود الخطر العاجل. أما إذا رفعت أمام القضاء المستعجل فعلى القاضي أن يتثبت أولاًمن وجود الخطر العاجل كشرط موضوعي للحكم بالحراسة وأن يتثبت ثانياً من وجود الاستعجال وهو درجة أعلى من الخطر كشرط لاختصاص بنظر الدعوى.
ويخلص مما تقدم أن شرط الخطر العاجل هو شرط موضوعي حتى لو رفعت دعوى الحراسة أمام القضاء المستعجل. ويترتب على ذلك ما يأتي
1 – إذا رفعت الدعاوى أمام القضاء المستعجل وراى القاضي أن الشرط لم يتوافر جاز أن يحكم برفض الدعوى لا بعدم الاختصاص.
2 – وإذا رفض القضاء المستعجل دعوى الحراسة لعدم توافر الشرط لم يجز رفعها من جديد أما محكمة الموضوع وذلك ما لم تتغير الحالة وتنشأ ظروف جديدة يتحقق معها قيام الخطر العاجل.
3 – وإذا رفعت دعوى الحراسة أمام محكمة الموضوع جاز الدفع بانتفاء الخطر العاجل في أية حالة كانت عليها الدعوى حتى أمام محكمة الاستئناف لأول مرة.
4 – ولا يجوز رفع دعوى الحراسة أمام محكمة الموضوع إلا كإجراء وقتي تابع للدعوى بأصل الحق. فلا ترفع أمام هذه المحكمة كدعوى مستقلة ذلك أنها بطبيعتها دعوى تحفظ وقتي وهي هي لم تتغير طبيعتها سواء رفعت أمام القضاء المستعجل أو رفعت أمام محكمة الموضوع. فإن رفعت أمام هذه المحكمة الأخيرة رؤفعت كإجراء وقتي للدعوى الأصلية.
طبيعة الحراسة القضائية
والحراسة القضائية بطبيعتها إجراء تحفظي ويستتبع ذلك أن تكون إجراء وقتياً لا يمس الموضوع.
1 – فهي إجراء تحفظي. ومن ثم لا يصح أن تكون الحراسة القضائية إجراء تنفيذياً أو أن تستعمل وسيلة للضغط على المدين حتى تدفعه للوفاء بدينه.
2 – وهي إجراء وقتي. ويترتب على ذلك أن لا تبقى إلا ببقاء الظروف التي استدعتها. فإذا تغيرت الظروف وأصبحت الحراسة لا ضرورة لها وجب رفعها. فإذا رفعت الدعوى في وقت لم يكن هناك مبرر لوضع الحراسة على المال لم يكن هذا مانعاً من الحكم بالحراسة بعد ذلك إذا تغيرت الظروف وجد ما يستدعي وضعها. ولكن هذا لا يعني أن الحكم في دعوى الحراسة لا يحوز قوة الأمر المقضي بل هو كسائر الأحكم الوقتية يحوز هذه القوة ما دامت الظروف التي صدر فيها باقية لم تتغير. فإذا تغيرت نشأ سبب جديد يمتنع معه الاحتجاج بقوة الأمر المقضي.
3 – وهي إجراء لا يمس الموضوع. والحكم بالحراسة القضائية ليس من شأنه أن يؤثر في موضوع الدعوى الأصلية فلا يزال النزاع الموضوعي على حاله لا يتأثر بالحراسة.
ويجب في المال الذي يوضع تحت الحراسة أن يكون قابلاً للتعامل فيه وقابلاً لإدارته بواسطة الغير ومتصلاً بموضوع الدعوى بحيث يكون من شأن الفصل في هذا الموضوع احتمال رفع اليد الحالية عن المال.
ويجوز أن يكون المال الموضوع تحت الحراسة حقوقاً معنوية كحق المؤلف وبراءة الاختراع والعلامة التجارية. فإذا وقع نزاع في ملكية هذه الحقوق مثلاً جاز وضعها تحت الحراسة. (الوسيط للسنهوري ج7 مجلد 1 ص791 وما بعدها).
إجراءات دعوى الحراسة
ترفع دعوى الحراسة بناء على طلب المدعي بصيفة تعلن للمدعى عليه على يد أحد المحضرين. وإذا رفعت بطريقة تبعية لدعوى الموضوع جاز رفعها بالإجراء الذي ترفع به الطلبات العارضة. ويجب أن يبين في صحيفة الدعوى موضوعها وطلبات المدعي فيها بإيجاز. ويكون ميعاد الحضور أربعاً وعشرين ساعة ويجوز في حالة الضرورة القصوى نقص هذا الميعاد وجعله من ساعة إلى ساعتين بشرط أن يحصل الإعلام للخصم نفسه.
ويجب أن تعين في صحيفة الدعوى الأموال المطلوب وضعها تحت الحراسة. وتجوز الإحالة في هذا التعيين إلى عقد مضموم إلى ملف الدعوى (استئناف مختلط 25 فبراير سنة 19114 المحاماة 26 ص255 و 5 ابريل سنة 1916 المحاماة 28 ص232 و 7 فبراير سنة 1935 المحاماة 47 ص148).
ويجوز أن يكون مدعياً في دعوى الحراسة الشريك في شركة المحاصة بطلب وضع الشركة تحت الحراسة (استئناف مختلط 24 نوفمبر سنة 1920 المحاماة 33 ص25). وكذلك يجوز أن يكون مدعياً كل شخص يتقدم بادعاء الملكية ادعاء جدياً بطلب وضع العين تحت الحراسة (استئناف مختلط أول مارس سنة 1923 المحاماة 35 ص262). وكل من يدعي حقاً في شيء يصح أن يكون مدعياً في دعوى الحراسة (استئناف مختلط 22 مارس سنة 1933 المحاماة 45 ص210).
وتتبع في دعوى الحراسة الإجراءات المقررة في قانون المرافعات للدعاوى المستعجلة. وإذا رفعت دعوى الحراسة بطريق التبعية أمام محكمة الموضوع فإنه يجوز رفعها لأول مرة أمام المحكمة الاستئنافية باعتبارها من الإجراءات التحفظية التي يجوز تقديمها في أية حالة تكون عليها الدعوى.
حجية حكم الحراسة
حكم الحراسة حكم وقتي سواء صدر من قاضي الأمور المستعجلة أو من محكمة الموضوع. ولا ينفي عنه هذه الصبغة الوقتية أن يفصل بصفة قطعية. فهو يفصل قطعياً في الحراسة لمدة مؤقتة ويكون في خلالها قابلاً للتعديل إذا تغيرت الظروف التي اقتضت إصداره. فحكم الحراسة إذن حكم قطعي وقتي.
وهو كحكم قطعي يحوز قوة الأمر المقضي. ومن ثم يقيد القضاء ويلزم طرفي الخصومة. فليس للقضاء أن يعدل عن حكمه وليس لطرفي الخصومة أن يرفعا دعوى ثانية بذات الموضوع ونفس السبب للوصول إلى تعدي الحكم الأول ما لم تتغير الظروف.
ويترتب على ذلك أنه إذا قضت المحكمة برفض دعوى الحراسة لأسباب معينة ثم حصل تغيير في مركز الطرفين يمكن معه رفع دعوى حراسة جديدة جاز ذلك (نقض مدني 21 يناير سنة 1952 مجموعة أحكام النقض 3 رقم 75 ص438 و 11 مارس سنة 1954 مجموعة أحكام النقض 5 رقم 100 ص615).
ولا يشترط في الوقائع التي تغير مركز الخصوم أن تكون قد حدثت بعد صدور حكم الحراسة بل يكفي وجودها ولو حصلت قبل صدور هذا الحكم ما دامت لم تطرح أمام المحكمة ويفصل فيها بالقبول أو بالرفض. وللمحكمة بحث وقائع الدعوى المطروحة ومستندات الطرفين وظروف الدعوى السابقة والحالية لمعرفة ما إذا كان قد حصل تغيير في الوقائع المادية أو في مركز الطرفين القانوني يبيح للمحكمة العدول عن حكمها الأول أو التعديل فيه (مصر مستعجل 19 نوفمبر سنة 1934 المحاماة 15 ص282 واستئناف مختلط 16 مايو سنة 1929 المحاماة 41 ص240 و 18 فبراير سنة 1931 المحاماة 43 ص241).
تنفيذ حكم الحراسة
أول أثر لحكم الحراسة هو إضفاء صفة الحارس على من اختير لذلك. وهذا الأثر يقع بمجرد صدور الحكم دون حاجة إلى أي إجراء آخر. ثم يأتي بعد ذلك تسليم الأموال التي فرضت عليها الحراسة للحارس وهذا يستوجب إعلان الحكم إلى المحكوم عليه إلا إذا أمرت المحكمة بتنفيذ الحكم بموجب مسودته بغير إعلان.
ويشمل التسليم الشيء الأصلي الموضوع تحت الحراسة وتوابعه ولو لم ينص الحكم عليها.
وإذا كانت لأعيان الموضوعة تحت الحراسة يشغلها مستأجرون فإن تسلم الحارس لها لا يعني نزعها من أيدي المستأجرينت وإخراجهم منها ولكن يكون تسلمها بحلول الحارس محل واضع اليد السابق في قبض الأجرة.
وقد تعترض الحارس صعوبات في تنفيذ حكم الحراسة فله أن يلجأ إلى القضاء المستعجل للفصل في هذه الصعوبات. (الوسيط للسنهوري ج7 مجلد 1 ص896 وما بعد).